محفزات الوعي في رواية "نارة" للكاتبة الفلسطينية دينا سليم
خضر عواد الخزاعي - العراق

مرة أخرى تلج الكاتبة الفلسطينية دينا سليم عالم المرأة من أوسع ابوابه وهي تحاول اللحاق بخطى بطلاتها في رواية "الحافيات" لتقدم للقاريء نصاً سردياً جديداً عن عالم المرأة وكل ما يرتبط بها وما ارتبطت به سواء في شرق الكرة الارضية أو في غربها، في روايتها الجديدة "نارة" الصادرة عن بيت الشعر الفلسطيني في رام الله 2016 .
محاولة أن تجعله تكملة لنص "الحافيات" لكنها تجعل من ذلك النص متكئاً للإنطلاق إلى عوالم المرأة الأكثر رحابة وتعقيداً، بعيدا عن الثيمة الرئيسية التي أرادت لها الكاتبة أن تُستحوذ بطريقة دراماتيكية على النص وهو عقدة العلاقة بين آدم وهيام وندى وميس ونارة، فأن المستوى العام للرواية لم يستطع ان يتحرر من موضوعته الرئيسية التي نجحت فيها الكاتبة كمرتكز ثيمي في معظم أعمالها الروائية ألا وهي قضية المرأة.
في الوهلة الأولى تبدو وكأن الرواية تنحى للبحث عن قضية وجود الرجل في حياة المرأة سواء كانت شرقية أو غربية، من خلال الطرح المباشر الذي تتبناه الساردة بصوت صديقتها الاسبانية جنيفر"من لاتبحث عن رجل تعشقه ويعشقها تكون إما شاذة أو معقدة.ص24". ولتعميق هذا الوجود الاعتباري وتبريره، فهيّ تؤكد لنارة انها ستتعرض لكثير من الشائعات مثلاً أن تتهم بانها "سحاقية مثلاً".
في محاولة استثنائية لكسر حاجر الكراهية بين حضارتين وديانتين كانتا على الدوام في حالة استنفار لمواجهة بعضهما البعض، حين تسألها ميري ان كانت نظرة الآخر لها ككافرة وداعرة تمنعها من الارتباط بعشيقها اللبناني حمدي، فيما تعيش ميري المطلقة والأم محنة الانشطار الذي أصبحت تعاني منها، ممارسة حياتها كأنثى كاملة كالأخريات، أو أن تنقلب على ذاتها وتستجيب لغرائزها المرتبكة والملتبسة، بين الأنوثة والذكورة، في بداية الشعور للنزوع نحو المثلية.
تحوّل السرد إلى تعبير عن "الأنا الخارج على نطاقه" على حد قول رولان بارت، وهو هنا عند الساردة "نارة" محاولة لإسقاط ذاتها في حياة الآخرين أو العكس، فهيّ أيضاً تعاني من نفس المشكلات التي تعاني منها صديقاتها، حيث الاغتراب الروحي والافتقاد إلى علاقة حميمية ثابتة تمنحها الشعور بالاستقرار والثبات والديمومة.
ربما تكون رحلتها "النفستحليلية" في تتبع حيوات بطلاتها في "الحافيات"، اصدار دار أزمنة الأردن 2007، جزء من البحث الدؤوب الذي تسعى إليه عن ذات جوهرية، توزعت دون إرادتها في تلك الحيوات المشتتة والمبعثرة في أصقاع متباعدة من الكون، عندما اختارت "الكتابة" متنفساً ومبرراً لوجودها، فهي لاتشعر بالحرج حين تواجهها بطلتها المعذبة بالشبق "شروق" في لحظة انهيار أو تحدي"ألغيتِ حياتك من أجل هدف واحد وهو الكتابة. ". لتجيبها بكل هدوء"لهذا الهدف أنا أحيا فأنا كاتبة لا تنسي ص45". لتنطلق من أزمتها الذاتية وأزمات الأخريات إلى ازمات أكبر تطوق أعناق النساء العربيات، وهيّ أزمة العبودية ومسخ شخصيتها وذوبان كينونتها في شخصية الرجل". المرأة العربية تحيا حالة الرعب الحقيقي والشعور بالذنب والخوف من غضب الله إن لم تطع زوجها، ناهيك عن الخوف من الآخرة.
ربما لهذا السبب نجد هذا التيه والاضطراب أو (erotomania) الشهوة الجنسية العارمة، التي تعاني منها بطلات نارة/ شروق،نهى، ميري. والذي سيقود حتماً الى (Paranoia) جنون الارتياب الذي يصبح متلازمة مرضية في حياتهن تؤثر سلباً في مراحل لاحقة على الخط العام لحياتهن، وهذا ما يدفع نارة للسؤال عن الأسباب التي قادت بطلاتها إلى هذا المصير، والامتحان العسير بين الاستجابة لرغبات الجسد وبين التقنين والتوازن بين متطلبات الجسد، والروح.
وفي استعراض لمجريات السرد وما منحته لنا الساردة من اطلالات على حياة بطلاتها نجد أن ما يحدث لهن هو بالحقيقة مزيج من كل هذه المعطيات والتي هيّ بالأصل "نطاقات" محيطة ومطوقة للمرأة الشرقية، بدءاً من بيت الأسرة إلى البيئة المحافظة ظاهرياً، إلى بيت الزوجية الذي عليه أن يكون "المقدس" بالنسبة للمرأة وحدها دون زوجها، إلى المجتمع المضطرب بالنفاق والسياسة وتغليب المصالح الشخصية والفئوية، إلى الحروب والمجاعة والفقر والأمراض، من كل هذه المعطيات تتشكل ذوات وشخصيات نص نارة والذي تحاول به الكاتبة دينا سليم من خلال تحديها العنيد لشروط هذا المجتمع ألا تصنع (MECHANISME )آليات الدفاع عن النفس، بل لتقديم نص مهمته الرئيسية هو أن يكون محرضا للوعي المستلب أمام قضايا خطيرة تحفل بها مجتمعاتنا الشرقية، وربما كانت هذه هيّ المهمة العسيرة لدينا سليم.
رواية"نارة" نص عميق، ودراسة قيّمة في حياة المرأة عامة، والمرأة الشرقية خاصة، وسفر استخدمت به الروائية دينا سليم حنحن كل ما تمتلكه من أدوات أسلوبية وتقنية في اللغة ومستويات السرد والدلالات، ليكون محفزاً في اثارة الوعي وليس اماطة اللثام عن قضايا ومشكلات مجتمعية مزمنة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين