عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 12 كانون الأول 2015

جبهة الموساد الجديدة

اسرائيل اليوم – يوآف ليمور

الكثير من قدماء الموساد اشتاقوا في الاسابيع الأخيرة الى الفترات التي كانت فيها شؤون الموساد تتم بسرية. المنافسة العلنية على رئاسة الجهاز والتي تبدو احيانا مثل المنافسات التلفزيونية وصلت الى ذروتها في البلاغ المتأخر ببث حي حول الفائز، الامر الذي دفعهم الى التحرك دون راحة والتساؤل اذا ما حدث شرخ في موضوع السرية ولا يمكن اعادة اصلاحه.

الجواب البسيط هو أن الايام ستجيب على ذلك. والجواب الاكثر تعقيدا هو أن الموساد ورجاله سيضطرون الى ملاءمة أنفسهم مع الواقع القائم، بأفضلياته وسلبياته. يوجد الكثير من الايجابيات في العمل حين يكون التنظيم مغلق أمام الانتقادات الخارجية التي تلزمه بالحفاظ على معايير مهنية وقيم عالية. من المشكوك فيه أن تكون وسائل الاعلام جزء من هذه العملية حينما يكون التنظيم سريا، حيث أن كل اعماله تتم خلافا للقانون.

هذا التوتر بين العلني والسري يرافق دائما اعمال الموساد. ولا يعرف أحد من الجمهور ما هي الاعمال التي نفذها التنظيم باستثناء تلك التي يقتل فيها أحد ما أو يتفجر شيء أو عند حدوث خلل. من هنا فان حكم الجمهور حول ماذا ومن نجح، ومن نجح أقل، توجد هنا سطحية حتى لو كان ما ينشر هو طرف جبل الجليد فقط لما يحدث في الواقع.

سيد اسرائيل يريد رؤية جنرالاته مثل جيمس بوند: يقتلون السيئين ويتملصون ويحظون بفتاة. أعطوه رئيس موساد – شاباك – رئيس هيئة اركان كهذا وهو سيؤدي التحية لهم الى الأبد. لا توجد له القدرة على الحكم على الصورة الكاملة للعمليات الاستخبارية والدبلوماسية في عالم تكنولوجي مركب يتطلب عملا في الحاضر واستثمارا في المستقبل. وهناك ايضا الملكات المطلوبة من اجل العمل بنجاح.

الوحيد الذي يحظى بصورة كهذه هو رئيس الحكومة – قائد الموساد – الذي من المشكوك أن لديه الوقت لادارة التنظيم فعليا. والتي يفترض أن تساعده في ذلك هي اللجنة الثانوية للخدمات السرية في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست التي تتطلع على التفاصيل، لكنها لا تملك الصلاحيات والاسنان. أما الباقي (حكومة وكابينيت) خارج اللعبة. حول الشفافية من النوع الأميركي والاستجواب العلني للمرشحين من النوع الذي مر به هذا الاسبوع نتنياهو في الكنيست حول موضوع الغاز، لا مجال للحديث أبدا.

في ظل هذا الوضع، النقاش يتحول الى شعارات. من بين الالقاب التي منحت للمرشحين – "عارض الازياء" (يوسي كوهين)، "الكيبوتسي" (رامي بن باراك) و"المظلي" (ن. نائب رئيس "الشاباك" السابق) – حول ملاءمتهم وقدرتهم على ادارة التنظيم؟ والى أي حد كان من شاركوا في الاسابيع الأخيرة في الجدالات والنقاشات حول المرشح المناسب من بين الثلاثة، مطلعين على التفاصيل، أم أنهم رددوا شائعات غير دقيقة سمعوها من الآخرين؟ انحطاط النقاش مقلق، لأنه يبحث عن الآن وهنا – الفائز، الخاسر، العنوان – أكثر من الاجراءات المهنية الملائمة وبعيدة المدى. لأن الامر كذلك فانه يدفع المرشحين ليكونوا كذلك: بشكل منفصل عن طابعهم ومعاكس لكل ما هو مطلوب لتنظيم أمني خصوصا تنظيم أمني سري قد يكون الكشف عن عملياته أو رجاله هو الفرق بين النجاح والفشل، بين الحياة والموت.

مخادع جريء التفكير

لدى يوسي كوهين جميع الامكانيات التي تجعل منه رئيس موساد جيد. إنه متميز وذكي ويعرف الجهاز ويعرف العالم الذي خارجه، هو صغير السن نسبيا وجائع بما فيه الكفاية. وهو يحظى ايضا بعلاقة حميمية مع بنيامين نتنياهو. هذه الافضلية تشكل خطرا ايضا: من يشغله ليس رئيس الحكومة بل شعب اسرائيل، من خلال رئيس الحكومة. في هذا التوسط يمكن أن يحظى رئيس الموساد بمساحة ليونة كافية ليقرر ماذا هو ومن هو. مئير دغان – رئيس مركز الانتخابات لاريئيل شارون الذي تم تعيينه من قبله ليكون رئيس الموساد – وضع لنفسه خط نشاط مستقل، واحيانا مناقض لخط شارون. تمير فردو – ضابط الصلة ليوني نتنياهو في عنتيبة، الذي تم تعيينه من قبل أخيه لرئاسة الموساد – اختار هو ايضا الخط الذي تسبب احيانا بالصدام مع نتنياهو. في الحالتين تم الامر في حدود الملعب وكجزء من الرسمية: يعملون لدى رئيس الحكومة، لكن ليس من اجله.

سيضطر كوهين الى الاختيار قريبا من هو وماذا يريد. لن يضطر الى وقت من اجل التعلم لأنه لم يأت من الخارج مثل دغان. فهو يعرف الموساد جيدا ويعرف طبيعة عمله وخططه ورجاله. هو بحاجة ليقرر فقط أن يأخذه: من الناحية التنفيذية والتنظيمية والشخصية.

الجزء الأول التنفيذي هو الاساس، وجوهر عمل الموساد. كوهين مليء بالأوسمة المبررة بسبب قدرته كمشغل في قسم "المفترق": مبدع، مخادع، شجاع التفكير والعمل. الآن سيطلب منه أن يأخذ هذه القدرات الى اماكن غير معروفة بالنسبة له، فرئيس القسم أو نائب رئيس الجهاز ليس مثل الرئيس نفسه – المسؤولية المباشرة والوحيدة لكل عملية وعن مئات الاشخاص الموجودين في كل لحظة في عملية معينة في أرجاء العالم. هذه المعلومة وحدها ردعت في السابق رؤساء موساد عن العمل وآخرين ازدهروا بفضلها. كوهين الذي يعمل تحت رئيس الحكومة الحذر من المخاطر، سيضطر الى النظر الى رجال العمليات التابعين له في عيونهم، ويتخذ القرار.

في المقابل، يجب أن يقرر خط العمل. النصف الثاني من فترة دغان وفترة فردو كلها ركزت على المشروع النووي الايراني. كانت هذه مهمة الحياة بالنسبة للموساد. يمكن ملء صفحات كاملة حول ما اذا نجح الجهاز أو فشل: حكمة الجموع تميل بشكل طبيعي باتجاه الفشل. فرغم كل الجهود استطاعت ايران الاقتراب من الحد النووي.

تميل الحقيقة لكفة الايجاب: كل دولة قررت وضع امكانياتها من اجل تحقيق السلاح النووي، حققت ذلك خلال عشر سنوات. وايران بدأت تهتم بالسلاح النووي منذ 1984 في ذروة حربها مع العراق. ومنذ ذلك الحين مرت 30 سنة وما زال السلاح النووي غير موجود لديها. ليس كل شيء مرتبط باسرائيل وبمسؤوليتها. ومع ذلك – اذا ربطنا الافعال التي نسبت اليها (قتل العلماء وتفجير الطائرات واعمال سايبر اخرى)، اضافة الى العقوبات الدولية التي بادرت اليها اسرائيل، فان النتيجة لن تكون سيئة.

إلا أن كل هذا ليس من الماضي، سيكون على الموساد الاستمرار في متابعة ايران للتأكد من أنها لا تعمل سرا لتطوير السلاح النووي وايضا من اجل متابعة عمليات التمويل والتدريب للارهاب في الشرق الاوسط، لكن في ظل الاتفاق مع القوى العظمى أعطيت للموساد فرصة للاهتمام بأعمال وشؤون اخرى وعلى رأسها "الاسلام المتطرف" – داعش والقاعدة – والمخاطر والفرص التي تنتصب أمام اسرائيل.

أيد فردو في منتصف ولايته هذا التغيير في الاتجاه مثل زملائه في الاجهزة الأمنية (رئيس هيئة الاركان ورؤساء الشاباك والاستخبارات العسكرية). إنه يعتبر الموضوع الفلسطيني المشكلة الاساسية لاسرائيل، وبالتالي فهي المفتاح للتهدئة أو لتحسين مكانة اسرائيل في المنطقة. الالتقاء الممكن والخطير بين الموضوع الفلسطيني (الداخلي) وبين "الارهاب الراديكالي"، سيحول الموضوع الى ملح أكثر في ولاية كوهين. على الجدول: تحالفات اقليمية ودولية أو الامتناع عنها، الامر الذي سيحول اسرائيل الى معزولة أكثر فأكثر، الى حد كبير سيكون هذا هو السؤال أمام كوهين كرئيس للموساد، والاهم أكثر من عدد جماجم المخربين التي ستكون على حزامه.

القسم الثاني التنظيمي سيتطلب من كوهين اتخاذ قرارات فورية مثل تعليمات، والابقاء أو عدم الابقاء على البنية التي شكلها فردو، والاستخبارات والتكنولوجيا التي تم تشكيلها. يستطيع رئيس الموساد أن يمنح جميع مصادره ووقته ورجاله للامر الفوري، للعمليات؛ في عالم الاستخبارات الشرق اوسطي هذا الامر مبرر دائما. استثمر فردو في المستقبل على المدى البعيد أكثر من أي واحد من أسلافه، ويدعي منتقدوه أن هذا ينبع من التردد، أما مؤيدوه فيقولون أنه نابع من المسؤولية.

النقاش حول هذا الامر لا حاجة له. الحقيقة هي أن الموساد ازداد عدد رجاله في السنوات الخمسة الأخيرة وازدادت الميزانيات والعمليات وحدثت قفزة باتجاه عالم التكنولوجيا. وهذا يستوجب تغيير تنظيمي وتفكيري وعملياتي، لكن فتح بوابة لعالم جديد من الاحتمالات، بعضها موضوعي وبعضها نتيجة التعاون داخل الاجهزة الاستخبارية، ولا سيما الاستخبارات العسكرية واحيانا "الشاباك" أو منظمات موازية في العالم. هذا البعد الدولي مهم ايضا في سياق آخر: في ظل العلاقات الرسمية السيئة مع كثير من الدول وعدم وجود علاقات مع اخرى، يعتبر الموساد مثل وزارة الخارجية لاسرائيل في اجزاء كبيرة من العالم.

القسم الثالث الشخصي. سيعكس كوهين نفسه على كل الجهاز. قدماء الموساد يقولون إنه اذا تم الكشف عن عملية فليس مهما اذا كانت نجحت أو فشلت – فانها فاشلة. المنطق واضح: نحن تنظيم سري واعمالنا سرية ورجالنا سريين. جميع رؤساء الموساد في الماضي أيدوا هذه النظرة، والاستثناء الوحيد كان دغان. ففي نهاية ولايته اعتاد على وسائل الاعلام التي اعتبرته رجل العام. أما باقي الالقاب فهي غير مهمة.

لقب "عارض الازياء" سيطارد كوهين طول الوقت. وسيضطر الى أن يثبت أنه كل شيء، وليس هذا فقط. اذا تجاوز، واذا بحث عن المجد الشخصي فسيفشل، والاخطر من ذلك فان رجاله سيبحثون عن المجد والنشر. ليس من السهل فعل ذلك في المرحلة الاعلامية في أيامنا، لكن هذا ضروري لكوهين وللموساد. من سيختار غير ذلك سيكتشف سريعا أن مجد العمليات يزول بسرعة بسبب فشل بسيط.

بعد تعيينه فورا قال كوهين إنه يلتزم بأن "ينفذ اعمال جيدة لاسرائيل"، والشبكة الاجتماعية كانت صاخبة بالردود: هناك من تساءل اذا كان ينافس رامي ليفي، وهناك من طلب أن يركز على 4 و100 وليس 1 مقابل 1. هذه الجملة التي ستدخل الى الفلوكلور جاءت تحت الانفعال من التعيين، لكن من الاجدر أن يبتعد كوهين بسرعة عن طريقة التفكير هذه: العمليات التي سينفذها لن تخضع لحكم الجمهور وتصويته، وأصلا لن يتم تقييمه من قبل شعب اسرائيل بل من قبل رئيس الحكومة والحكومة. اذا مهمته هي ليس انتاج عمليات بل احضار الهدوء من حوله ومن حول الجهاز، وبالذات الهدوء لدولة اسرائيل من التهديدات التي تحيط بها.

فردو الذي لم يرغب بأن يكون كوهين وريثه، قال عنه وبحق إنه مناسب وأن لديه جميع المقومات لقيادة الموساد بنجاح. في الطريق الى هناك سيضطر الى الانفصال عن معانقيه الكثيرين من السياسيين مرورا بالمؤسسة الدينية التي تعتبره رسولها وحتى رجال الاعمال الذين يريدون البقاء بالتأكيد في ظل المجد والسرية، لكنهم قد يعيبوا على فرص نجاحه، أي على أمننا.