فراشة البوح
رشا السرميطي

بدأ القاص مجموعته القصصية بالقصة الأولى التي حملت عنوانها: "فراشة البوح" تلك القصة الموجعة التي تصف مشهد التحقيق مع الأسير الذي تحرَّر وحرَّر القارئ معه بكلماته الشَّامخة، واعتلى رأس النخلة لأنه سيّد الجذر وصاحب الأرض، فعرف كيف يعلو رغم انحطاط الفكرة وبشاعة المشهد، عشرون قصة صدرت عن مكتبة كل شيء– حيفا/ 2015، للقاص عمر حمش من مدينة غزَّة.
جاءت القصص واقعيَّة تلامس تفاصيل حياتنا العادية العارية من التكلف، اللغة رصينة وبليغة مليئة بالتشبيهات البلاغية والمعاني العميقة، سلسة على القارئ وغنيَّة في مرادفاتها غير المستهكلة، الرمزية عالية لكنها في غالبية القصص واضحة ومفهومة دلالتها للقارئ، الغموض كان عنصرًا بارزًا في كافة القصص، غموض بدا مقبولاً عقبه عنصر التشويق، والمعاني التي تدارستها المجموعة كانت عميقة وهادفة مثل: حب الأرض، الوفاء للوطن، حلم العودة، وجع الحقيقة، غربة المواطن، المجتمع، الحلم، واحتراق الانسان. تتسم القصص بتسلسل الاحداث، وانسيابها الهادئ أمام القارئ، الذي ما إن بدأ في قراءة القصة الأولى تابع حتى آخرها، الشخصيات واضحة وهي في الغالب واقعية تحدثت عن تجربة الكاتب وربما تجربة من عرفهم، الزمان والمكان مضبوطًا بحنكة قاص مبدع.
في قصته: "غزوة سعيد وعبيد"، نقل لحدث اجتماعي بطريقة راقية، ولمن هو فلسطيني يعرف أنَّ الكنافة من أنواع الحلويات التي تمثل أكلاتنا التراثية، أبدع الكاتب في نسج هذه القصة الاجتماعية المعبِّرة وسردها بالطريقة الساخرة. أيام الحارة – قصة تحدث بها الكاتب عن واقع الطالب في المدرسة وحال مدارسنا المنفر لطلبة العلم، فكان معلم الرياضيات سببًا في تهرب وتسرب الكثيرين من الطلاب، وهنا أشار لقضية مجتمعية هامة يعاني منها معظم شبابنا الذين يتخلوا عن الشهادة العلمية والتعليم بسبب التوجه للبحث عن المال وجمعه، وفي ذلك إشارة من كاتبنا لأهمية التعليم حيث اختتم القصة يقول:" .. عبد المنعم الآن جاري، أرقبه وهو يتكوَّم على حصيرة بابه، أنفه خرطوم، وعيناه ثقيلتان، يفتحهما، ويغلقهما.. أما تابوت – قصة يحاكي بها الكاتب واقع الفلسطيني الذي دارت به دقائق الوقت في دولاب أحداث مريرة حتى انتهى به الأمر ليتعرف على وجه صاحبه، الذي ذاب ظله بين تشوهات السوق، وانتهى به الأمر مهروسًا بعد هدم بيته. من جديد يكرر تمرير الأكلات التراثية من مجتمعنا الفلسطيني، في القصة "19": زلابيا وحمص مقلي وحنتوت وصف القاص أوقات الشتاء الحميمة وحكايات الجدة، وقصة "أبو رجل مسلوخة" التي كانت تحكيها لنا معظم جداتنا، أما الحنتوت فكان رمزًا لشخصية لم أكن أعرفها ولا أدري إن كانت شخصية واقعيَّة، بل هي كذلك.
اختتم حمش مجموعته القصصية في قصته "تفاح وعلقم"، التي تبكي حال قادة عجاف تقلدوا مناصب القيادة الفلسطينية مما هال في وقائع قضيتنا من العالي إلى الأدنى. يقول الكاتب:" المازدا انطلقت مع عبق التفاح، والسيجارة على الأرض كانت مثل العقرب، دنياك ذابت قطرانا، دنياك بطعم العلقم.
أبدع القاص عمر حمش في كافة القصص التي جاء على ذكرها في مجموعته " فراشة البوح" وأمتع القارئ بأجمل الصور التعبيرية الواقعية التي قام بسردها بأسلوب قصصي شيق ومتين في البناء والتكوين، يذكر أن الكاتب لديه مجموعات قصصية سابقة، منها: أزهار إلى مقبرة المخيَّم، عودة كنعان، قصص فلسطينيَّة، فخاخ الكلام، العودة إلى مجدل عسقلان، ولديه من الروايات: الخروج من القمقم، في حزيران قديم. وقد ترجمت العديد من قصصه إلى اللغة الانجليزيَّة.
مواضيع ذات صلة
الشعراء ودمار المدن بين الحداثة والخراب
حسين البرغوثي في الضفة الثالثة للمدن الخائفة.. الابن يترجم اباه بعد اكثر من ربع قرن على رحيله
المقاطعة الفنية تعزّز حراكها في أوروبا ضد مُموّلي الاحتلال
فوتوغرافيا رندا شعث .. يوميات فلسطينية بصيغة محمود درويش
مقهى الشعراء
سفارتنا بمصر تكرم أبطال العرض المسرحي "على باب النكبة 48"
"صنع في العراق".. سيرة لأربعة أجيال من النساء