مدني السليبة
أيهم السهلي*

بالكاد يتذكر، كأنما الماضي بات بضع مشاهد زائدة من فيلم حاز اهتمامه، يحاول بينما يفاوض ذاكرته، أن يتقمص نفسه ويرجع يوما أو يومين للوراء، ليلتقط مفتاحا يعيده أياما أخرى، يتعب في الرجوع، ولا يذكر إلا تلك القذيفة حين انفجرت أمامه، ودوى صوتها، فاختفت ملامح المكان أمامه حتى التي لم تنفجر، وثمة أصوات تتردد إلى أذنه، يسمعها، يسكن إليها قليلا، تتعبه بعد لحظات، فيترجل عن نفسه، يصرخ ويصرخ، تصرخ الأصوات معه، يركض تلحقه الأصوات، يغمى عليه، ويبقى سمعه، والكابوس..
****
لم تعد بيروت امتداحا للأنا، فقليل من الحيرة في الشوارع المضاءة تدفعه للهروب بعيدا، ربما نحو أقرب حانة لا تطل على جبل أو بحر، فمشهد جمالي واحد قابل أن يأخذه إلى مستحيل آخر في الورق، فيكتب ويكتب إلى يتوقف النزيف..
في بيروت يتأبط ذاكرة صارت مشوهة عن النصر، ويتلفت نحو الجنوب، نحو بلاده فلا ينتبه للشمس المعلقة بين عينيه والحدود المودعة على حافة الشاطئ والذاكرة المصطنعة لأمل يكاد يخلو من الحقيقة لولا ضرورة الوهم بأن الانكسار صفة الواقعيين في واقع يتكسر كل ما فيه، سوى كذبة النجاة والوصول إلى بر آمن من الخيبة..
في بيروت ترجع سنين إلى الوراء فلا ترى قلب محمود درويش ولا معين بسيسو، لكنك تشاهد بأم المجاز رأس خليل حاوي معلق كشعار لفندق جديد قبالة صخرة الروشة..
في بيروت لا آخر لك مهما بلغت من الرأفة بأناك، ولا أنا لك في تفرس العيون المنقادة بغول الضياع والاستهلاك اليومي، وسرعة المرسيدس حين تمر مسرعة في أحلام المتعبين والمنتمين لذاك اللحم الذي يؤكل أمام أعين كمال جنبلاط، وحسين مروة ومهدي عامل..
بيروت، ليست مدينة، بل محطة لانتظار قد يطول، أو يحطم، وانتظار المحطة لا يعني أن يأتيه قطار أو طائرة، أو حتى سيارة أجرة، ربما يكون محطة لانحناء الشجر..
لم يتوقف في بيروت عن كتابة اسمه، ولكنه انجر وراء "الحلم الذي يسقط قرب الأوبرا والبنك"
****
كذلك لم تكن دمشق تشبع من لهفة الحب، والقصائد.. ولم تكتفي نرجسيتها بشاعر واحد منها يغازلها في كل حرف كتبه سواء عنها، أو عن حبيباته الكثيرات وأمه..
كانت دمشق مليئة بالنساء الجميلات، كن يملكن عيونا دافئة في الشتاء، وكن يملأن شغاف القلب بالحب دون أن تعرف عنهن شيء.. كن من عجين دمشق، هؤلاء النساء لا يتوفرن إلا في المدن الممزوجة بالحنين لماضي الحب.. وفي هذه المدن تقبل امرأة في زقاق ضيق لتكون باقي الأزقة أيد تعانقك، وتحنو عليك وترعش قلبك بالتوقف ها هنا إلى أن يأتي الخريف..
وفي الخريف الفائت الذي لم أعش فيه دمشق، جربت أن أصدق كل ما قيل من شعر عنها، وأكذب الواقع، لكن الأخير انتصر، وهزمت مثلما يهزم المنفيون، إذا ما ماتوا خارج الحلم..
****
ولم أعش من رام الله، إلا بضع أيام، لكنها اختصرت علي الحكاية، أن استعصى علي السرد، بأن اختصرت وجودي، بأن جعلتني تلك المدينة، غير معرّف.
رام الله حكاية الحلم الماضي ما قبل الولادة، وهي كذبتي الأحلى، وضحكتي الصارخة في الفراغ..
هي أنا حين أستطيع أن أكون حقا أنا..
هذه المدينة لقدر أو صدفة، جُمع فيها ما يجعل لكلمة المسيح تتمة حين نطق في المهد، فيها زياد وغسان ومهيب ووليد وسامح وفارس.. وفيها رمزي ونادر.. فيها من أولئك الذين إن وجدوا في مدينة، تحولت وتحول الزمان، إلى حكاية تشبه الأبد.. وفي رام الله ينام محمود درويش.. ألا يكفيها ويكفينا أن تستريح إلى الأبد..
****
لم أكتب لأكتب عن مدني، ولكن لأنجو من حلم قد يخطفني بعيدا في منام عابر مثلي أنا عابر السبيل
*صحفي وشاعر فلسطيني لاجئ في لبنان
مواضيع ذات صلة