جهينة حسين.. قصة أم كافحت لتربية أبنائها الأربعة وتعليمهم بعد وفاة زوجها
أكملت دراستها في "القدس المفتوحة" وزاملت ابنها وشقيقتها على مقاعد الدراسة في فرع رام الله والبيرة
.jpg)
رام الله - الحياة الجديدة - أيهم أبو غوش- لم تدرك جهينة حسين عبد الفتاح علي (47 عاما) أن وفاة زوجها قبل نحو تسع سنوات سيحملها كل هذا الحمل الثقيل، فالمرأة التي تسكن في بلدة سنجل بمحافظة رام الله والبيرة، وجدت نفسها تكافح الحياة وحيدة في تربية أربعة من الأبناء (3 ذكور وأنثى) دون معيل الأسرة الذي رحل بعد أن أصيب بجلطة قلبية قاتلة عن عمر يناهز الـ(45) عاما.
تحولت جهينة في لحظة إلى أم وأب لتقوم بالدورين معا لأبناء فقدوا أباهم وهم في مرحلة مبكرة من العمر، أسيد (17) عاما، وليث (16) عاما، ومحمد (12) عاما، وتمام (7) أعوام. لعبت جهينة الأم دور المرشد التربوي لتحفيز أبنائها على العطاء وتجاوز محنة فقد الأب شاهر شبانة، الذي كان يعمل سائق تاكسي بحثا عن لقمة عيش حلال لأبنائه.
اضطر الابنان الكبيران (أسيد وليث) إلى العمل رغم صغر سنهما بعد وفاة والدهما؛ لمساعدة والدتهم على توفير متطلبات الحياة، فرغم أنهما كانا على مقاعد الدراسة فقد اضطرا للعمل في مهنة النجارة، وفي التصوير في استوديو خاص بالمناسبات.
مسيرة الحياة استمرت، وها هي الأم تصنع من أبنائها الأيتام قصة نجاح قل نظيرها، غير مكتفية بتعليم أبنائها، بل سارعت هي نفسها لإكمالها مسيرتها التعليمية في "القدس المفتوحة".
أسيد الذي يبلغ حاليا (26) عاما أصبح طبيبا، وليث (25) عاما أكمل دراسته ليحصل على درجة البكالوريوس متخصصا في "إدارة الأعمال" من جامعة القدس المفتوحة، ويعمل حاليا موظفا في وزارة النقل والمواصلات، أما محمد (21) عاما فحصل على دبلوم في تخصص الإدارة، وها هي تمام (16) عاما تستعد لإكمال مسيرتها التعليمية أسوة بأشقائها، أما الأم التي التحقت بجامعة القدس المفتوحة –فرع رام الله والبيرة، عام 2016 بعد انقطاعها عن الدراسة لنحو (23) عاما، إذ كانت حاصلة على دبلوم التمريض من الإغاثة الطبية، فقد فضلت بعد كل هذه السنوات أن تحصل على شهادة بدرجة البكالوريوس، علها تكون سلاحا في مواجهة تحديات الحياة.
تقول جهينة: "لم يكن أمرا سهلا على زوجة توفي زوجها، أن تعيل أربعة من الأبناء، فقد كنت لهم الأب والأم معا، دعمتهم على كل المستويات، ولم يكن أمامنا كأسرة خيار إلا مجابهة صعوبات الحياة وتذليل العقبات، ولهذا وجدنا أن العلم سلاحنا في هذا الزمن".
وتضيف: "في عام 2016 التحقت بجامعة القدس المفتوحة – تخصص خدمة اجتماعية، وزاملت ابني ليث الذي درس في الجامعة ذاتها لكنه كان يسبقني بعامين، لقد تزاملنا في أكثر من مادة، وكان شعورا جميلا أن نكون معا على مقاعد الدراسة، لقد كان هذا عاملا محفزا لكلينا".
وتكمل: "دفعتني الظروف التي مررت بها، سواء على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو النفسي، إلى الالتحاق بالجامعة، شعرت أن ذلك سيقودنا إلى تحقيق ذاتي وسينمي شخصيتي، وسيسهم في مساندة أبنائي من خلال إيجاد وظيفة في مرحلة ما".
أكملت جهينة دراستها لتحصل على درجة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية بتقدير امتياز، وكان مشروع تخرجها متوافقا تماما مع تجربتها الشخصية، إذ حمل عنوان "التوظيف الاجتماعي والنفسي لدى أمهات الأيتام وانعكاسه على التنشئة الاجتماعية لأطفالهن"، بإشراف الدكتور رمضان أبو صفية، عضو هيئة التدريس في فرع رام الله والبيرة.
من الأكثر تفوقا، الأم أم الابن؟ تؤكد جهينة، وقد علت ابتسامة عريضة على محياها: "لقد كان ليث يعتمد عليّ في بعض المواد، من خلال دراسة بعض الملخصات التي أقوم بها".
أما عن أبرز الصعوبات التي واجهتها خلال مرحلة الدراسة، فتقول: "في البداية، وجدت صعوبة في الانسجام مع البيئة الدراسية، خاصة بعد انقطاع عن الدراسة لأكثر من عشرين عاما".
وتتابع: "شيئا فشيئا، نظمت وقتي وبدأت أستعيد الأجواء الدراسية، وقد ساعدني وشجعني كل أعضاء هيئة التدريس الذين علموني، ومدير الفرع الدكتور حسين حمايل، والمساعد الأكاديمي الدكتور معتصم مصلح، وكذلك مجلس الطلبة"، موجهة شكرها لإدارة الجامعة قاطبة، خاصة الأستاذ الدكتور يونس عمرو؛ لتوفيرها كل أشكال الدعم لطلبة الجامعة وإسنادهم أكاديميا ومجتمعيا.
ليس ابنها ليث الوحيد الذي زاملته جهينة من أقاربها على مقاعد الدراسة، بل زاملت شقيقتها جنين حسين عبد الفتاح (35 عاما) وهي من ذوي الهمم العالية. وتقول: "أن تكون شقيقتي من ذوي الهمم العالية أيضا على مقاعد الدراسة، شكل لي حافزا إضافيا لأشق طريق النجاح".
في يوم 4-8-2021، عاشت جهينة لحظة فرح غامرة تزامنت مع ذكرى حزينة، ففي مثل هذا اليوم قبل تسع سنين رحل زوجها عن الحياة إلى دار الحق، وها هي من أثقلها الرحيل وتعب السنين تصعد إلى منصة الخريجين في حفل تخريج الفوجين الثالث والعشرين والرابع والعشرين (فوج الأغوار) لتخطف الأضواء، فقد آن الأوان لصناعة البهجة رغم ألم الفراق، لتهدي روح زوجها وأبناءها فرحة التخريج.
لم يتوقف قطار التحدي والإصرار عند هذه النقطة، فجهينة وابنها ليث اللذان تزاملا في مرحلة البكالوريوس، يستعدان اليوم لمرحلة جديدة، فالأولى تريد أن تلتحق ببرنامج ماجستير "الإرشاد النفسي والتربوي" في جامعة القدس المفتوحة، وليث يريد أن يلتحق بماجستير "القيادة والإدارة الاستراتيجية"، غير أن عائقا واحدا قد يحول دون إكمال الحلم، وهو قلة الإمكانات المادية للأسرة. وفي أسوأ الأحوال، من الذي ستختاره الأسرة إن سمحت الظروف بفرصة واحدة فقط لإكمال الماجستير؟ تقول الأم التي وهبت حياتها لأبنائها: "بلا شك، الأولوية لليث، هو في بداية حياته، وقد تساعده درجة الماجستير على الارتقاء الوظيفي".
مواضيع ذات صلة
لاجئون في أريحا يتمسكون بحق العودة ويروون حكايات التهجير
الاحتلال يهدم عشرات المنشآت التجارية والصناعية في العيزرية
مستعمرون يقيمون بؤرة استعمارية على أراضي المواطنين شرق رام الله
"التعليم العالي" تعقد ورشة عمل حول الإطار الوطني للمؤهلات
"الأسرى" ونادي الأسير: زيارات لعدد من معتقلي غزة تُظهر حجم الإبادة الحاصلة في السجون
2869 شهيدا حصيلة عدوان الاحتلال على لبنان