في ديوانه "كُن ضدك مرتين"... إيهاب بسيسو يصوّر "فردَوسَه" الفلسطيني شِعرا
عمر شبانة/ عمّان

يمثّل الشاعر إيهاب بسيسو ملامح من الصوت الشعريّ الفلسطينيّ الجديد، الصوت الذي يحمل في تكوينه سِماتٍ تمنحه هُويّة تختلف عن أصوات الأجيال السابقة عليه. وقد استطاع إيهاب، مع عدد من أبناء جيله، إنجاز عملية مزدوجة جسّدت الانفصال عن تلك الأجيال والتواصل معها في آن، تواصل على صعيد الهموم والقضيّة الأساسية، وانفصال على مستوى لغة التناول وأسلوبه وعناصره. وجسّد إيهاب جهده هذا في خمس مجموعات شعرية منذ 2004 حتى اليوم.
ديوانه الجديد "كُن ضدك مرتين" (الصادر حديثاً عن دار الشروق، عمّان 2015، 190 صفحة)، ويضم خمسة عناوين رئيسة تضم بدورها اثنين وخمسين نصّا ومقطوعة، يأتي خامسا بعد "نورس الفضاء الضيق" عام 2004، "يحدث في ساعة الرمل" 2008، "كأنّك تراك" 2012، و"حين سار الغريب على الماء" 2014. وقدّم له الشاعر بإهداء إلى أمي... من حَملت شَوكَ الانتِظَارِ، في الحَربِ والحِصَارِ، سَنَواتٍ من صَبرٍ وأمل، كي تلقَى ابنَها المُسَافِر".
أوّل وأبرز ما يميّز عمل إيهاب، في تجربته الشعرية عموما وفي ديوانه الجديد خصوصا، انشغاله واشتغاله بالمزج بين عناصر عدّة، من الحياة المعيشة ومن الثقافة معا. ففي القدر الذي تحضر فيه عناصر التجربة الحياتية، تحضر ثيمات من الوعي الذهنيّ "المثقّف"، لكنّها تمتزج وتنصهر في نصوص يغلب عليها الاختزال والتقشّف، سواء لجهة الطول أو لجهة اللغة.
منذ بداية مجموعته الجديدة هذه، يحدد الشاعر وجهته، من خلال العنوان الداخليّ الأول والمباشر "مساحة لكتابة مغايرة"، وفيه تحضر "خيارات" يحدّد الشاعر فيها ومن خلالها مسارات قصيدته، بدءًا من نص يحمل عنوان "اكتب لك"، لكنّ الضمير المتمثّل في "لك" بتّسع ليشمل "الآخر" وأفكاره ومفردات من تجربة حياته، وهو ما سنعرض ملامح منه في قراءتنا للمجموعة.
متأثرا بنشأته في غزة، ثم بانتقاله إلى بريطانيا من أجل التحصيل الأكاديمي (حيث إنهى البكالوريوس والماجستير وحصل على الدكتوراة في الإعلام الدولي، ويحاضر حالياً في جامعة بير زيت/ فلسطين)، يكتب إيهاب نصّا يجمع صنوف المعاناة المعيشية للفلسطينيّ، ويمزجها بمعاناة ذهنية/ ثقافيّة للكاتب نفسه، ليستولد منها طبيعة هوية هذا "الكائن" وعلاقاته مع العالم.
من هنا تحضر "مؤسَّسةُ الشعر" بأدواتها وعناصرها، إن الشاعر هنا، كما يعلن يؤسِّسُ "لنَصِّ الوَقتِ فيَّ من دَمعٍ وذَاكِرَة"، كما يطلب من الكاتب الذي في داخله، أو "آخره" كما يسمّيه ليسكانو أن يعيش بين ضدّين "وعِشْ بَينَ هَذين الضِّدين/../ بِكلِّ ما لديكَ من مَجازٍ ومُخَيِّلة"، فهو "بِحَاجَةٍ لنَصٍّ يُشبِهُ المِرآة لك"، ويحدد له "اختِيَارَاتِه" في القَصيدَةِ، حتى بلوغ ما يسمّيه "اكتِمَالِ المَعنَى".
ويكون هذا الاكتمال باختلاق أو "خلق" وطن، هو وطن من الشعر، وأقرب إلى الأحلام، هنا حيث ستتكاثر وتتوالد مفردات وصور من "الضَّوْء" و "الصَّمتِ"، وحيث الشاعر قَد "يَبتَكِرُ حُضوراً إضافِياً للوَردِ على المَائِدة"، أو "تَنسَى صَمتَ المَزهَرِيَّة"، وفيما هو يخلق عالمه فإنه "قَد تُعيدُ اكتِشَافَ صَوتِكَ من رِيحٍ ومَطرٍ"، ولذا عليه أن يقول "هذا أنَا مِن البَحرِ صَنعتُ مُدناً للحَيَاةِ"،
لكنّ عليه في "الورشة" أن يستحضر "الأفكَارَ وبَعضاً مِن وَصَايَا الذَّاكِرَة".
وللبحر في نصوص بسيسو حضوره متعدد الصور والأشكال، كما للبئر والسماء والطبيعة عموما، فالشاعر يستعير من تجربته، وينهل من ثقافته، لينسج "عالمَه" الشعريّ الفسيح، والورديّ، إنه "يُناقِشُكَ في الاستِعَارَةِ"، مثلما يكتب عن "الرُّجوعُ في الاستِعَارَةِ/ الطُّمأنِينةُ في المَجَاز"، قتظهر الفكرة في القصيدة بوصفها كائنا حيّا يتنفس وينمو ويشيخ، حيث "الأفكَارُ لا تَموتُ"، وهي "كَمَا الطَّبيعَة/ مُعَرَّضةٌ لعَوَامِلِ التَّجَدُّدِ/ تَشيِخُ الفِكرَةُ إن بَقِيَت مُهمَلة/.../ وتُزهِرُ إن اعتَنَيتَ بِهَا كَشُجَيرَةٍ في أصِيص أو حَديقَة".
أما الوطن، الوطن المحلوم به، فهو يجمع ما بين الصور الحُلميّة والمتخيّلة، بين "الفردوس المفقود" و"المدينة الفاضلة"، لذلك هو وطن مُستعاد من الأسطورة والخرافة والحُلمِ المُقدَّسُ، هو
"وَطنٌ يَتكَرَّرُ في التَّفاصِيلِ اليَومِيَّةِ"، و"وَطن من كَلمِات"، و"وَطنٌ يَخرجُ من قَشعْريرَةِ البَردِ كلحظةِ دِفءٍ كلَّما جَلسَ الغُرباءُ على حَافةِ النَّصِ اليَومِيِّ"، و"كأنَّه المَسَافة بينَ وجهَين... أحدُهما ما زالَ يَركضُ في الأزقَّةِ خلفَ العصَافِير، وآخرُ ابتلعَته المَحطَّاتُ البَعيدَة"، ولكنّه في النهاية "الوَطنُ.. اعتِذارُ القاتِلِ لأخيه القتيل عَن خللٍ طارئٍ أصَابَ الذاكِرَة".
لكنّ للوطن صورا أخرى، أو تجسّدات مختلفة، تتداخل فيها صورة أصحاب الأرض مع من أسماهم محمود درويش "عابرون في كلام عابر"، وأحيانا هم "العائدون من كتب التاريخ"، ومن الأساطير، فالوطن عند بسيسو "يتسِعُ لألوانِ الأبجَدِيَّة/ ترسمُ مَلامِحَ العَابرين في دَورَةِ الشَّمسِ/ بكامِلِ أفرَاحِهم وأحلامِهم/ ومُغامَراتِهم القُصوَى/ في البَحثِ عن لونٍ إضافِيٍّ للقَرَنفُل...".
وأخيرا، فإن للقصيدة، وربّما للنص الأدبيّ الفلسطينيّ عموما، ملامح تبدو بارزة في تجربة بسيسو التي عرضنا لبعضها، ونختم بمفاصل وتفاصيل جديدة، ربما تضيء جوانب جديدة ومختلفة من هذه التجربة التي يبدو أن شاعرنا يعمل بجدّ على تجديدها وتزويدها بأوجُه "مغايرة"، لكنّها لا تخرج عن السياق الفلسطينيّ إلا لجهة تفاصيلها و"تثقيفها" والوعي بمسارها، ولأنها تدور في هذا الفلك، فالشاعر يعلم ويخبرنا "في القَصيدَةِ قد تَرَى الحَربَ/ وأُمنِيَاتِك الصَّغيرَة"، ويختزل المسألة بأنّنا نقف في حضرة "قصيدَةٍ تُحاوِرُ المَجازَ/ دون هوس المبالغة أو مباشرةٍ في المفردات".
مواضيع ذات صلة