عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 04 آب 2021

فلسطين تهندس ميناء بيروت

في الذكرى السنوية الأولى لانفجاره

رام الله - الحياة الجديدة- حوار: حنين شلطف ونجد حسام - في الرابع من آب عام 2020، هز العاصمة اللبنانية بيروت انفجار ضخم في مرافق ميناء بيروت الدولي.. في كارثة أضفت إلى لبنان الذي يعيش أزمات سياسية واقتصادية متشابكة مزيدا من المآسي، وانتشرت مشاهد الدمار في أكثر من نصف مدينة بيروت.. مأساة راح ضحيتها 204 اشخاص وأكثر من 6500 جريح، فيما أعلن عن تضرر أكثر من 50 ألف منزل وأضحى أكثر من 300000 شخص بلا مأوى، وقدر خبراء اقتصاديون حجم الخسائر بما يقارب 15 مليار دولار.

في ذكراها السنوية الأولى، أعادت مأساة "بيروتيشيما" إلى الأذهان مشاهد الدمار التي خلفتها الانفجارات الكبرى التي هزت العالم، وعرفت تعاطفا دوليا كبيرا مع نتائج المأساة، من بينها تعاطف الشعب الفلسطيني الذي عَبَّر عن التصاقه بالهم اللبناني عبر التاريخ، وتضامنه مع ضحايا الانفجار وأسرهم والمتضررين منه، تعاطف اندمج مع الجهد الدولي الذي نادى سريعا بإعادة إعمار مرفأ بيروت، وقاد مبادرات دولية لإعادة الإعمار.

أربعة مهندسين من خريجي جامعة بيرزيت هم: (آلاء أبوعوض، ديالا أندونيا، ميس بني عودة ومجد المالكي)، التقطوا فرصة الاعلان عن المسابقة الدولية لإعادة إعمار مرفأ بيروت، وقرروا المشاركة فيها بمشروع حمل عنوان (ما بعد الانفجار- بيروت المنتجة)، لينافسوا مشاريع دولية، ويحصلوا في النهاية على المركز الأول في المسابقة، متقدمين بذلك على ثلاث عشرة دولة نجحت من بين 24 مشروعا دوليا.

والجائزة هي جزء من برنامج جائزة حيفا الدولي الذي تنظمه مؤسسة (IDAR-Jerusalem)  ومقرها القدس، وتهدف إلى معالجة مساحات "المخاطر" في مناطق مختلفة من العالم كمحاولة لخلق افكار معمارية وحضرية مبتكرة لبحث إمكانيات إعادة إعمار هذه المناطق المنكوبة.

الفريق الفلسطيني، سيقدم مشروعه في احتفالية دولية ستقام في مدينة حيفا، في السادس عشر من الشهر الجاري، بمشاركة عالمية واسعة، وتتضمن عرض المشاريع المنافسة.

وتميز المشروع الفلسطيني بالجرأة وخروجه عن سياق الإعمار بحد ذاته، إلى أبعاد إنتاجية، هدفها خلق تغيير حقيقي في مرفأ بيروت، يساهم في تحويل الآثار الناجمة عن الانفجار إلى مصادر تطوير إنتاجية تواكب احتياجات مدينة بيروت الآنية والمستقبلية.

 

المشروع الفلسطيني تفوق على 13 مشروعا دوليا ويهدف لإحداث تغيير مجتمعي حقيقي

وتقول المهندسة ديالا اندوني في حديث لـ"الحياة الجديدة": "نحن أربعة مهندسين زملاء، رأينا أن المسابقة قد تم طرحها من قبل المؤسسة وذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك قررنا المشاركة في هذه المسابقة، بهدف تقديم مبادرة إنسانية".

وتضيف المهندسة ديالا اندوني: "هذه المسابقة الدولية تم طرحها بشكل عام، وشاركت بها دول متقدمة جدا، خاصة من ناحية التخطيط العمراني، مثل المشاركات من روسيا وإيطاليا والولايات المتحدة بالإضافة الى دول عربية".

وأوضحت المهندسة اندوني طريقة المشاركة، فقالت: "يكون التقديم للمشاركة بشكل مجهول، عن طريق رمز سري يتم طرحه آلياً وبسرية كاملة ومصداقية، أما لجنة التحكيم فتتألف من محكمين دوليين، ومنهم معماريون على مستوى كبير جدا وبعضهم يمثل مرجعا عالميا في مجال الهندسة المعمارية".

وأضافت، "إضافة للعامل الانساني، فهي فرصة كبيرة لنا كمعماريين أن نبدي رأياً قد يدخل حيز التطبيق، وهي أيضا فرصة لنا كمهندسين معماريين في بداية مسيرتنا المهنية من أجل العمل في مشروع بهذا الحجم من القدرة الكبيرة على إحداث تغيير مجتمعي حقيقي".

وتابعت أندوني: "بعد كل ذلك، قدمنا المشروع، وبدأنا بجمع الأبحاث ودراسات للشارع اللبناني، إضافة لاستخدام صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تعكس حقيقة احتياجات مدينة بيروت وساكنيها، إضافة لكل ما يتعلق بانفجار مرفأ بيروت، وهو ما أعطانا تشبعا بهذه الأحداث وأدق تفاصيلها".

 

تحديات بالجملة.. جغرافيا المكان وتعقيدات الحالة اللبنانية

واوضحت المهندسة ديالا أندوني أن الفريق واجه العديد من التحديات أمامه، لذلك أخذ جهدا ووقتا كبيرا في جمع المعلومات والخرائط، والوصول لمرحلة تؤهل الفريق لتقديم مشروع شامل ومكتمل.

وقالت: "أحد التحديات التي واجهتنا بأننا لم نزر يوماً مدينة بيروت، إضافة لعدم معرفتنا بالمنطقة أو بالمرفأ، بالتالي كان لدينا صعوبة في جمع المعلومات، وفهم المواطن اللبناني بشكل خاص".

وأضافت: "ضمن هذه التحديات أيضاً، تداعيات جائحة فايروس كورونا لصعوبة التجمع وإنجاز العمل عن بعد، إضافة لوضع بيروت السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعقد، ووجود عديد الأزمات الداخلية التي يجب فهمها لإعطاء مقترح شمولي".

 

مشروع مستدام يحقق تطلعات اللبنانيين وتنمية الاقتصاد المحلي

المهندس مجد المالكي في حديثه لـ"الحياة الجديدة"، أكد أن مشروعهم انطلق من فكرة إعادة اعمار مرفأ بيروت بما يحقق تطلعات الشارع اللبناني، وما يحتاجه من إعمار من ناحية سكن، وعمالة ووظائف، وتنمية الاقتصاد المحلي، وذلك لاعتماد بيروت بشكل كبير على الاستيراد والتصدير.

ويقول المهندس المالكي: "وردتنا هذه الفكرة لخلق اقتصاد جديد يخدم المدينة لعدة سنوات قادمة، فقدمنا مشروعا مستداما وليس مؤقتا، بمعنى انه يخلق حلقة مستدامة مبنية على الاقتصاد والعمالة".

ويضيف: "ما يميز مشروعنا هو خلق وحدات سكنية سريعة، بحيث يمكن ان تتأقلم هذه الوحدات مع التغيرات المستقبلية، فتتحول من وحدات سكنية إلى مواقع عمل، ويمكن أن يتم انتاج هذه الوحدات عن طريق المجتمع نفسه، كما يمكننا إضافة التعليم المهني الى المشروع، وبالتالي ممكن أن يتعلم السكان منه، وإعادة استخدام المواد الموجودة، وهذا جزء ثالث لإعادة استخدام المواد التي تناثرت من الانفجار من حديد وأخشاب وغيرها لخلق الوحدات السكنية بشكل مؤقت إلى أن يتم تحسين مسكنهم الأصلي، ومن ثم تحويلها لبيئة عمل مثل مكاتب وغيرها".

 

المشروع يعيد بيروت وميناءها وساحلها للبنانيين

ولعل أهم ما يميز المشروع الفلسطيني هو فكرة وضع المواطن اللبناني في مقدمة الأولويات، وتمحوره حول الصوامع وذكرى الانفجار المأساوي، وحق المواطن اللبناني في مدينته وساحله.

ويشرح المهندس مجد المالكي لـ"الحياة الجديدة"، فيقول: "يتمركز شغل المشروع على منطقة الصوامع، بحيث ان هذه الفكرة جزء مهم من مكونات الشعب اللبناني، وتم تدعيم هذه الفكرة بهيكل، وهذا الهيكل يخدم كسوق محلي، وهذا السوق سمي سوق الصوامع والذي كان في وسط المشروع، وبجانبه يوجد المدرج المفتوح، ويعتبر ساحة عامة يمكن استخدامه لفعاليات عامة، ويستخدم للتعبير عن آراء واحتياجات المجتمع اللبناني".

وتوضح المهندسة آلاء أبو عوض: "يقع مرفأ بيروت في منطقة منفصلة عن المدينة، فمدينة بيروت منفصلة عن الواجهة البحرية في هذه المنطقة، ومساحة الميناء الحالي هي 21 ألف دونم، ويفصل بين المدينة والميناء شارع اسمه "شارع تشارلي"، ويعزله عن النسيج العمراني لمدينة بيروت، ونحن كمهندسين دورنا أن نحدث انسجاما وتداخلا بين المدينة والميناء، واسترجاع حق المواطن اللبناني في هذا الفراغ العام، فالميناء هو ملك للشعب والدولة اللبنانيين".

وأضافت: "كنا أمام تساؤلات، من بينها، هل نعيد نفس النظام القديم بخصخصة هذه المنطقة لصالح شركات وأحزاب مسؤولة عنها؟ لكن فكرة المشروع قائمة على إحياء الفراغ المتمثل باسترداد المواطن اللبناني لحقه في الميناء، تمكنه من الدخول إليه من أي منطقة أو من أي مدخل، وبالتالي فككنا كل عناصر القوى المتحكمة فيه، واسترجاع حق المواطن في الواجهة البحرية، فالمشروع يعتبر ضد الخصخصة التي تحدث للشاطئ في مدينة بيروت".

وتابعت: "كل الشاطئ اللبناني يبنى لمشاريع قطاع خاص، وهذا يؤثر على طبيعة وملكية المواطن بفراغه العام، كما الساحات التي تذكر الشعب اللبناني بالحرب الأهلية، وبالأخص ما يسمى "مبنى السينما" وهو المبنى الوحيد الذي ما زال باقيا من آثار الحرب الاهلية في السبعينيات، وبالتالي عملنا على هذه الساحات ضمن مشروعنا، لإحياء ذكرى هذه الحرب والتعبير عن وجود نهضة بعد حرب مؤلمة، ونحن نريد كمعماريين إبقاء هذه المعالم واضحة لإحياء هذه الحرب وما مر به الشعب اللبناني".

 

هدية من الشعب الفلسطيني إلى شقيقه اللبناني

واعتبرت المهندسة آلاء أبو عوض في حديث لـ"الحياة الجديدة"، أن هذه الإنجاز الفلسطيني بالحصول على المركز الاولى في المسابقة الدولية لإعادة إعمار مرفأ بيروت، فرصة لوضع حجر الأساس لإعادة الإعمار، ومحاولة لتقديم المساعدة، ومبادرة للنهوض بالاقتصاد اللبناني، قائلة: "نحن نعتبر أن هذه المبادرة هدية من الشعب الفلسطيني إلى شقيقه اللبناني".

وأضافت أبو عوض: "فلسطين ولبنان ترتبطان بعدة أمور، كاحتضان لبنان للاجئين الفلسطينيين، والعلاقة التاريخية بين ميناءي حيفا بيروت، إضافة للترابط الموجود على الساحل الفلسطيني، والذي يجعلنا وحدة واحدة تساهم في تطور مجتمعات الوطن العربي، إضافة إلى أن مرفأ بيروت يعد بمثابة أكبر مخزن غذائي في الشرق الأوسط، وتضرره سيؤثر على باقي الدول العربية، وبالتالي دورنا كمهندسين في إعادة البناء".

ونوهت المهندسة أبو عوض، إلى أن الشعبين الفلسطيني واللبناني يعيشان تاريخا وحاضرا ومستقبلا مشتركا، قائلة: "عندما حدث انفجار مرفأ بيروت، استذكرنا أحداث الانتفاضة التي عشناها في طفولتنا، وهذا ما جعلنا نتضامن بشكل أساسي مع إعادة المرفأ، فنحن كمهندسين من واجبنا إعادة اعماره".

وأضافت: "كان المشهد مثل مشاهد الحرب والقصف على قطاع غزة، وبالتالي وجدنا أن هذه اللحظة هي أكبر فرصة لتقديم مساعدة ومبادرة فلسطينية لإعادة اعماره والنهوض بالاقتصاد اللبناني".

 

خريجو "بيرزيت" قادرون على العمل في مشاريع كبيرة

وحول تأثير دراستهم وعملهم في جامعة بيرزيت على تفوقهم، تؤكد المهندسة الاء ابو عوض أن خريجي جامعة بيرزيت يتميزون بالقدرة على العمل في مثل هذه المشاريع الكبيرة، وتضيف: "لقد اشتغلنا في جامعة بيرزيت بعد تخرجنا لمدة 3 سنوات، وكنا دائما ما نجتمع في المشاريع الكبيرة، وقمنا بإنشاء مثل هذه المشاريع أثناء دراستنا او عملنا".

ودعت المهندسة أندوني باسم زملائها، الشباب الفلسطيني إلى اغتنام الفرص وعدم اليأس، والمشاركة في كل المسابقات لفتح آفاق جديدة امامهم، وقالت: رسالتنا إلى الشباب الفلسطيني، أنه دائماً ما يكون هناك صعوبة لإثبات الذات في المجال المتخصص به، ونعتقد أنه يجب أن يكون هناك نظرة لدى الشباب لما بعد الوظيفة، والتي قد تكون أحيانا عبئا علينا".

وأضافت: "كما نوجه رسالة ندعو خلالها إلى الثقة بالخريجين المحليين والشباب الفلسطينيين واستغلال طاقة الشباب فمشروع بهذه الضخامة يتطلب وقتا وجهدا كبيرين".