سبيل البقاء في "عين الحلوة" صورة قلمية

رام الله– الحياة الجديدة– عاطف أبو الرب- ما زالت صورته عالقة في مخيلتي، وقد وجدت صورا له في أرشيفي المليء بالصور من خلال متابعاتي وحضوري للعديد من الفعاليات والمناسبات في الأغوار بشكل عام وفي منطقة عين الحلوة بشكل خاص، إنه المرحوم عليان زامل دراغمة، الذي عاش حياته في الأغوار، ولم يمت إلا بعد أن ورّث أبناءه قطيعا من الأبقار، وحيزا صغيرا في منطقة عين الحلوة في الأغوار، بعد أن حاصره الاحتلال، وأجبره كما أجبر غيره على الاستقرار المؤقت في مناطق حددها الاحتلال للعائلات في الأغوار. فبعد سنوات من الملاحقة والتهجير، وفي كل مرة يزيد الاحتلال من القيود على هذه العائلات، حتى أصبحت تعيش في مساحات ضيقة محاصرة، بناء على تعليمات سلطات الاحتلال، تحت التهديد بمزيد من الترحيل والهدم لمن يخالف هذه التعليمات، اضطر الحاج عليان دراغمة للبقاء في بؤرة صغيرة بالكاد تتسع له ولأبقاره. نعم ورثهم قطيعا من الأبقار، ومساحات ضيقة من الأراضي أقاموا فيها سنوات طويلة، وتقع على مفترق طرق هام وحيوي، قبل أن تتم إقامة مستوطنة مسكيوت، التي أقيمت على مقربة من عين الحلوة، وصار طريق المستوطنة من بين بيوت أبناء عليان دراغمة التي تنتشر على طرفي الشارع المعروف بشارع الأغوار، والذي يوازي شارع 90، ويعرف إسرائيليا بشارع ألون. كما ورّث الحاج عليان دراغمة أبناءه قدرة غير عادية على تحمل القهر في سبيل الاحتفاظ بمكان تتواجد فيه عائلاتهم، بعيدا عن خطر الترحيل، ولو لفترة مؤقتة. وطوال سنوات بقي الأبناء عادل، وقدري وفتحي، وساطي يقيمون في الموقع، وحاولت عدة مؤسسات محلية ودولية إقامة منشآت لخدمة هذه العائلات، لكن لم تصمد كل المشاريع بوجه الاحتلال، لتوقف التمويل من جهة، وتغير الأوضاع السياسية التي فسحت المجال للاحتلال للاستفراد بالعائلات في المكان. هنا لن أتحدث مع أصحاب الأرض ليحكوا قصصهم، وهم الأقدر على ذلك، ولن أسمح لنفسي بتعريضهم للمضايقات في حال تحدثوا للإعلام، بل سأنقل بكلماتي ومن خلال ما عايشته في السابق، ومن خلال متابعاتي عن بعد لما يجري في هذه الفترة. وأتمنى أن استطيع نقل صورة ولو بسيطة مما يعانيه أبناء وأحفاد المرحوم عليان دراغمة ثمنا لوجودهم في هذا المكان، الذي سيطر الاحتلال على جزء منه، وتم تحويله لمنطقة ترفيه أقيمت في محيط عين الحلوة، بعد إغلاقها بوجه أصحاب الأرض، وتحولت لمنتجع يرتاده المستوطنون. في الماضي شهدت عين الحلوة العديد من المحاولات للسيطرة عليها من قبل المستوطنين، حاولوا مرارا تسييج مساحات من الأراضي تابعة لدير اللاتين، ولكن لحساسية أي اعتداء على أملاك الكنيسة وتحرك العديد من القوى والنشطاء أوقف الاحتلال العديد من المشاريع الاستيطانية في المنطقة، ولن أتطرق لموضوع دير اللاتين، فهذا ليس وقت للحديث عن أملاك الكنيسة والدير في الأغوار. وكان المرحوم عليان دراغمة حاضرا فيها، كان في العادة يفترش الأرض كما بقية السكان، وكانوا يراقبون ما يجري، فليس بإمكانهم التصدي للاحتلال، لأن المتظاهرين سيغادرون، وسيبقون وحدهم في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه، لذلك كانوا ينظرون الى ما يجري، وأجزم أن قلوبهم تحترق لعجزهم عن ردع المعتدين. منذ سنوات قليلة أصبحت الأغوار هدف الاحتلال الأول ومحط أنظار كل الحركات الاستيطانية، وذلك بعد أن حظروا نشاط غالبية المؤسسات الدولية، وبعد أن حيدوا السلطة الفلسطينية، ومنعوها من القيام بأي نشاط في الأغوار، وبذلك أصبح أهالي الأغوار وحدهم في مواجهة عصابات المستوطنين، وما يسمى مجلس المستوطنات في الأغوار، الذي منح صلاحيات إدارية كبيرة، إلى جانب مختلف مكونات الاحتلال من شرطة، وجيش وحرس حدود، وسلطة حماية طبيعة، وسلطة حماية الآثار والمواقع التاريخية. وحتى لا نبتعد كثيرا سأعود إلى عين الحلوة، وحكاية أبناء وأحفاد عليان دراغمة، هذه العائلات التي أصبحت هدفا شبه يومي لكل الأطراف سالفة الذكر التي تهود الأغوار، واعتقد أن استمرار وجودهم أصبح في خطر حقيقي، ويستدعي تحركا جديا. وهنا سأروي بعض الأحداث التي وقعت مؤخرا، فقبل أقل من ثلاثة أسابيع هاجمت مجموعة من المستوطنين أبناء قدري دراغمة في المراعي، وقاموا باستدعاء شرطة وجيش الاحتلال، حيث تم في حينه مصادرة حوالي مئة رأس من الأبقار واعتقال أحد أبنائه، وبعد احتجاز استمر لأكثر من أسبوع أفرجت سلطات الاحتلال عن تسعة عشر رأسا من البقر، وفرضت غرامة مالية قيمتها تسعة وأربعين ألف شيقل على المواطن قدري دراغمة، فيما لم يعرف مصير باقي قطيع البقر. أمس الأول هاجمت عصابات المستوطنين مجموعة من الرعاة الفلسطينيين بمحاذاة شارع ما يسمى 90، واعتدوا عليهم بالضرب ما أدى إلى إصابة اثنين منهم نقل على إثرها المواطن قدري عليان زامل دراغمه إلى مستشفى طوباس التركي. كما قامت عصابات المستوطنين بإطلاق النار على سيارة خاصة جيب تعود للمواطن لؤي قدري عليان دراغمه أثناء الحدث ما تسبب بأضرار جسيمة في السيارة، وبدل اعتقال المعتدين على المواطن لؤي، قامت شرطة الاحتلال بمصادرة سيارته. ليس هذا فحسب، بل قامت عصابات المستوطنين بحماية جيش وشرطة الاحتلال بمصادرة 500 رأس من الأبقار وتوجهوا بها إلى أحد المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال، وقاموا بعدها بتحميلها بشاحنات كبيرة (تريلات) وتوجهوا بها إلى جهة غير معروفة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأبقار تعود لكل من قدري عليان زامل دراغمة، وشقيقه عادل عليان زامل دراغمة. سر اليتم يكمن في شعور اليتيم بغياب من يحميه، ويسنده، ويذود عنه، لذا نجد الأيتام غالبا يعانون من تجبر الآخرين بهم، بسبب موت الوالدين، ولكننا في حالة أبناء عليان دراغمة فإن الأمر مختلف فاليتم سببه تخلي المؤسسات الرسمية والأهلية والدولية عنهم، وإفساح المجال أمام الاحتلال ومؤسساته وعصابات المستوطنين للاستفراد بهم، والاستقواء عليهم. وهنا وأمام تخلي المؤسسات الدولية عن دورها في الدفاع عن حقوق الإنسان، استهجن الغياب الكامل للدور الفلسطيني في الذود عن الأغوار بشكل عام، ومساندة العائلات التي تتعرض للظلم والاعتداء شبه اليومي. والمطلوب من المسؤولين إعلاء الصوت وبذل كل جهد لتثبيت المواطنين، ولا يجوز أن يبقى دور السلطة والمؤسسات الرسمية والأحزاب مقتصرا على الدعاء في القلب، فلن يقبل منهم أضعف الإيمان، فهذه حيلة المكسورين، فإن كانوا كذلك فليعلنوا للجميع أنهم فاقدون لكل مبررات الوجود.
مواضيع ذات صلة
فوز ساحق لنقابة الصحفيين الفلسطينيين بمنصب النائب الأول لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين
أبو هولي: النكبة جريمة مستمرة تهدف لتصفية الحقوق الوطنية واقتلاع شعبنا
قوات الاحتلال تجرف أكثر من 200 دونم وتقتلع آلاف الأشجار المثمرة شرق مدينة الخليل
إطلاق برنامج "شمسي فلسطين" بقيمة 25 مليون دولار لتمويل مشاريع الطاقة الشمسية للهيئات المحلية
"وفا" تحصل على جائزة صورة العام 2025 على موقع ويكيميديا
احتجاجات في نيويورك ضد مؤتمر استعماري يتضمن عروضا لبيع عقارات وأراضي في الضفة
الاحتلال يهدم منزلا في شقبا غرب رام الله