رحل حارس الأرض.. وصمدت دولته

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- ظل المنزل قابعا على جبهة الألم لسنوات طوال، يصر أهله على البقاء رغم القمع الذي بلغ من التراكمات عتيا، وينتزع قاطنو البيت قدرة هائلة على الصبر والثبات مصدرها "كوشان" يثبت أن المكان فلسطينيا كان وسيبقى.
لا شيء في الأفق سوى ثمانية أمتار من القهر المتراكم على شكل جدار خرساني، يحجب الرؤية والعبور إلى المكان، وأمل بأن تشاهد عائلة هاني عامر ذات يوم جدارا يريد أن ينقض، فلا أحد يقيمه، بل يجهز على ما بقي منه، لتعود الرؤية ويتسع الأفق، وتظل في المكان صورة فلسطينية لا يلوثها مشهد استيطاني أو استعماري.
رحل المواطن هاني عامر ابن بلدة مسحة في محافظة سلفيت، ترك دروسا في الصمود وتحدي قرارات الاحتلال، وقبل لنفسه أن يكون محاصرا في أرضه وبيته ولا يعبر إلا من وراء سياج وأقفال ما أكثر عددها، على أن يفرط في أرضه. قائلا ذات يوم للاحتلال "يمكنكم أن تقتلوني لكن لن تأخذوا بيتي".
هي رسالة أكدها اسحاق عامر نجل الراحل في حديثه لـ "الحياة الجديدة"، والذي يرى في والده قدوة يمكن لكل فلسطيني في الثبات على الأرص والصمود.
وأضاف اسحاق "كان والدنا يعطينا الدروس يوميا في الثبات والصمود، لن نحيد عن هذا النهج وسوف نتمسك ببيتنا مهما كان الثمن".
وذاع صيت هاني عامر بعدما شرعت سلطات الاحتلال في بناء جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية والقدس المحتلة في العام 2002، ووفق مخطط الاحتلال فإن جدار الفصل كان سيمر فوق منزل عامر، الذي خاض صراعا وتحديا مع الاحتلال وساندته جميعات حقوقية، ليرضخ الاحتلال في نهاية المطاف ويضطر لتعديل مسار الجدار، لكن الحقد الاحتلالي تواصل وفي محاولة لممارسة المزيد من الضغوط على المواطن هاني عامر، جاء القرار بأن يتم بناء جدار الفصل أمام المنزل وجعل عائلة عامر خلف الجدار.
"أهلا بكم في دولة هاني عامر"، عبارة تتندر بها عائلة عامر تجاه مضايقات الاحتلال المتواصلة منذ عقود، كُتبت تلك العبارة على جدار التوسع العنصري، بعدما عاشت طقوسا لا حصر لها من العذاب، واستمرار محاولات الاحتلال لإجبار العائلة على مغادرة المكان، لكن هاني عامر الذي رحل عن عالمنا أمس الأول، كان يصر على مزيد من التحدي والثبات تاركا ذات الرسالة لأبنائه وزوجته بأن البيت فلسطيني وسيظل كذلك، ووصيته عدم التفريط أو التنازل أمام كل محاولات الاحتلال بالترهيب أو الترغيب.
عاشت عائلة عامر طقوسا لا حصر لها من العذاب، وخاضت صراعات مريرة للثبات في المنزل، فبعد إقامة جدار التوسع والضم العنصري، تم السماح للعائلة بالمرور عبر بوابة حديدية يتم فتحها لمدة 15 دقيقة كل يوم، وواصل هاني وأبناؤه النضال ونجحوا في الحصول على مفتاح لبوابة صغيرة لكن قرار الاحتلال ظل مشروطا بأن لا يستقبل عامر أحدا في بيته، وبعد 7 سنوات حصل عامر نتيجة إصراره ونضاله على قرار يسمح له باستقبال الضيوف.
ظل الراحل هاني عامر يرفض ما يحاول الاحتلال ترسخيه بأن القاطنين بجانبه هم "جيرانه" وكان يصر على تسميتهم باسمهم الحقيقي وهو مستوطنون مغتصبون للأرض.
كان منزل هاني على بعد أمتار من مستوطني مستوطنة "القنا" المقامة على أراضي بلدة مسحة، واستغل الاحتلال البيوت الاستيطانية لتركيب كاميرات مراقبة ومعرفة كل ما يجري في محيط منزل عامر، ومن يزوره ويتضامن معه ومن يخرج من عنده.
ويرى محافظ سلفيت اللواء عبد الله كميل في حديث مع "الحياة الجديدة" أن هاني عامر "أبو نضال" شكل حالة متقدمة جدا في صموده وولائه لفلسطين وعناده في سبيل الدفاع عن حقه، الذي لم يكن ينظر إليه بصورة فردية وإنما حق فلسطيني خالص لا يمكن أن يتنازل عنه بأي حال للاحتلال.
وقال كميل "كان هاني رحمه الله، شوكة دائمة في حلق المستوطنين، وتعرض للكثير من المضايقات والضرب بالحجارة والتهديد لحياته، لكن كان رده دوما بالمزيد من الصمود والتحدي للاحتلال وقطعان المستوطنين".
ونوه كميل إلى أن عامر كان يخوض صراعا مع المحتل على أكثر من جبهة، فقد جابه المحتل في المحاكم وظل حتى النفس الأخير صامدا وعزز صموده ونقله لأبنائه، مؤكدا أن هذا البيت سيظل فلسطينيا مهما طال الزمن.
وأوضح اللواء كميل أن بيت هاني عامر هو سجن بمعنى الكلمة، محاط بالأسلاك الشائكة ويخضع لمراقبة دائمة، وكل ذلك كان يعطيه المزيد من الصمود والتحدي مضيفا " هذا نموذج يجب دعمه بكل الإمكانيات المتاحة على الصعيد المعنوي والإعلامي والمادي، وهناك نماذج مماثلة لا بد من تسليط الضوء عليها، لتكن رسالة لكل مواطن في كيفية الحفاظ على الأرض وعدم التفريط بها مهما بلغ حجم التحديات".
مواضيع ذات صلة
غدا الخميس.. انطلاق أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح"
يتقدمهم سموتريتش: آلاف المستعمرين يقتحمون مقام يوسف بنابلس
الطقس: أجواء معتدلة في المناطق الجبلية وحارة في بقية المناطق
في الذكرى الـ78 للنكبة.. رام الله تتمسك بحق العودة وترفض مخططات الاقتلاع والتهجير
استمرار مأساة 25 ألف نازح في طولكرم
الاحتلال يخطر بالاستيلاء على منزل في السيلة الحارثية