تصفية حساب
جميلة عمايرة*

الحياة الجديدة- عمان
استعرضت وجوه قتلاي وجها وجها ، وأحصيتهم جثة اثر جثة .
كاتب بائس يخلع صاحبة دائما .
رجل عجوز يستمني كثيرا بلا جدوى .!
رجل آخر يريد مضاجعتي مرة واحدة كل نصف ساعة ، توسلته أن لا يتركني ، اذ ماالذي سأفعله بالتصف الآخر من الساعة سوى مضاعفة شهوتي .!؟
هو رجل وسيم ، كثيرا ما اخترقت بنار اشتهائه ، ولم استطع ان اتواصل معه كما اشتهي . كان في كل مرة نلتقي ، يبدأ بروي نكات فاحشة تهيجني بقدر ما تضحكني ، مؤجلا رغبتي الى المرة التي ستليها .
يلزمنا طقس خاص يليق بك . يقول لي .
لقد استطاع خداعي عشرات المرات باقتدار .
هنالك رجل برأس كالافعى ، ناعم وهادىء ، مسالم وطيب ، الا انه يلدغ صاحبه في كل مرة يحس باقتراب الحبل من عنقه ، ثم ينسحب بهدوء لص محترف .
آخر اثار استفزازي بطريقة اربكتني : فلقد تكرر حضورة باحلامي كل ليلة ، الى درجة انه بات رجلي الملازم لي بالسرير ، كنت اصحو من نومي واصرخ من هول ما يحدث لي ، : كان يواقعني في كل ليلة بأصرار غريب .! وبلا رغبة مني ، فهو لم يخطر ببالي قط .!
غير أن ما أثار رعبي ، ادعاء علماء النفس ان هذه امورا تحدث في اللاوعي ، وان صدف وتحققت بالحلم فهذا دليل على ما يتمناه المرء بأعماقه .!
نحن نحلم بما نرغبه بقوة ونتمنى حدوثه .
يا الهي ، لقد استدعى الامر بأن افكر بأفضل طريقة لادعه يبتعد عني ويكف عن مضايقتي الى ان خلصت الى اسهل الحلول واسرعها : القتل .
وهكذا قتلته فجرا، استطعت بعدها ان انام بهدوء كما اشتهي .
ثم كان ذلك الرجل الفزاعة . لقد ضللني بأسوأ مما توقعت : رأيته شامخا بكبرياء ، بنيت احلاما وآمالا ، رغبات لا حدود لها ، أردته ان يكون آدمي الخاص بي ، قامته الفارعة ، شعره الناعم المستسرسل فوق كتفيه ، احب الرجل بشعر طويل ، تلك كانت صفاته او سماته البارزة ، ولكن سرعان ما انهارت احلامي وتوقعاتي كقصور اطفال بالرمال : كان فارغا ، اجوف ، كفزاعة الحقول .
وغد اخر لسانه بطول شوارع مدينتي المتصلة والمتفرعة ، المأهولة والمقفرة ، الممتدة والضيقة ، لا يفعل شيئا سوى ايذاء الاخرين والوشاية بهم .
رغم غياب ما يدل على التوجس الا انني احسست بأن هنالك ما ينبغي لي تتبعه : ضوء معتم ، رائحة ، دليل خفي ، سلوك ارعن ، خيط لامرئي ابيض او اسود ، وعلي تتبع الامر .
حسن اذن . هذا مؤشر جيد .
التقيته بقاع المدينة ، اخذ يشكك بأشخاص كانو اصدقائه ، لحسن حظي او سوء حظه كانوا هم اصدقائي .!
ذهلت .
اخذت استمع اليه بهدوء واهتمام ، الى ان انتهى من سرد عشرات القصص التي ادركت زيفها ، بسبب معرفتي بأشخاص العديد ممن وردوا فيها .
ايها الوغد . قلت لنفسي ، ستكون رقما جديدا يضاف الى قائمة قتلاي .
هكذا كان الامر . الى ان انتهيت منهم جميعا ، اجل . لقد قتلتهم بضمير نقي صاف .
***
فيما بعد سارت حياتي بهدوء وسكينة لا يعكر صفوها شيء .
الى ان نهضت ذات ليلة وكنت ارتجف هلعا ورعبا ، اذ كنت محاصرة بعيون محدقة بي على اتساعها ترمقني باستهزاء ساخر ، ذات نظرات متوعدة ومهددة ، غاضبة تمتلىء حقدا وغضبا وتتأهب للانقضاض علي .! ثم تحولت لتقذفني باللهب بالليالي التالية .
ياالهي . ماالذي يحدث لي ؟.
اين اولي وجهي ؟
اشعلت الضوء ، انتحيت ركنا قصيا ، واخذت افكر من جديد : ماذا فعلت.
هل يستحق الامر ولو كان بأسوأ صورة ، هل يستحق القتل ؟ كيف اقدمت انا الفتاة الطيبة الجميلة المسالمة على فعل كالقتل ؟ وهلك كنت انا نفسي ذاتها حينما اقدمت على قتل هؤلاء الاوغاد ؟ أكانوا يستحقون القتل ، ام هو مجرد تمرين صعب صدف وان تحقق ؟ ام هو خلل في ذاتي كنت اهرب منه الى فعل كالقتل ؟ ام انني كنت اهرب من واقع لاخر كما يحدث لي بأحلامي ؟
لقد نجحت في قتلهم للابد . الاوغاد ، هذا مااعتقدته ، لكنني لم اتخلص من عيونهم ، فهي تأتيني في احلامي وتغزوني بيقظتي ، ولم استطع احتمالها رغم تقتي العالية بنفسي .!
يجيء الموت سريعا وخاطفا ، فكرت مندهشة بهذا الخاطر ، وكانت حياتي قد تحولت الى جحيم حقيقي ، ثم بثوان كالحلم ، امتدت يدي وسحبت الكرسي الي ، وقفت فوقه ، امسكت بحبل الاضاءة المتدلي واحكمته فوق عنقي ، وبحركة خاطفة مخطوفة من اي تردد ازحته بقدمي ، بدأ جسدي يتأرجح يمينا ويسار ، شهقت بعمق ، واغمضت عيني.
هكذا اكون بلا احلام تحرق ليلي بتلك العيون او باشتهاءات ناقصة او فائضة.
* قاصة فلسطينية تعيش في الاردن.
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"