عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 30 تشرين الثاني 2015

قراءة في رواية "يعدو بساق واحدة" لسامح خضر

رشا السرميطي

أعتبره تذكرة الدُّخول الأوَّل لي كقارئة في رحلتي مع الكتاب. "يعدو بساق واحدة"،  صدر عن دار الأهلية للنَّشر / عمان، (270) صفحة، لمؤلفها سامح خضر،. لوحة الغلاف للفنان الدانماركي ماريو فاغن ، 

عنوان الرِّواية: " يعدو بساق واحدة". عنوان يحمل في طياته تشويقًا للقارئ، فيبدأ بالتحليل، بغية اكتشاف ما بعد خطوات (قاسم) بطل الرواية التي كانت بملء الثِّقة، نحو احلامه العزيزة التي ثابر لينالها رغم التَّعب، غير عابئ بالعراقيل الخاصة والعامة التي كانت حال تجواله في رحلة البحث عن هويَّة الوطن الذي قضى عمره يبحث عنه، ليجده فيه، ويبقى السؤال: من الذي بتر ساقه؟ ولم عدا بساق واحدة؟ العدو هو الاسراع في اللغة والركض وراء شيء ما، أن يركض شخص بساق واحده يعني أنَّ هناك حالة من الهلع ولنقل طارئ لواقع صعب وفي ذلك دلالة لمرارة الأحداث وتعثرها في زمان الرواية، وكأنَّ الكاتب ينبئ قارئه بأنَّ البطل رغم كل شيء ركض وانتهى حيث الشاطئ الآمن الذي يطمح أن يصل إليه.

بدت الرواية ثقيلة، أحداثها مجمعة ومكثفة، تحمل في طياتها قضيَّة الانسان، وفلسفة فهمه لما يدور حوله، كما الصِّراع في ايجاد هوية تحمل الجزء الأكبر من انسانيتنا الضائعة في خضم الأحداث من حولنا، لنتعرف كل مرة على جزء جديد منا في مرحلة ما. كما شملت محاكاة للذات حول مفاهيم مفصلية مثل: الحياة، الموت، الوطن، المفلس، المعلِّم، الإنسان، .. بدأت الرِّواية بإهداء عصيب قدمه الكاتب لوالده ولكل الحالمين أن تطأ أقدامهم أرض الوطن. إن قضية الانتقال من مكان للآخر تمثل هجرة فكيف بمن ينتقل من دولة للأخرى ومن مجتمع وبيئة مغايرة، ربما في ذلك جلد موجه للآباء الذي يفكروا بأحلامهم بعيدًا عن الأبناء.

شخصيات الرِّواية: أبو قاسم (موظف في منظمة التحرير)، زوجته ( المغلوبة)، قاسم الشخصية المركزية، ليلى ( الأنثى) الخامدة.

الزَّمان: بدا تسلسل الزَّمان مريح للقارئ، خاصة مع السردية الصورية من خلال جغرافيا المكان والمونولج الداخلي الذاتي التي برع فيها الكاتب، وقد نجح في اصطحاب قارئه من فترة للأخرى دون ضجر وملل، كان في كل مغادرة ما يحمل على الاسراع للمحطة الزمنية المقبلة، ولم يعدو بالقارئ بل بدا رصينًا يعرف متى يجعله يتمشى ويتأمل الأحداث، ومتى يركض به ليطوي صفحة ويقسم الفكرة فيدسها في درج التَّفكر، وهنا يحتسب للكاتب عدم اسقاطه لذاته وشخصيته على القارئ، لقد ترك المجال مفتوحًا لكل قارئ بأن يرى ما أراد.

المكان: كندا التي كانت ومضة مكانية استخدمها الكاتب للدلالة عن الهجرة الهاربة من مكامن الصراع العربي لدولة غربية يحلم بها المهاجر بلقاء أحلامه والاستقرار، الحلم الخادع بطريق مملوءة بالعثرات. ثمَّ مصر الوطن الذي حمل ضحكات الطفولة وبكاء الشباب في أحداث لا تنسى وما أدرك قيمتها قاسم إلا بعد الابتعاد عنها رجوعًا على وطن أبيه الموروث( غزَّة) ملجأ العائدين، وفلسطين " الوجع الأكبر" الوطن الذي تنقل بين مدنه: غزَّة "مخيم جباليا، وبيت لاهيا"، رام الله وضجيجها، نابلس مدينة الحب التي جمعته ونسرين في نهاية أقرب إلى النهايات العربيَّة.

 إنَّ أكثر ما حضر فيما قدَّمه الروائي سامح خضر  في روايته " يعدو بساق واحده"، هو:

1- برزت في الرِّواية فلسفة حياتية عميقة تبيَّنت من خلال قلم الكاتب خضر؛ كانت تتمثَّل في طرح أفكاره اليافعة في توصيف وتعريف مفاهيم حياتية مفصليَّة. فمثلاً يقول الرجوع الذي عقب أوسلو هو الرحيل المفاجئ الذي سماه الآباء عودة (ص11)، بئس الأماكن مكان لم يترك بك أثرًا (ص18)، تتغير كيمياء العلاقات عندما نغيب ونعود، الوقت هو عكاز الوحدة الهش الذي لا يسعفك وتبعده عن دائرة القرارات التي يستهدف بها الأهل أبناءهم دون أن يكون للأبناء حق الاعتراض (ص23)، هكذا هي الحياة لا يمكن لضحية أن تشعر بألم ضحية أخرى إلا بعد أن يزول عنها الألم (ص40)، مفهوم الوطن لدى المغترب أفضل كثيرًا منه لدى المقيم فيه، الأهل والعائلة لا يدومون مدى الحياة، فلا تعش حياتك حسب رغبة الآخرين (ص144).

2- بدت التَّجربة عميقة في رحلة وجع البحث عن الوطن من خلال رواية " يعدو بساق واحدة"، تغلغل بطل الرواية نحو بحر الحياة، دون خوف؛   خاص أقسى تجارب حياته بلغ بعضها لمذلة تسببت في جرحه وتألمه، لكنَّه واظب متجلدًا بالصَّبر والثَّبات، كافح لأجل مبادئ كوَّنت ذاته.

3- آهات التاريخ الفلسطيني عنوان يتصدَّر معظم الانتاجات الأدبية؛ تطرَّق لها الرِّوائي من خلال أحداث أوسلو والعودة ذات الحلم الضبابي، وانتفاضة الأقصى عام 2000 وما تعثرت به أحداث مدننا في فلسطين الوطن.

4- سرديَّة مستمرَّة ومشوِّقة تحمل الكاتب من محطة للأخرى؛ تميَّز الكاتب في طريقة عرضه السرديَّة للرواية، وطريقته الصورية في وصف الأماكن والأشخاص، وقد بدا بارعًا في ذلك، سواء في جغرافيا السَّفر، أم جغرافيا التذكُّر والحنين للأشخاص ومواطن الحب معهم، لم أشعر بالملل قطعًا في قراءة الرِّواية بالكامل (270) صفحة ختمت قراءتها في يومين..

5- الرِّواية غنيَّة في الصور الأدبيَّة وذات لغة رفيعة؛ يقول مودِّعًا مصر إلى غزَّة رحيل يغطيه الأصفر والأزرق.. ص (12)، بيارة البرتقال الممتدة بخضرة أوراق الشجر الزاهي المطرز بحبات البرتقال (ص47)، أرخى الليل ستائره على القرية، أصوات الحشرات الليلية كانت تكسر الصمت وقاسم يقطع طريق العودة للمخيم، هي ذات الطريق التي سلكها حين خرج يبحث عن انسان يفهمه (ص52)، غزَّة بالنسبة لي عناق الأزرق بالأصفر، رمل شاطئها بمياه بحرها، لكن حيفا هي عناق الأصفر والأخضر والأزرق (ص67).

6- نضج الكاتب و وجود فكر مكَّثف، من مزايا هذه الرِّواية رغم أنَّها العمل الأوَّل والمجازفة الأولى؛ يقول: لا تدع أحدًا يجلبك إلى واقعه، فأنت منذ الآن موجود في واقع لا يهم من يعيشون فيه من أين أتيت، لكن يعنيهم أكثر إلى أين ستذهب (ص15)، الفلسطينيون في المنفى يخافون بالفطرة (ص21)، الحياة رحلة منحت للانسان، فإما أن ينام طول فترة الرحلة حتى يصل النهاية، وإما أن يستمتع بكل جوانب الرحلة وهذا ما أريده (ص69).

7- لغة الأماكن وحنين اللحظة لذكرياتها؛ اللغة التي تحدِّث المكان وتصغي له، تطرح الأسئلة، وتمتلك الاجابات، يقول: لا صلة للمكان والذكريات لم تتراكم فيه (ص33)، الرحيل هو الموت بدون قبر.. نتعذب بالذكرى، ونتعذب بالحنين (ص89).

8- للروائي فلسفته الخاصة؛ يقول في صفحة (107) إرادتي دوائي، وفي هذه العبارة حكمة وصلابة، امتدت كفلسفة خاصة بالكاتب خلال أحداث الرواية كاملة. الوحدة تكشف للانسان ملامحه الداخلية التي يخفيها ضجيج علاقاته الاجتماعية فيصبح قادرًا على تلمس هذه الملامح وتحديد شكلها وأبعادها ص(123)، لا تعش حياتك على رغبة الآخرين (144)، يسهب الكاتب في تعريفاته المتعددة للحياة، فيقول: الحياة هي عبارة عن مشاريع شخصية نعيش من أجل دراستها وتنفيذها مهنيًا، نتطور في وسط المشاريع المصيرية التي نعيشها.

9- في الرِّواية " يعدو بساق واحدة" إثارة لقضايا اجتماعية؛ حيث قام الكاتب بتسليط الضوء على قصة حبُّ بين قاسم بطل الرواية الفلاح ونسرين البدوية الأصول وتفاصيل صعوبة ومعيقات الارتباط في مجتمعنا الفلسطيني بين عدة أقاليم صنعتها سلطات الاحتلال سواء المدينة، المخيم، القرية، البدو. كما تطرَّق للواقع المحزن وشدة الفقر التي تختزل الأحلام " العظيمة" عند قاسم المعلِّم وصديقه فاخر في دجاجة مشوية!

10-                   أهمية وجود الصديق الحقيقي ورفيق الرُّوح لتسهيل درب العيش وتخطي كافة عراقيله؛ عرَّف الكاتب رفيق الرُّوح:" هو الذي يبكيك ثم يضحكك ودموعك ما زالت تجري على وجهك، هو من يوقعك أرضًا ثمَّ يرتفع بك من وسط حطامك، ينزل بك إلى وادٍ سحيق حتى يعود ليرفعك إلى سماوات عالية" ص (167).

11-                   أشعل الكاتب إضاءاته الخاصة حول دور المعلِّم الحقيقي؛ و قد أسقط بعضًا من فكره عن طرق التعليم البالية والقوانين المهترئة بما يتعلق في وكالة غوث اللاجئين التي يفترض الأصل من وجودها عون اللاجئ لا اهانته واذلاله بحجم أكبر يفوق ذل العيش خارج حدود الوطن والخوف من القوة التي التجأ إليها أملاً بالعودة.

12- كما تحدَّث عن تيه الإنسان ومفهوم الهوية؛ لقد أصبح سؤال الهوية بالنسبة لقاسم من أعقد الأسئلة التي تغرقه في التفكير ويبدأ بها رحلة التيه كلما حاول الاجابة عنها، .. ما زال بالامكان الحلم بما ليس واقعًا (ص51)، جهلك يفتح الاحتمالات على نهايات كثيرة،.. يتابع..  لماذا قبلنا بما قبلنا؟ وكيف تركنا البقية؟، ختم روايته في سطر: الهوية تآكلت في مجتمع لا يعطي لأبنائه إلا بعد أن يحرمهم من الكثير.