عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 تموز 2021

قصة حب البحر مع الجبل

رأس الناقورة- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- لا يفصل بين الحدود الفلسطينية- اللبنانية، سوى بوابة طويلة صفراء، يقف خلفها جنود الاحتلال، وتحول دون التواصل بين بلدين ينتميان إلى بلاد الشام، أو الشامات، كما سماها الأدباء العرب القدماء.

ترمز البوابة الحديدية، للقهر الذي يعيشه الفلسطيني، وتذكّره بأيام كان أسلافه يتنقلون بيسر، يبدو الآن مستحيلا.

رأس الناقورة، جبل يعتلي البحر، ويطل عليه، في واحدة من أجمل الإطلالات في فلسطين، تتدرج من مياه البحر الخضراء، قبل أن تصبح زرقاء، إلى الكهوف الطباشيرية، التي ما زالت تضربها المياه، منذ زمن غير محدد، وتحدد شكلها.

تعتبر الكهوف، والجروف، والمغر، من أهم ما يميز موقع رأس الناقورة، تكونت خلال آلاف السنوات، نتيجة عمليات جيولوجية، منها الهزات تحت الأرض التي أحدثت شقوقا في الصخور، ما سمح بمياه الأمطار لاختراق الشقوق، فذوبتها وأنشأت الجروف والكهوف، التي توسعت بضربات الأمواج، التي يمكن اختبار قوتها وصخبها خلال مغامرة السير في الكهوف، وكأنها لم تنه عملها الذي أوكل لها، ليدهش الناس غير آبهة بتبدلاتهم السياسية.

تحبس الكهوف، أنفاس الزوار، بغموضها، وجمالها، بحيث ينسون أنها أساس صخور رسوبية طباشيرية، تتشابك بصخور الصوان الداكنة، التي تكونت، ويا للروعة، من مواد انبعثت من الطحالب والكائنات الحية البحرية.

الوصول إلى الكهوف، عبر القطار المعلق، الذي يعتبر الأكثر انحدارا في العالم، وهو وسيلة الزوار للوصول إلى الكهوف، والبدء بمغامرة، بعد أن ينحدروا نازلين من ارتفاع 70 مترا، في زاوية حادة، تبلغ 60 درجة مئوية من على وجه الماء، حابسين أنفاسهم، من روعة المشهد الخالد.

بين الكهوف، وفوقها، ثمة منشأة تعود لزمن الانتداب البريطاني، هي النفق المحفور ضمن سكة الحديد التي بنيت للربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

اشتغل في حفر النفق المذهل، عمال من فلسطين، واستراليا، ونيوزلندا، وجنوب أفريقيا، ليمدوا سكة الحديد بين حيفا وبيروت وطرابلس في لبنان.

ينظر الآن إلى الجهود التي بذلت في ذلك، بأنها مفخرة، حيث تطلب الأمر سنة واحدة فقط للتغلب على صخور رأس الناقورة، وإنجاز النفق، ووضع 12 جسرا على طول مسار سكة الحديد، وبنيت جدران داعمة للحماية من أمواج البحر الخطرة، والتي تشير الكهوف إلى قدرتها على الفعل.

حفر نفقان في جرف رأس الناقورة، بطول إجمالي يبلغ 200 متر، وامتد بينهما جسر فوق فتحة المغارة الكبيرة. استخدمت سكة الحديد بين عامي 1943-1948 للأغراض العسكرية البريطانية، ولكن لدى البريطانيين استثناء فيما يتعلق بالأطماع الصهيونية، ففي صيف 1944، جلبوا مهاجرين يهودا من معسكرات النازية، ليستوطنوا بلادنا، ضمن صفقة تبادل، أفرج فيها البريطانيون عن ألمان من طائفة الهيكليين يقيمون في فلسطين، تعرضوا للاعتقال والقمع من قبل بريطانيا المحتلة فلسطين, ومن تبريرات اعتقالهم أن ابناءهم كانوا يخدمون في الجيش الألماني. وأصبح الفلسطيني ضحية وضع ليس له علاقة به.

قبل أن يغادر الاحتلال البريطاني، فلسطين، تقدمت قوة صهيونية من منظمة الهاجاناة، وفجرت الجسر فوق فتحة رأس الناقورة، خلال ليلة عاصفة في آذار 1948م، بحجة منع وصول السلاح من لبنان، إلى المقاومة الفلسطينية. والحيلولة دون وصول جنود من الجيش اللبناني إلى فلسطين.

يتراءى رأس الناقورة من أسفل شامخة، ومن أعلى، محنية رأسها للبحر، رمزا لعلاقة عشق سرمدية، بين بحرنا، وجبلنا.