عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 آب 2024

عندما يكون قلب الأم بوصلتها السرية

وداع وتشييع جثماني الشهيدين وائل مشة وأحمد شيخ خليل في مخيم بلاطة. "تصوير: عصام الريماوي"

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في فلسطين، قلب الأم وحده يمتلك البوصلة السرية لمعرفة مصير الابن في خضم الموت الذي لا يبرح المكان، الذي بات متربصا خلف أبواب المنازل الهادئة، ينسج خيوطه في الظلام، ليرميها على الأكتاف المثقلة بالهموم، ويزرع في الأرواح هالة من الانتظار المر.

لم تكن والدة الشهيد وائل مشة الذي ارتقى في قصف على مخيم بلاطة أمس بحاجة إلى نبأ رسمي لإعلان ارتقاء نجلها، فقد شعرت في تلك اللحظة العابرة بهبوب رياح الغياب، وأيقنت أن ثمة شيئا أُخِذَ منها قبل أن يقال.

كانت تلك الأم، تحس بصوت لا يسمعه أحد إلا هي، صوت الخطر الذي يقترب من ابنها وائل (18 عاما). تلك اللحظة التي أطلقت فيها قوات الاحتلال صاروخا، كانت لحظة تحول في سماء الأمومة، كأن الكون كله همس في أذنها باسم وحيد: "وائل". فتلك الأم التي لم تنقطع عن الدعاء لأبنائها، عرفت أن كلمة استشهاد قد كتبت بيد القدر هذه المرة، لكن هذه المرة كان النداء يأتي من جوف قلبها، من دفء يديها اللتين تحترقان شوقا لحماية فلذة كبدها.

تقول أم وائل مشة: "عندما أطلق الاحتلال صاروخها قلت لأبنائي مباشرة: وائل استشهد" ورددت بعدها عبارة "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرا منها".

وتضيف: "شعرت أن قطعة من قلبي قطعت مع دوي صوت الصاروخ".

قبل يوم من استشهاده، كان وائل مشة يتجول في أركان المنزل كما لو أنه كان يودع ذاكرة المكان، بلمساته الهادئة التي حاكت أحاسيس كل حجر وزاوية. قبل جبين والدته كأنها قبلة وداع، لم تكن مجرد قبلة عابرة بل كانت رسالة مغلفة بالحزن، أرسلها إليه القدر ليشعرها بأنها النهاية. وبذلك الحدس الخفي الذي تملكه الأمهات فقط، عرفت والدته أن لقاءه هذا ليس ككل لقاء، وأنه لن يعود إلا بخبر الموت.

تقول الأم المثقلة بالألم: "كان يودع كل زاوية في المنزل، لم يترك مكانا إلا ودعه، طلبت منه أن أبوس ذقنه قبل أن يغادر المنزل، كانت القبلة الأخيرة ورفض البقاء معنا وقال إنه لا يريد أن يسبب لنا ضررا".

واستشهد مشة في قصف احتلالي على مخيم بلاطة برفقة أحمد فراس خليل. ونعت حركة فتح الشهدين اللذين ودعا في موكب جنائزي مهيب.

وأفرجت سلطات الاحتلال عن وائل مشة في شهر نوفمبر الماضي، إلا أنها عادت وطاردته مجددا حتى اغتالته في الغارة التي تعرض لها مخيم بلاطة فجر أمس.