عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 حزيران 2015

بريماكوف ورثاء آخر

عدلي صادق

بعد الإعلان (الجمعة 26/6/2015) عن وفاة يفغيني بريماكوف  رئيس الوزراء الروسي ووزير الخارجية الأسبق، وأول رئيس للمخابرات الروسية الخارجية، بعد انحلال KGB، سارع بعض الشيوعيين العرب الى نعي ورثاء "الرفيق العزيز" كصديق عزيز ووفي للعرب وللشعب والفلسطيني. ويجدر بنا أن نقدم ــ باحترام ــ  رثاءً من نوع آخر، مقدرين للراحل المستعرب يفغيني بريماكوف وفاءه لروسيا، وهو الذي شب عن الطوق في جورجيا، بعد أن ولد في أوكرانيا، لأب لم يتسن له أن يعيش مع الرضيع الذي كانه يفغيني، إذ سيق مع الذين سيقوا الى "غولاغ" المعتقل السيبيري الشاسع!

عاش الصغير وترعرع، في حضن أمه اليهودية. وليس هناك ما نستند اليه، إن ذهب بنا التأويل، الى القول إن أم يفغيني، من خلال ما لقنته لابنها؛ هي التي جعلت الشاب اليافع يتجه بحماسة الى دراسة اللغة العربية، والى التخصص في الدراسات الشرقية، المتعلقة بالتاريخ والحضارة والثقافة والعادات والتقاليد ومجمل السمات العربية الإنثروبولوجية.

ظل بريماكوف مثابراً، في ظل الاتحاد السوفياتي. فلا أحد، أثناء تلك المرحلة، يفتش عن مكنونات القلوب. فعندما التحق بجريدة "برافدا" كان يعرف أن لغته العربية ستحمله الى قلب العالم العربي، والى حيثما يكون مبجلاً، على الأقل لأنه من الاتحاد السوفياتي  الصديق التقليدي المورد للسلاح. ويفغيني يتحدث العربية، ويعرف الأثر النفسي لعبارات التخاطب بها، كأن يستخدم إن شاء الله، والله أعلم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وغيرها من لوازم كلامنا. وبالطبع، لم تكن الدول القوية الحريصة على مصالحها، ترسل الديبلوماسي، أو تعطي الدور لسياسي، أو ترسل الاستخباري، قبل أن تتأكد أولاً من أنه يفهم في العلاقات الدولية وفي كيمياء السياسة وفي مؤشرات الاقتصاد والاستراتيجيا. لذا لم يسافر يفغيني الى مصر وسوريا والعراق ولبنان، كمندوب لإذاعة موسكو في الشرق الأوسط؛ إلا بعد أن اطمأنت لقدراته كباحث في شؤون الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. ومع وصوله الى منطقتنا، في العام 1956 انتحل اسماً حركياً، وعُرف بلقبه "مكسيم" استئناساً أو إيناساً باسم الناشط السياسي الماركسي وأديب الواقعية الاشتراكية غوركي الذي عرفته أوساط النخب العربية من خلال رواياته ومسرحياته المترجمة، لا سيما "الأم" و"الحضيض"!

عندما استهل السادات مرحلة الصلح المنفرد مع إسرائيل، عاد يفغيني الى موسكو ليترأس معهد الدراسات الشرقية في أكاديمية الاتحاد السوفياتي للعلوم. فالأمريكيون يتدفقون الى الشرق الأوسط، وقد فُتحت لهم المساحات القليلة المغلقة، ولا بد من جيش علماء وخبراء وعارفين ورجال عسس، يقابلون الحضور الأمريكي بحضور مضاد. ولم يكن أكفأ من يفغيني لقيادة عملية إعداد الكادر.

قبل العام 1977 وأثناءه وبعده، كان يفغيني يؤدي مهمات سرية على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لموسكو. وفي الحقيقة، كانت تلك المهمات في مرحلة الاحتضار أو النزع السوفياتي الأخير، وقد تخيل القائمون على الركود، في القوة العظمى الثانية، أن فتح العلاقة مع إسرائيل، من شأنه كف شر الولايات المتحدة ودسائسها، وحتى دسائس الصهيونية نفسها.

بدأ السوفيات بفتح قناة سرية للعلاقة مع تل أبيب على أعلى مستوى، وذلك بتعليمات المكتب السياسي للحزب الشيوعي. كان يفغيني هو خيارهم المنطقي لفتح الحوار والعلاقة مع قادة اسرائيل. وحسب مذكرات يفغيني نفسه، كان الحديث أشبه بالترف الفكري أو الثقافي، وليس مضغوطاً بشيء لكي يصبح التركيز على الأهم. ربما ساعات استغرقها شرح يفغيني لمناحيم بيغين ولرابين وبيرس وغيرهم، الفارق بين رومنسية جورج حبش وبراغماتية ياسر عرفات، ولشرح كل الفوارق بين شخصية جمال عبد الناصر وشخصية السادات. والطريف، إن يفغيني بريماكوف، طمأن الجماعة في تل أبيب، أو ربما كان يباهي بأن الروس ليسوا أقل من اسرائيل قدرة على التحسب للتاريخ ولتقلبات الزمان، عندما بيّن لقادة إسرائيل، كيف أن لروسيا وضعها في سورية، وهي ليست محض بائع سلاح تزودها بأسلحة دفاعية، وإنما لها رجالها في أعلى مستويات الطبقة السياسية في دمشق، لأن الشغل بدأ منذ العام 1966. وبالطبع، تطورت القناة السرية، الى علاقات ديبلوماسية كاملة، أعقبتها حركة سياسية لإقناع العرب بنصائح الصديق الروسي، أن التسوية مع إسرائيل هي طريق الفلاح والاستقرار. أما العرب، من جهتهم، فلم يخيبوا أمل بريماكوف، وصدقوه حتى وهو يتوسط في الأزمة التي أطاحت العراق وأدخلته الى الجحيم.

كان الرجل، في الحقيقة، وفياً لروسيا، ووفياً لأمه التي رعت وحدها طفولته، وقد أدى ما عليه. يمكن أن نقول في رثاء الأوفياء حين يموتون، طوبى لكم ولآبائكم وأمهاتكم من قبل!