عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 29 أيار 2021

قانون الخدمة المدنية وعدالة النوع الاجتماعي.. فجوة بين النصوص والواقع..وما زال النقاش مستمرًّا

استجابة للاتفاقات الدولية وتحطيمًا للقيود التقليدية وتعزيزًا للشفافية وتحقيقًا للتوازن المجتمعي وتكافؤ الفرص

رام الله - الحياة الجديدة- عبير البرغوثي - القوانين والتشريعات هي مرآة الدول وتعبير عن نضج مجتمعاتها حضاريًّا وثقافيًّا وانسانيًّا وفي كل المجالات، ولذا تسعى الحكومات لتجديد بنيتها القانونية والتشريعية لمواكبة تطور مجتمعاتها داخليًّا والاستفادة من تجاربها الخاصة وكذلك تجارب غيرها من الدول والمجتمعات، هذه هي ديناميكية الدول المواكبة للتقدم والتطور والتغيير، مقابل جمود تعانيه الدول التي تتحول فيها القوانين والتشريعات لأصنام جامدة تعكس ما مضى من حياتها وتتخلف يومًا بعد يوم عن مواكبة روح العصر الحديث بكافة تغيراته وتنوع مكوناته واتساع وتشعب حقوق وواجبات الأفراد والفئات.

وفي هذا السياق يتفاعل المجتمع الفلسطيني كدولة ناشئة مع عديد العوامل المؤثرة على بنيته القانونية الناظمة لكافة مجالات الحياة في اطار من قوة الدفع اللازمة لمواكبة أحدث المستجدات لبناء منظومة من القوانين والتشريعات العصرية، وبناء هذه المنظومة ليس سهلاأو خطوة مباشرة بقدر ما هي انعكاس لتأثير قوى ومؤسسات ومصالح لها قوتها في تكوين المحتوى والاتجاه الذي ستذهب اليه تلك القوانين.

ولعل واحدًا من المواضيع الساخنة هذه الأيام يتمثل بالنقاشات الدائرة حول موضوع "مشروع قانون الخدمة المدنية 2020"، وفي القلب من جوانب الاهتمام بتحديثات ومحتوى النسخة الجديدة هو مدى حساسية مشروع القانون لموضوع متطلبات الموازنة للنوع الاجتماعي وخاصة قضايا عمل المرأة وحقوقها ومساواتها مع الرجل توظيفًا وترقية وبناءً للقدرات، فقد شكل انضمام فلسطينالى مجموعة من المعاهدات والمواثيق الدوليةومنها اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)،وما ترتب عليها من التزامات تتطلب من دولة فلسطين الوفاء بها من خلال مواءمة تشريعاتها مع هذه الالتزامات والمواثيق بشكل شفاف، سواء بالتعديل او التحديث أو إعداد قوانين جديدة، وقياس مدى حساسيتها لموضوع النوع الاجتماعي ومحاربتها لكافة أشكال التمييز أو التهميش لدور ومكانة وحقوق المرأة، كلها مهام تتطلب وقفة مهمة من كافة الجهات ذات العلاقة للأخذ بها قبل الاعلان عن اختتام أعمال تجديد بنيتنا القانونية والتشريعية.

 

حجم مشاركة المرأة في الوظيفة العامة يقتضي حماية فرصها في التطور

يمثل القطاع العام الفلسطيني مساحة وأهمية تشغيلية استراتيجية على مستوى سوق العمل الفلسطيني، خاصة أن هذا القطاع يشغل ما يقارب من 85 ألف موظف، وتتوزع قوته العاملة بواقع 45% من الاناث مقابل 55% من الذكور وفقًا لبيانات الجهات الرسمية، الا ان هذه النسبة تختلف كلما اتجهنا لتفصيلات أكثر، حيث ترتفع هذه النسبة في بعض القطاعات، خاصة في قطاعي الصحة والتربية والتعليم، وكذلك تتضح الفوارق بين النساء والرجال ضمن هذا القطاع على مستوى التوزيع حسب المناصب والوصول لمواقع قيادية أو وظيفية عليا، حيث تتركز أغلبية النساء في الوظائف الدنيا والوظائف ذات المهام الخدمية المساندة وهذا ما يفسر تركز النساء في قطاعي التعليم والصحة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وهذا تكريس للتوزيع النمطي القائم على عدم العدالة لأدوار الاناث والذكور في سوق العمل.

في هذا السياق يؤكدفتحي خضرالوكيل المساعد للإدارات المتخصصة - ديوان الموظفين العام "ان ديوان الموظفين العام يحرص دائمًا على تطبيق ما جاء في القانون الأساسي وقانون الخدمة المدنية فيما يتعلق بتكافؤ الفرص والشفافية بكافة إجراءات التعيين والترقية، إضافة لذلك الوقوف الى جانب الفئات التي تحتاج اهتمامًا خاصًا لا سيما ذوي الإعاقة والمرأة، مع أن المرأة في الحالة الفلسطينية تتمتع بالعديد من القدرات والمهارات والمؤهلات التي تمكنها من المنافسة لتقلد الوظائف والمناصب العامة بجدارتها دون منحها أي افضلية، بخلاف من يشغلن الفئة العليا".

ويضيف خضر:"تمكين المرأة في الإدارة العامة يتضح من خلال نسبة الموظفات في الخدمة المدنية الى المجموع العام من موظفي الخدمة المدنية، مع تباين على مستوى التوزيع في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، حيث بلغ عدد موظفي الخدمة المدنية في فلسطين 85044 في عام 2020، منهم 38504 من الاناث و46541 من الذكور، وكانت نسبة الإناث في الخدمة المدنية  نحو 41.3% عام 2013 وارتفعت الى 45.3% عام 2020 (49.7%، في الضفة الغربية مقابل 32.9% في قطاع غزة).

كما تشكل الاناث في الضفة الغربية النسب التالية من الفئات الوظيفية، العليا 15.3%، الأولى 29.4%، الثانية 54.2%، الثالثة 55.7%، وفي قطاع غزة "المحافظات الجنوبية" تشكل النساء النسب التالية بالفئات الوظيفية، العليا 5%، الأولى 19.9%، الثانية 38.2%، الثالثة 40.5%".

"ورغم الاختلاف ما بين نسبة مشاركة المرأة في الخدمة المدنية ما بين المحافظات الشمالية "الضفة الغربية" والمحافظات الجنوبية "قطاع غزة"، الا انه لا يوجد أي تفضيل للذكور على الاناث في تقلد الوظائف العامة والمناصب العامة، حيث نص القانون الأساسي في المادة 26 بند 4 على"تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص"، والامر كذلك بالنسبة لقانون الخدمة المدنية الحالي والمقترح، وبالتالي لا تمييز إيجابيا او خلاف ذلك ما بين الرجل والمرأة في التعيين او الترقية او الابتعاث او الإعارة والندب، وأي حقوق أخرى نص عليها قانون الخدمة الحالي او مسودة قانون الخدمة الجديد، بل تم تعديل بعض البنود لإنصاف المرأة، ومثال ذلك تعديل إجازة الامومة لتصبح 90 يومًا بدل 70، ومنح المرأة إجازة عند الإجهاض بمدد تتناسب وفترة الحمل، كما تم اعتماد ساعة الرضاعة ولمدة سنة من تاريخ نهاية إجازة الامومة، وليس كما هو النص الحالي من تاريخ ولادة المولود أي من بداية إجازة الامومة" يقول خضر .

 

القوانين والتشريعات أدوات لتنظيم الحياة وليست للعبادة

تسعى الحكومات للوصول لما بات يطلق عليه "دولة أو سيادة القانون" باعتبار ذلك من أسس الاستقرار والتقدم وصورة للنزاهة والشفافية في توزيع الحقوق والواجبات بين كافة مكونات المجتمع، واستحوذ الاهتمام بمدى حساسية وقابلية القوانين والتشريعات القائمة لموضوع النوع الاجتماعي اهتمامًا متزايدًا وربما صراعًا بين قوى تسعى للسير للخلف وقوى تسعى للتطوير والمضي قدمًا، لأن القانون وضع لخدمة الانسان، وليس القانون صنمًا يعبده الانسان.

خلال هذه الايام تقوم الجهات المعنية بقضايا المرأة والنوع الاجتماعي بحراك ونقاش واسع لمشروع قانون الخدمة المدنية وآفاق تحديثه بما يراعي تحقيق التوازن والعدالة ومبدأ اتاحة الفرص المتساوية لكافة الافراد للانخراط في سوق العمل، ووضع الإجراءات الناظمة لعمل الأفراد في مختلف القطاعات، ومحاربة التمييز على أساس الجنس مهما كانت مبرراته، وتقديم تعديلات ونصوص للنسخة المحدثة من القانون لعلاج النصوص والقيود المتوارثة المفروضة بالنص أو الفهم الخاطئ لعملها ودورها على مستوى الوصول والترقية والمساواة في الوظيفة العامة.

في هذا الجانب، تؤكدرندة سنيورة/ مديرة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي "أنمراجعة مسودة القانون الخاص بالخدمة المدنية تأتي انطلاقًا من حرص المؤسسات المعنية بقضايا المرأة والجندرعلى التأثير بالسياسات العامة وتقديم المقترحات لصناع القرار والمشرعين للتعديلات المقترحة. علمًا أن هذا القانون يمس شريحة واسعة من النساء اللواتي يعملن في سوق العمل الفلسطيني، وبالتالي ينعكس على منظومة الحقوق والمكتسبات التي تحصل عليها المرأة في تقلد الوظيفة العمومية، وبدوره ينعكس على مكانة ودور المرأة في مراكز صنع القرار والحياة العامة بشكل عام، وفي إطار الأسرة بشكل خاص".

في ذات السياق تقول سنيورة: "بالإجمال فإن نتائج دراستنا ومراجعتنا لمسودة القانونأشارت الى أن القانون عمومًا لا يتضمن أية نصوص تمييزية ضد النساء أولا، وهذا من وجهة نظرنا يتناقض مع نتائج الأرقام والاحصائيات حول وجود النساء في مراكز صنع القرار في القطاع العام، ونحن نرى أن أهمية القانون تكمن في إطار تعزيز المساواة بين الذكور والاناث، وهو ما التزمت به دولة فلسطين عند انضمامها إلى اتفاقية  القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" عام 2014،لكن وجدنا أن مخرجات قانون الخدمة المدنية لم تكن متوافقة مع رؤية المساواة وعدم التمييز|، وهذا الجهد من المركز متوافق مع ذات الجهد في قوانين وأنظمة عديدة بينت على مدار سنوات انها شكلت تربة خصبة لتعزيز التمييز ضد النساء وترسيخ الثقافة التقليدية القائمة كقانون العقوبات والاحوال الشخصية وفي مجال حماية الاسرة من العنف وغيرها من الأنظمة والقوانين التي شكلت على الدوام تأطير التمييز في شكل قانوني أتاح لمرتكبي التمييز والعنف ضد النساء للإفلات من أي محاسبة وعقاب".

وتضيف: "وبالرغم من عدم وجود تمييز مباشر في متن بنود مسودة القانون، إلا أن غياب تعريف واضح للتمييز على أساس الجنس وعدم تضمين القانون نصوصًا تتيح المجال للتمييز الايجابي لصالح النساء لجسر الهوة التاريخية في وصول النساء إلى المناصب العليا، وإتاحة المجال للترقي والتقدم آخذين بعين الاعتبار المعيقات الاجتماعية والثقافية أو خصوصية وضعية المرأة بالارتباط بدورها الانجابي، يعتبر شكلاً من أشكال التمييز غير المباشر ضد النساء ومعيقًا فعليًّا أمام تقلدها للمناصب العامة والترقي في الوظيفة العمومية. وبالرغم من مراعاة بعض البنود للدور الانجابي للمرأة، إلا أن عدم تضمين تدابير انجابية وربط الترقي بدورات تدريبية معينة أو الابتعاث في مهام محددة قد يكون في أحيان كثيرة معوقا أمامها لتقلد المناصب العليا بسبب مسؤولياتها في إطار الأسرة ودورها الانجابي".

وحول طبيعة مخرجات قانون الخدمة المدنية المطلوبة التي تضمن إقرار قانون لا يحتوي على أي تمييز ضد النساء، أكدت سنيورة "أن المركز سلط الضوء على موضوع مشروع قانون الخدمة المدنية بناء على المعطيات والاحصائيات المتوفرة حول هذا القطاع في فلسطين، اذ انه يعمل في القطاع ما يقارب 85 ألف موظف وموظفة، لكن الأرقام التفصيلية للعاملين في القطاع بينت ان ما يقارب 45% من العاملين فيه هن من الاناث مقابل 55% من الذكور، وما يلفت الانتباه ان نسبة النساء في مراكز صنع القرار في هذا القطاع لا تتعدى15% في أحسن الأحوال، وهذا من شأنه أن يطرح أسئلة عديدة عن الأسباب، وهذا ما قام به المركز خلال دراسته حول مشروع قانون الخدمة المدنية".

 

تحديث قانون الخدمة المدنية ضرورة لتعزيز حماية المرأة العاملة في قطاع استراتيجي

اعلان فلسطين عن التزامها باتفاقية "سيداو" والتزامها ايضًا بأهداف التنمية المستدامة 2030 وهدفها الخامس الذي أكد على موضوع المساواة بين الجنسين في مختلف المجالات ومن ضمنها فرص العمل وتوفير بيئة آمنة لعمل النساء، خاصة أن التجارب الدولية أظهرت ان مكان العمل هو من الأماكن التي تتعرض فيها المرأة لانتهاك حقوقها على نحو كبير، ولذلك فإن قانون الخدمة المدنية يتطلب الأخذ بعين الاعتبار نتائج كافة الدراسات والمؤشرات الاحصائية الرسمية التي تعكس واقع وتحديات عمل المرأة في القطاع العام، ومتطلبات محاربة انتهاك حقوقها في الوظيفة العمومية.

في هذا السياق يقول أمين عاصي مدير عام التخطيط والسياسات - وزارة شؤون المرأة:"يعتبر قانون الخدمة المدنية من أهم القوانين التي تنظم عمل موظفي الدوائر الحكومية لكلا الجنسين في كافة خطوات عمليات التوظيف والعمل، ابتداءً من التعيين مرورًا بالترقيات والحوافز، والإجازات، وصولاً الى العقوبات، وبالإشارة الى قضايا التمييز فإن هناك بعض قضايا التمييز وان كانت غير ظاهرة فإنها مؤثرة، وتتمثل تلك القضايا في إجازة الامومة، وهي خاصة بالنساء ومدتها 70 يومًا وهي قضية تمييزية عن التوجه العام لسياسة المساواة بين الجنسين التي يجب أن تكون (14) اسبوعًا لتحقق الدولة نقطة ايجابية عند مقارنتها بالدول، إضافة الى نقطة تمييزية أخرى وهي عدم حصول الرجل على اجازة أبوة والمقرة في العديد من الدول، لوقوف الرجل بجانب زوجته عند الولادة، كما انه لا يوجد اقرار لإجازة الوالدية، وهي اجازة مخصصة لكل من الرجل والمرأة لرعاية الطفل "من عمر يوم وحتى ستة أشهر".

ويضيف عاصي: "يحصل الرجل على علاوة الابناء بينما لا تحصل المرأة على تلك العلاوة، وهذه نقطة تمييزية أخرى باعتبار ان المرأة هي ليست ربة بيت وانما تابع للرجل، وفي كثير من الاحيان يكون زوج الموظفة عاطلا عن العمل، وبالتالي من المهم ان يتم التعامل مع هذه العلاوة باعتبارها حقًّا للمرأة، وليس فقط مجرد ضمان اجتماعي، كما أن المرأة المتزوجة وزوجها لا يعمل في القطاع الحكومي تحصل على علاوة زوج، بينما المرأة المتزوجة وزوجها يعمل في القطاع الحكومي لا تحصل على علاوة زوج وبالتالي هذه قضية تمييزية بين النساء انفسهن داخل الوظيفة الواحدة وهذا يجب ان يتغير على الفور لأنه من الممكن ان زوج الموظفة الذي يعمل في قطاع آخر لديه دخل اعلى بكثير من عمله في الحكومة".

"في بعض الأحيان يتم تشكيل تحقيق للعاملات في الحكومة بعيدًا عن القانون، وهنا يتم استغلال حالة ان النساء لا تعرف القانون في تلك الحالات. وهذا حدث في بعض الدوائر الحكومية" يقول عاصي .

وبخصوص  مخرجات قانون الخدمة المدنية المطلوبة التي تضمن اقرار قانون لا يحتوي على أي تمييز ضد النساء، يؤكد عاصي: "في ظل الثقافة التقليدية التي تعتبر المرأة تابعًا للرجل فإن هناك حالة من الانعكاس الثقافي على الواقع الوظيفي التي من المهم أن يقوم القانون الجديد بالتغلب عليها، وهي ان يتم الأخذ بعين الاعتبار ان المرأة أم ولديها اطفال وبالتالي يجب ان يكون هنا نص يسمح للأم الموظفة ولديها اطفال ان تأخذهم معها في البعثات الخارجية على سبيل المثال،كما من المهم أن يكون هناك اجازة ابوة واجازة والدية تسمح برعاية الأم وطفلها، الى جانب منح الموظفات وأزواجهن في الحكومة علاوة زوج أسوة بباقي النساء الموظفات ومنح علاوة الابناء للمرأة باعتبارها حقًّا لها، اضافة الى منح المرأة المتزوجة من موظف الحكومة نسخة ثانية من التأمين الحكومي، مع التأكيد على ان يتم تشكيل لجان التحقيق على أي تجاوز ترتكبه الموظفة من خلال محكمة مختصة".

 

هل يمكن التفكير في "كوتا" تراعي النوع الاجتماعي في صنع القرار؟

مراجعة القوانين تشكل رزمة متكاملة، كونها تترك أثرًا مباشرًا على القيود او الحوافز قبل دخول النساء للعمل وخلال وجودهن في العمل، فوجود شروط تعيق دخول المرأة أو التنافس للدخول للوظيفة العامة تشكل نقطة مهمة لتعديل للنصوص ذات العلاقة، سواء بتعريف واضح ومحدد للنوع الاجتماعي ودوره وأهمية الموازنة والحساسية العالية للقوانين للنوع الاجتماعي بما يحفظ حقوق المرأة للتنافس العادل على فرص التوظيف في القطاع العام، مرورًا بالمواد والنصوص المتعلقة بانشاء ودور وحدات النوع الاجتماعي من حيث المهام والصلاحيات، الموقع والدور في سلم الهرم الوظيفي، دورها في التخطيط الاستراتيجي وبناء الموازنات التي تعكس عدالة التوزيع، ومراجعة ومحاربة القوانين ومراقبة جهود القضاء على التمييز ضد النساء في الوظيفة العامة، وصولاً لبناء خطة شاملة على مستوى الموارد البشرية من حيث التوظيف والترقية وبناء القدرات بدون تمييز مبني على النوع الاجتماعي، لأن ذلك يضمن المساواة والتمثيل العادل لاحقاً في دوائر صنع القرار سواء بالنمو الطبيعي او من خلال كوتا ايجابية تساند النساء.

لأن مشاركة النساء في مواقع صنع القرار ما زالت محدودة مقارنة مع الرجال، فوفق البيانات الرسمية مثلت النساء نحو5% من أعضاء المجلس المركزي، و11% من أعضاء المجلس الوطني، و14% من أعضاء مجلس الوزراء وبلغت نسبة السفيرات الفاعلات في السلك الدبلوماسي نحو 11%اضافة لذلك هناك امراة واحدة تشغل منصب محافظ وهي محافظ رام الله والبيرة من أصل 16 محافظًا، فيما تبلغ نسبة النساء الحاصلات على درجة مدير عام فأعلى نحو 13% مقابل 87% للرجال الأمر الذي يكشف مدى الفجوة القائمة في المناصب العليا من منظور النوع الاجتماعي، سواء استندت تلك الفجوة لنصوص قانونية او فهم او ممارسة خاطئة للقوانين، فكل ذلك يتطلب وقفة مراجعة لكافة الاسباب لوضع العلاج لها.

في هذا السياق يقول داود الديك/ وكيل وزارة التنمية الاجتماعية: "التعديلات التي تم طرحها من ديوان الموظفين على مسودة قانون الخدمة المدنية تعديلات مهمة وترتقي بقطاع الخدمة المدنية وتحدث به نقلة نوعية على طريق الوصول الى قانون عصري يتماشى مع التطور في الادارة العامة والخدمة المدنية، لكن من ناحية حساسية القانون للنوع الاجتماعي، لا تزال هنالك ثغرات ونواقص في هذا المجال، خصوصا بالمقارنة مع التزامات دولة فلسطين بالاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، مثل اتفاقية سيداو، وغيرها".

ويضيف الديك : "على الرغم من أن القانون أكد على المساواة وعدم التمييز في الوظيفة العامة وهذا مهم، إلا أنه لم يتطرق الى حظر التمييز على اساس النوع الاجتماعي، ولم يتطرق الى التمييز الايجابي لصالح النساء في التعيينات او الترقيات أو التدريب، مثل تحديد كوتا في التعيينات والترقيات وتقلد المناصب العليا، كما لم يهتم القانون في مجال إجراءات الابتعاث والتدريب والمهمات بأي معاملة تفضيلية للمرأة في الحصول على فرص الابتعاث والتدريب والمهمات بغية تزويدها بالمهارات والمعلومات والمعرفة اللازمة للمنافسة في مجال العمل والترقية. من جهة اخرى لم يتطرق القانون الى حظر التمييز ولم يتطرق الى عقوبة التمييز في حال وُجد.من جهة اخرى لم يتطرق القانون الى التحرش ضد النساء بشكل واضح وجلي، ولا الى العقوبات في حال ثبت ذلك، كما لم يراع القانون الصحة الانجابية للموظفات سواء من حيث الاجازات أو من حيث خلق بيئة مساندة للحوامل والمرضعات، ولم يتطرق القانون الى أية تدابير لتشجيع توفير الخدمات الاجتماعية المساندة اللازمة لتمكين الوالدين من الجمع بين الالتزامات العائلية وبين مسؤوليات العمل والمشاركة في الحياة العامة، ولا سيما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال".

"وبالتالي لا نرى أن القانون يميّز ضد النساء لكنه لا يتعامل بحساسية ولا بتمييز ايجابي لصالح النساء،كما انه لم يخلق بيئة قانونية رادعة لحظر التمييز ضد النساء صحيح أنه ركز على المساواة لكنه لم يركز على عدم التمييز. كما وضع معايير وقواعد موحدة للجنسين لكنه لم يأخذ بعين الاعتبار وضع النساء والمعيقات التي تعترض طريقها وخصوصا التمييز الاجتماعي وتحمل عبء الامومة والرعاية الاجتماعية بالإضافة الى واجبات ومسؤوليات الوظيفة فالقانون لا يزال بحاجة الى تطوير وتحسين في هذه المجالات " يقول الديك .

 

تطوير القوانين عملية ديمقراطية للمجتمع وليست مواجهة بين النساء والرجال

صحة القطاع العام وشفافية الوظيفة العامة أساس لتطوير دور القطاع العام في حياة المجتمع وتفعيل لدوره الاقتصادي واطلاق لقدراته الانتاجية، فالقطاع العام رئة لحياة المجتمع والاقتصاد الفلسطيني، ولذلك فإن المراجعة الواعية لأسس إشغال الوظيفة العمومية وتنظيم العلاقات والأدوار والمسؤوليات والحقوق والواجبات، ومأسسة ذلك وفق صيغة لقانون عصري معدل يحارب التمييز ويقضي على جذوره التي تقود لانتهاك حقوق اي من مكوناته، يشكل عنصرًا مهمًّا للتنمية والتقدم لبناء الدولة وتطوير قدراتها واستثمار مواردها، وفي القلب منها مراجعة كافة المواد المتعلقة بتوظيف وتشغيل النساء في القطاع العام باعتبارها شريكًا كاملا المواصفات وليست مجرد خدمة مساندة لعمل الرجال.

في هذا السياق،يؤكد القاضي الدكتور أحمد الأشقر/ القائم بالمراجعة القانونية لمسودة القانون: "أن مشروع القانون الجديد لم يفرض تمييزًا جديدًا ضد المرأة، واذا لم ينص على معاملة تفضيلية للمرأة باعتبار ذلك تمييزًا ايجابيًّا مقبولاً ضمن المعايير الدولية، فهذا يشكل بحد ذاته انتقاصًا من الدور المطلوب من أجهزة الدولة لتنفيذ التزاماتها الدولية بمقتضى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليها من قبل دولة فلسطين، حيث تم العمل على اضافة وتعديل أكثر من 18 مقترحًا تشريعيًّا على مسودة القانون". 

ويضيف الاشقر: "أن من أهم مخرجات قانون الخدمة المدنية المطلوبة التي تضمن إقرار قانون لا يحتوي على أي تمييز ضد النساء، هو إضافة  فقرة على المادة 3 من مشروع القانون تنص على ما يلي: "يحظر التمييز ضد المرأة بأي شكل من الأشكال في شغل الوظيفة العمومية أو الترقية فيها، ويعتبر التمييز الواقع ضد المرأة مخالفة مسلكية من قبل مرتكبه تستوجب العقوبة التأديبية وفقاً لأحكام هذا القانون".

 

تطوير القوانين عملية متواصلة لمواكبة مستجدات يفرضها النمو والتغيير

تطوير القوانين ليس مجرد خطوة ليوم او مناسبة واحدة، انها عملية متواصلة تتطلب وضع آلية للحفاظ على حداثة القوانين واللوائح التنفيذية التي تعزز شفافية القطاع العام وعدالة الوظيفة العمومية وحساسيتها للنوع الاجتماعي في كل المناسبات والمجالات، هي عملية متواصلة في إتاحة النساء للوصول والمنافسة العادلة منذ اليوم الاول، وهي قوانين وتشريعات تحارب التمييز في الحقوق والواجبات، وهي لوائح تنفيذية تأخذ بعين الاعتبار المساندة الايجابية لإتاحة الأفق للمرأة الفلسطينية للمشاركة والوصول لمراكز القرار، وهي آلية تحارب التمييز في الاجور وتجرم انتهاك حقوق المرأة.

تطوير القوانين ليس حربًا على القطاع العام بل جهد مشترك ومسؤول للارتقاء بأداء النساء في القطاع العام بما يعزز تنافسية القطاع العام من حيث الأداء والمساواة والعدالة بين كافة مكوناته، وتمكينه من اكتشاف قدرات العاملين ذكورًا واناثًا ووضعها في إطار متكامل لا متنافس على مستوى النوع الاجتماعي، انه تطوير لدور المرأة وحمايتها قانونيًّا لتقديم مساهمتها وواجبها في الوظيفة العامة، لأن المسار الوظيفي للمرأة في الوظيفة العامة ليس تقديم الخدمات المساندة والمساعدة الادارية لادارة المكتب، بل هو طاقة انتاجية وادارية مبدعة اذا توفرت البيئة  القانونية والتشريعية الداعمة لذلك، وهذا يتطلب تطويرًا خلاقًا للقوانين واللوائح التي تنظم الوظيفة العمومية في ظل الحراك المسؤول لتحديث قانون الخدمة المدنية الفلسطينية الجديد.