فتحية السعودي : الحياة بحر من المعرفة وهي مليئة بالمعاناة والفرح

•عمر أبو الهيجاء
غيّب الموت الشاعرة والطبيبة والمترجمة الدكتورة فتحية السعودي، الخميس الماضي
في لندن، بعد صراع مع مرض عضال.
والسعودي من مواليد عمان، درست وتخصصت في طب الأطفال في فرنسا، وعملت أخصائية أطفال في لبنان والأردن، خاصة مع الفئات الأقل حظا، ولها اهتمام بالدفاع عن قضايا الإنسان العادلة، حيث شاركت في العديد من المؤتمرات والندوات على المستوى العربي والدولي.
صدرت لها مؤلفات باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، كما قامت بترجمة مختارات من الكتب العلمية والأدبية، وحصلت على عدة أوسمة وجوائز لنشاطها في المجالات الإنسانية والثقافية والعلمية.
صدر لها شعرا: «بنت نهر"، بالإنكليزية أولا ثم بالعربية، «الأنبياء طفولة ونبوءة»، بالإنكليزية أولا ثم بالعربية، كما صدر لها «أيام الجمر، يوميات حصار بيروت» 1982 باللغة الفرنسية أولا ثم بالعربية، إضافة لكتب أخرى.
حاورت الشاعرة الراحلة سابقا، بمناسبة صدور ديوانها "بنت النهر"، وحول تجربتها الشعرية وقضايا أخرى في الإبداع.
ففي هذا الحوار الاستذكاري تذهب الشاعرة الأردنية د. فتحية السعودي إلى أن الكتابة نوع من الاغتراب المؤقت، والكتابة مرحلة وحدة واعتزال عن الآخرين، و»هي مرحلة رؤية الذات والعالم عبر مرآة قد تكون شفافة أو ضبابية أحيانا، مؤكدة أن كتابتها بلغة غير العربية فتحت لها بوابات العقل الباطني حيث يغفو النص الإبداعي».
السعودي نفسها من مواليد عمان، درست الطب، وتخصصت في طب الأطفال بفرنسا، ساهمت في العديد من الندوات والمؤتمرات حول قضايا الإنسان العادلة والحريات في العالم، صدر لها، من قبل، مؤلفات باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، من بينها: «النسيان المتمرد»، بالفرنسية، و»أيام الجمر»، بالعربية، وديوانا شعر باللغة الإنجليزية، نالت عدة جوائز وأوسمة لنشاطاتها في الحقلين الاجتماعي-الإنساني والثقافية بما فيها: «وسام الاستحقاق الفرنسي من رتبة فارس»، وتقيم حاليا في بريطانيا.
* في ديوانك «بنت النهر»، ثمة أحلام طال انتظارها، ورؤى وجراحات معتقة غاصت في ثنايا الروح والجسد، ماذا تقولين؟
- هذا تحديدا ما لمسته وكتبته الناقدة خالدة سعيد حول «بنت النهر»، أعتقد أن كتابة نص شعري هو عملية أو محاولة لتكثيف أزمان وأماكن عديدة لها وقع وتأثير على الروح والكينونة والعقل، والتكثيف هو محاولة لربط الزمن الماضي مع الحاضر وربما إضافة رؤية أو تطلع مستقبلي، وثنايا الروح والجسد هي بمثابة عوالم عديدة يصعب بلوغها، وتحتاج إلى رحلة شاقة في معابر الروح لبلوغها أو للتعرّف عليها، لذا فعندما أبدأ كتابة نص ما هناك صورة وشعور وكيانات غافية في العقل الباطني، تترقب اللحظة الملائمة للولادة لتأخذ حياتها على شكل كلمات، ولذا تفاجئنا القصيدة بعد ولادتها وكأننا نراها لأول مرة على هيئة كلمات.
* في «بنت النهر»، تطلين على الذات – ذات الشاعرة، وتبحرين في ملكوت الأشياء، وتعاينين معنى الاغتراب وتكشفين عن الألم المستوطن في الحياة، كيف تنظرين وتقرأين معنى الفرح؟
- الحياة بحر من المعرفة وهي مليئة بالمعاناة والفرح، وأعتقد أن أهم عامل هو محاولة الانفتاح على التجارب التي نعبر بها ونتعمق فيها، لكي نتمكن في النهاية من تحويلها إلى معرفة ايجابية ولكي تسمح لنا بالارتقاء روحيا وجسديا، هذه المحاولة هي الطريقة لتجاوز مشاعر سلبية مثل الغضب أو عدم التسامح أو الشعور كقيمة او استمرار العنف، هذا ينطبق على الفرد وعلى المجتمع، الكتابة هي نوع من الاغتراب المؤقت، والكتابة مرحلة وحدة واعتزال عن الآخرين، هي مرحلة رؤية الذات والعالم عبر مرآة قد تكون شفافة أو ضبابية أحيانا، ولكنها أيضا محاولة للتغلب على حالات الاغتراب الأخرى، الاغتراب في المكان، في اللغة، الاغتراب الكينوني، اغتراب الذات، الكتابة مثل حبل نجاة، ولكن الكاتب هو النسّاج كلما أتقن النسج كلما تمكّن، مزيدا، من الغوص في أعماق ذاته وبلوغ شاطئ آمن في نهاية رحلة الاغتراب، بالنسبة لي أشعر أنني اخترت منذ طفولتي حياة متعددة، متجددة، ولكنها صعبة ومضنية أحيانا، ولكنها حياة تستحق العيش لأنها أغنتني بآفاق ومعارف عديدة، وحملتني عبر محيطات مائجة، دعني أذكر هنا قول محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
* لك تجارب في الكتابة بلغات أخرى، كيف استقبل الآخر كتاباتك؟ وأين تجدين نفسك.. في لغتك الأم .. أم في اللغات الأخرى؟
- اللغة واللغات عالم رحب ومجهول أحيانا، والإنسان عند ولادته وفي السنوات الأولى قادر على اكتساب لغة من بين 5000 لغة بشرية، بمعنى أن هناك مكان ما في العقل البشري قادر على فهم كل اللغات، ربما عانيت في فترة ما حالة من الاغتراب عن لغتي الأولى العربية، وربما خلقت حالة من الرقابة الذاتية حالت بيني وبين استخدام العربية في الكتابة الإبداعية، هناك مسافة ما بين استخدام لغة في الحياة اليومية والمهنية والتواصل مع الآخرين وبين استخدام اللغة ذاتها للتعبير عن الذات والمشاعر والكيان الإنساني، اللغة الأخرى سمحت لي وفتحت لي بوابات العقل الباطني حيث يغفو النص الإبداعي، اللافت للنظر ان قارئ نصوصي في اللغة الانجليزية مثلا، يشعر فورا ان بعض الصور قادمة من ثقافة ولغة أخرى، وبالطبع السؤال المطروح عليّ آنذاك، في أي لغة أفكر أو حتى أحلم..التجأت شخصيا الى لغة أخرى عندما احتجت للكتابة عن موضوع أو مرحلة متعلقة بالتعبير عن المشاعر والأحاسيس، لكني مؤخرا تجرأت على نقل قصائدي الى اللغة العربية، وكأنني تحررت من العديد من قيود الماضي المفروضة أو التي اخترتها، وأشعر اليوم بسعادة ورضا لإصدار «بنت النهر»، هذه المحاولة كانت تبدو مستحيلة أو غير ممكنة قبل سنوات ولكنها اليوم حقيقية، لذا فعالم اللغات مليء بالمفاجأت، ربما تواجه المرأة هذه الحالة أكثر من الرجل..هل أقول إنني عدت الى حضن اللغة العربية بعد اغتراب طال؟.
* القارئ لـ"بنت النهر»، يلحظ مدى اشتغالك على تنويعات عالجت فيها: الشتات، الغربة، الأمل المنشود، والحلم بكافة تجلياته، ما الذي تريدنه من القصيدة؟
- ماذا أريد من القصيدة؟ ليتني أعرف الجواب، في حالتي أردت من القصيدة أن تكون مرآتي، أن تكون النهر الصافي حيث رؤية أستطيع طبقات ذاتي وعقلي، أردت من القصيدة أن تكون مسكنا لي ونبعا يروي عطشي وتطلعي لحالة أخرى، أردت معرفة الأنا من خلال القصيدة، وسمحت للكلمات أن تنقلني إلى غابات وصحارى ومحيطات ووديان وفيضانات وكوارث لكي تجد روحي لغتها ومنزلتها، ولكي أصل حالة من الصفاء الداخلي، أعتقد أن القصيدة كانت وفيّة لي وأصبحت مثل صديق عزيز أحاوره وتحاورني.
• شاعر وصحفي فلسطيني يقيم بالأردن
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين