عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 11 حزيران 2023

قراءة في رواية "أنفاس امرأة مخذولة" لباسم خندقجي

سلمى جبران

خُضتُ في جوّ هذه الرواية كمن يدخل البحر ويخشى من الغرق فيه ويريد الهرب منه. في البدء كان التشظّي وكان الملك سليمان صارخًا: "باطل الأباطيل باطل ... الكلُّ باطل.. 
وكان مُجير وكان شاكر، معدَم وغنيّ، والكلّ باطل... قال مجير ابن سنيّة: ص37: "أشعر أنّ السخرية باتت تسخر منّي وتنبذُني مُلقيةً بي في اللا جدوى...". الحوار بين مجير وشاكر تحوّل إلى حوار مناجاة ذاتيّة لكليهما حول التشظّي والبؤس والسخرية والضياع خارج الزمان والمكان... مجير ابن صابر عطوة البشيري وابن سنيّة الهبلة لا يملك شيئًا، حتى روايته، ويعيش على المزابل ويهرب إلى السُّكر، وشاكر يملك كل شيء ويهرب إلى السُّكر أيضًا!  تشظّى الحوار بينهما وتحوّل شاكر إلى الراوي ومَلَكَ رواية مجير!
ص99 سنيّة "حلّقت في حلم العشق ولم تعرف كيف تهبط، كيف تعود إلى الأرض، لتسقط، لتهوي فجأة، لتتحطّم وتُصاب بآلام التشظّي والشرود والخبل والهبل" ... الحديث عن سنيّة، على طول الرواية، كلام خارج من الأعماق، متدحرجً من قمّة المشاعر إلى قاع الأرض صارخًا بصمت ومُدينًا عادات وتقاليد، كان جدُّها أبو ناجي عبدًا لها، مُدينًا القسوة والحرقة التي تعيشها بعفويّةٍ وبرِفعةٍ رائقة!
تقوم الرواية على أقانيم إنسانيّة، فكريّة عميقة تجعل الجوهر لا يتعيّب بمظهَرِهِ بل يرقى به: فيكون وراء كلّ منبوذ تحوَّل إلى مجرم، ووراء كلّ سكّير ومقامر خائن، نفس حيّة تعذّبَت وحُرمت ودُفِعَت إلى الهاوية دفعًا، إلّا سنيّة التي دُفعَت إلى مهاوي الرّدى وصانت روحَها!
لم أستطِع أن ألجم ألمي وخَوفي من فِكرة أنَّ كلّ روح حرّة مختلفة تعيش في امرأة، تحوِّلُها إلى سنيّة "الهبلة"! سنيّة التي تفجّرت سجالًا وآهات على خشبة مسرح فيه باطل الأباطيل يتحدّى تقاسيم "الطقوس اللوزيّة" في "مملكة" البراءة والجمال الساحرة، في جبل المكسور وعين المرجة في رحم الطبيعة التي غطّت كل الأباطيل ومحتها في غفلةٍ من الزمن حتى جاءت جدّتُها أم ناجي التي وافقت على بعثِها إلى مثواها في بيت صابر ليس قبلَ أن تجهِّزَها في الحمّام كطقس غسل الموتى! ص107
هبل وجنون سنيّة كان هبل وجنون صابر\المجتمع... كانت (فقط) "في حضورِهِ ولعنات القرية مجنونة" ص134. " لا تقل عنّي مجنونة يا صابر. أنا مش مجنونة إنتو جنّنتوني" ص167
كانت سنيّة "طفلة التناقضات" وتناقضاتها كانت إسقاطات واضحة تُلقي ضوءً على عمى التقاليد وعمى الناس والثرثرة والأقاويل... كانت سنيّة -بنت الربيع- ككلّ امرأة، تتراوح حياتُها بين الأباطيل وبين سحر وجمال الطبيعة في شطحات الروح الصوفيّة في فردوس الأرض. كانت بنت الطبيعة وتحلَّت منها بالبراءة والجمال والذكاء والطيبة التي جعلتها تنضج قبل موسمها وتتعلّم كيف تُخفض من بروفايل شخصيّتِها الجميلة الذكيّة كآليّة صراع بقاء. "كان بيتُها مؤثّثًا من لهب الجحيم" ص 166.
صانت كرامتَها وطُعِنَت بها، وكاد صابر يُلقي بعا في مهبّ الزنى المأجور فصانَها عقلُها – "صوتها الداخليّ الذي لم تَخُضْهُ يومًا مع نفسها المهبولة!" ص173. 
ابنة عين المرجة، ابنة الطبيعة، ابنة الربيع لم تفقد حُبّ الحياة ولم ترضخ للأباطيل. كانت تتأرجح بين التناقضات: بين الخوف والجرأة: روحها قويّة وجسدُها ضعيف – أنوثتها يانعة وصوتُها الداخلي يكبَحُها .
 كان يصرخ بها الإدراك المنبعث من أعماقها لتدرك أنها لم تعد على قيد الحلم والطفولة ص221-222. حلمها تكسّر على صخرة الفضيحة أسوةً بحلم الانتفاضة والوطن.
خبرَت سنيّة الحلم ببراعم الحبّ مع ناصر، ولم تحقّقه، وعانت دهرًا مع صابر ومع أمومة وُلدت ميّتة في مثواها، حتّى جاء عمير لينبت براعم الحبّ ويحقّقها ولكنّ أم حسين، أم العطف الوحيدة في حياتها، دفعتها إلى البحر... عاشت مخضّبة بنكساتها وعذابِها وانتهت بموت الحبّ والحلم والطفولة...لكنَّها لم تفقد صوتَها الداخلي وكنهها كإنسانة مختلفة، روحُها حرّة، فكانت سنيّة الضحيّة المذبوحة وسونيا الأنثى الناضجة / 
سنيّة الخائنة وسونيا المخلصة / سنيّة العاهرة وسونيا الطاهرة / سنيّة الجبانة وسونيا الشجاعة / 
سنيّة الحقيقة وسونيا الحلم ... فانقلبت كل الموازين والمقاييس.
قرأت روايات كثيرة ولكن لا أذكر أنني مسرحت وحفظت في خلدي أكثر من هذه الرواية. خيوط النور تسرّبت منها إلى عالمي فزادتْهُ إحساسًا وزادتني قناعةً بقلّة الكتّاب العرب الذين يتمتعون بهذا الفكر الحرّ... باسم خندقجي حرّ في السجن أكثر من الرجال الأحرار خارج السجن. 
هنيئًا لنا بك يا باسم خندقجي ولا بدَّ للقيدِ أن ينكسر!


*شاعرة وناقدة تعيش في حيفا