الشاعر ايهاب بسيسو.. "كن ضدك مرتين" متواليات لا نهائية مرفوعة على ناصية النص
د. ابراهيم ابو هشهش

عنوان هذه المجموعة "كن ضدك مرتين" مؤشر سيميولوجي يكاد يستوعب دفعة واحدة الدلالة المواربة التي تلقي اضواء متقطعة على قصائد الديوان بأكمله، وهي مواربة لان الشعر بطبيعية عالم يرواح بين الوضوح والغموض، والعنوان هنا ليس مجرد يافطة مرفوعة على ناصية النص بقدر ما هو موتيف دال يقود الدلالة الكلية التي تتخلل قصائد الديوان بتجليات وتمثلات متنوعة. وقد جاءت القصيدة الاولى لتكون حاضنة رؤية العنوان ومختبرا لتشكيله، وبقراءتها تتأكد الدلالة الاساسية المتضمنة في العنوان، وهي ان نفي النفي اثبات، بمعنى انك اذا كنت ضد نفسك مرتين فستكون معها في المحصلة النهائية. ولا يمكن للآن الشاعرة ان تكون متطابقة تطابقا كليا مع ذاتها الا في حالة الصدق المطلق، اي اثناء كتابة القصيدة. ومن هنا فان الصورتين المتقابلتين: اي الانا وصورتها المرآوية تلتقيان في نهاية الامر في ذات واحدة تجلس لتكتب قصيدة، ولتمثل انجيازها في المحصلة الاخيرة الى كينونتها الفردية الانسانية والاخلاقية. لان اي وجود آخر خارج هذه الحالة هو اغتراب الانا عن ذاتها التي تتجلى في الوجود خارجها وهي جالسة في حديقة بلد بعيد تراقب المشاهد المتحركة امامها، او تتأمل في صورة الام في اطارها الخشبي الى جانب السرير، ولتستسلم لتيار ذاكرة الطفولة والمدنية الاولى التي تجاور البحر، والاب الذي يفصله الورد والرخام.
ولكن قبل اندغام الانا وصورتها المرآوية في ذات واحد فانها اي هذه الانا الشاعرة تنشطر الى متواليات لا نهائية وهي تعيش من الاستلاب يجعلها تكتفي مراقبة الاشياء دون المشاركة في صنع الحياة التي تجري امامها، لان المنفى في جوهره هو حالة استلاب تنزع من الذات فعاليتها الانسانية من خلال اخراجها من سياقها الثقافي والسكيولوجي والمعنوي من هنا فان اغلب قصائد هذه المجموعة جاءت مؤثثة بالوطن من خلال ذاكرة حية لا تغفل ادق التفاصيل، ومؤثثة في الوقت نفسه بعناصر المنفى المتمثلة في مراقبة مشهدية (بانورامية) عريضة تتوالد في عنوانات متتالية يكتب كل منها فصل خاص في كتاب المنفى، اي في كتاب الذات المنشطرة.
ان البنية اللغوية القائمة على ثنائية مخاطب ومخاطب، اي انا والاخر، او ذات وصورتها المرآوية، هي من الناحية البنائية خروج من الغنائية المباشرة الى حالة ترفع الخطاب الشعري الى مستوى يتمكن فيه من النظر الى الاشياء واستيعابها واعادة انشائها ضمن مناخ يقصد قصدا السيطرة على العواطف والانفعالات حتى تتمكن القصدية من تقديم ايديولوجيتها الشعرية في بنية سردية درامية حتى لو كان التقنيع الدرامي رقيق وشفاف يكشف عن الانا الشاعرة ويحتفل بغنائيتها، من غير ان تضعف العاطفة هنا، وانما يشعر القارئ انها قد تحولت الى تيار عميق يسري متدفقا تحت سطح الكلام الذي يظل هادئا من ناحية ظاهرية.ولكي لا ينصرف الذهن هنا ان الانا الشاعرة قد تعاملت مع صورتها المرآوية من منطق مفهوم لاكان ونظريته عن ادراك الذات فانني استدرك هنا الاول من ه ذه الانا هي التي تصنع لذاتها صورة اخرى او قرينا تحاوره باستمرار تأكيدا من ناحية على البعد الدرامي السردي وتخففا من افراط الغنائية، ومن ناحية اخرى لان ذلك يتيح من الناحية البنائية مجالا اوسع للتأمل في المنفى والوطن والذات والاشياء والوجود برمته. وهذا هو ما ادى في النهاية الى العدول عن الاعتماد على دهشة الصورة الجزئية وقوتها – حال قصدية النشر المعاصرة عادة – الى بناء مشهد بانورامي واسع قوامه الصورة الكلية التي تتشكل من جميع عناصر القصيدة حتى الكلمة الاخيرة فيها، ولتعمل هذه القصائد في آخر الامر مجتمعة لتقدم رؤية الديوان الكلية وايديولوجيته الشعرية المذابة في كل العناصر اللغوية بتمثلاتها المختلفة الغنائية والسردية والدرامية، اضف الى ذلك امرا آخر لا بد ان يلفت نظر القارئ وهو هنسدة القصيدة اللغوية وتشكيلها الطباعي (اي ما يسمى طوبوغرامنا الصفحة الشعرية). فهناك بنية هندسية تقوم على شبه تماثل بين المقاطع اللغوية التي تشكل صوتا وما يقابلها من مقاطع اخرى تأتي الى يسارها طباعيا وهي تشكل الصدى او القرار، مما يجعل للصوت الواحد مستويين يذكران بالمغنى الاساسي والجوقة التي تردد مقطعا مكررا بفارق ان هذا المقطع هو جديد في كل مرة ولكن دوره هو تظهر المعنى المتضمن في الاسطر المقابلة وفتح ابواب الدلالة على رؤية قادمة في المقاطع الاخرى، وهكذا من المراوحة المدروسة التي تأخذ القصيدة في النهاية الى ذروتها، حتى اكاد اقول – مع بعض التوسع – وان الشاعر هنا يجرب اشكالا شعرية جديدة في قصيدة النثر، ويكاد يكتب موشحا نثريا، مما يؤكد ان قصيدة النثر هي خيار جمالي تام يستند الى وعي كامل بدورها واهميتها وقدرتها على حمل الرؤية الشعرية واستيعابها.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين