عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 أيلول 2024

هدف تعيين عسكري للقطاع

نبض الحياة - عمر حلمي الغول

مع دخول الإبادة الجماعية على قطاع غزة الشهر 12 أعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء 28 آب/ أغسطس الماضي عن استحداث منصب جديد في الجيش الإسرائيلي هو "رئيس الجهود الإنسانية في قطاع غزة"، يرأسه العميد إلعاد غورين، الذي كان سابقا ضابطا في وحدة منسق أعمال الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967. وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت" الخميس 29 من الشهر ذاته. 

وهذا المنصب يوازي منصب رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الفلسطينية. وسيكون من صلاحياته متابعة إمكانية عودة مليون نازح إلى شمال القطاع، ومشاريع إعادة البناء، والتنسيق مع مؤسسات المساعدات الإنسانية، ونقل المساعدات للسكان، والاستعداد لفصل الشتاء. وحسب الصحيفة، إن تعيين غورين ناجم عن غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى حكومة نتنياهو لما يعرف باليوم التالي للحرب، ولإدراك الجيش أن المسؤولية الإسرائيلية عن الجوانب الحياتية اليومية في غزة ستتواصل، بل ستزداد خلال السنوات القادمة. والنقطة الأخيرة تفتقد الدقة. لأن نتنياهو وأركان ائتلافه حددوا هدفهم، ومن يعد لكتاب رئيس الوزراء الصادر عام 1996، يدرك وضوح الرؤية الاستراتيجية لخياره.

وتقديرات مسؤول أمني كبير للصحيفة، أن المنصب معد لفترة طويلة، وليس لإدارة مشروع محدود، وهو ما يعني استمرار الاحتلال لغزة لعدة سنوات وفق المخطط الإسرائيلي. وأضافت "يديعوت أحرونوت"، أن هذا الإجراء يهدف إلى "إعطاء الجيش شرعية دولية لمواصلة الحرب على غزة دون أن تتأثر الجوانب الإنسانية كحدوث مجاعة أو أزمة إنسانية." وهذا لا يمت للحقيقة بصلة. لأن وجود الاستعمار الإسرائيلي في القطاع سيفاقم من الأزمة الإنسانية في غزة.

وهذا ما كشفته القناة الإسرائيلية "كان 11"، بمعارضة الأجهزة الأمنية لفكرة فرض "حكم عسكري" على قطاع غزة، بسبب التكلفة الباهظة والعواقب الوخيمة لمثل هذا الخيار. ونقلت القناة عن مصادر إسرائيلية، أن تكلفة مثل هذه الإدارة العسكرية تبلغ 20 مليار شيقل سنويا، إضافة إلى 400 وظيفة جديدة في الجيش الإسرائيلي. إضافة لذلك، ستنخرط 5 فرق عسكرية للعمل بشكل مستمر في القطاع، وستكون مسؤولة عن نحو 2,5 مليون فلسطيني. وما لم تعلنه القناة، هو تصاعد المقاومة الفلسطينية، وزيادة تكلفة الاستعمار الإسرائيلي لأي جزء من الأرض الفلسطينية، وخاصة في غزة.

والتكلفة المذكورة أعلاه لا تتعلق بـ"إعادة تأهيل القطاع" من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس وطرق وغيرها، إنما بما سيضاف من تكلفة لإنشاء بنية تحتية للحكم العسكري من إقامة قواعد داخل القطاع. كما سينجم عن الخطوة إلحاق ضرر كبير بالدفاع مع تقليص واسع في عملية تأهيل القوات العسكرية، يصل حد إلغاء تدريبها، ومضاعفة نطاق الخدمة الاحتياطية.

فضلا عن انعكاس هذه الخطوة على مكانة إسرائيل الدولية، وخاصة مع الولايات المتحدة ودول الجوار، مثل مصر والأردن ودول "اتفاقات أبراهام"، إلى حد قطع العلاقات مع إسرائيل. وهذا الاستنتاج مبالغ به، ويحتاج إلى تدقيق، بالإضافة لإيقاف المساعدات الدولية، إذ لن توافق أي دولة على تقديم المساعدات الإنسانية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. غير أن هذا الاعتراض من الأجهزة الأمنية سينتهي، في حال طلبه المستوى السياسي، فسوف يعملون على تنفيذه."

وكانت صحيفة "الواشنطن بوست" كشفت عن السيناريو القبيح لنتنياهو، والهادف إلى قطع الطريق على إبرام صفقة التبادل للأسرى، ووقف الحرب. ويرفض حتى اللحظة تسليم القطاع للسلطة الوطنية أو لأي جهة أممية. وكان أرسل برقية للبيت الأبيض خلال الأيام القليلة الماضية يوضح فيها رؤيته للمرحلة المقبلة. ويرى رئيس وزراء إسرائيل القطاع بشكل مختلف، ويترتب على ذلك: أولا إعلان إسرائيل احتلال قطاع غزة رسميا، وإبلاغ الأمم المتحدة بذلك. معللا الخطوة، بأنها حماية للأمن القومي الوجودي لإسرائيل؛ ثانيا قطع علاقة القطاع بالسلطة الوطنية، بما في ذلك الالتزامات المالية للقطاع من السلطة الفلسطينية؛ ثالثا إنشاء إدارة مدنية للإشراف على كافة الخدمات المحلية؛ رابعا تعيين إسرائيل رؤساء المجالس البلدية؛ خامسا إحصاء تعداد السكان، وإصدار بطافات هوية جديدة؛ سادسا إصدار جوازات سفر جديدة يطلق عليها "لسيه باساه" لمن يرغب بالسفر؛ سادسا السماح للسكان بالسفر من خلال معبر جديد، سيُعلن عنه لاحقا؛ سابعا محاولة دمج من تبقى من أهالي شمال غزة في الشمال بعد المسح الأمني، ومنح أهالي الجنوب فرصة العمل في مشاريع النقب؛ ثامنا إعمار عدد من المدارس ووضع منهاج يتناسب مع مصلحة إسرائيل.

وهذا المشروع الذي بدأ بالإعلان مع تعيين وتكليف الضابط غورين لتولي مهمته، ليس للشو الإعلامي، وفق بعض المتابعين، ولا هو للترف السياسي، وقد تمتد عملية السيطرة الاستعمارية الكاملة على القطاع لسنوات عديدة، بالتلازم مع توسيع الإبادة بالضفة الغربية، وتعميق وزيادة التهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين من محافظات الضفة، في عملية تطهير عرقي كبيرة وغير مسبوقة، مع تصفية الكيانية الفلسطينية تماما، وفتح أبواب الاستيطان الاستعماري على مدياتها لتحقيق الهدف الاستراتيجي الصهيوني بإقامة "دولة إسرائيل الكاملة" على فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر. وبعد ترتيب وتنظيف قطاع غزة من المقاومة، يمكن الانسحاب منه، والعمل على إقامة دولة أو كيانية فلسطينية هناك دون الضفة.

وهذا مرتبط بالمشروع الاستراتيجي الصهيوني في الحؤول دون استقلال الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وشطب الكيانية الفلسطينية كليا من معادلة الصراع. ولا أعتقد أن المخطط الإسرائيلي بعيد عن الإدارة الأميركية، أو عن دول الإقليم. كما أنه يرتبط بشكل مباشر بإعادة تشكل الإقليم استباقا للتحولات الجيوسياسية الدولية، وفرض الهيمنة الكاملة من قبل الولايات المتحدة عليه في إطار تقسيم النفوذ العالمي.

لكن هذا السيناريو القبيح المرفوض فلسطينيا ومن قطاعات واسعة من المجتمع الدولي سيواجه بقوة وبمختلف الوسائل والاشكال الكفاحية، حتى هزيمته. لأنه غير قابل للحياة، وتجربة تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تؤكد أن لا سلام ولا أمن، ولا استقرار في الإقليم إلا بتحقيق الشعب العربي الفلسطيني حقوقه الوطنية كاملة تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد، وإسرائيل المأزومة والمارقة لن تنجح، فيما لم تحققه على مدار تاريخ الصراع السابق، وسيرتد السيناريو إلى داخلها مزيداً من التفسخ والانقسام والحرب الأهلية، ثم الاضمحلال.

[email protected]