أطفال غزة... وجع يومي يتكرر

غزة- الحياة الجديدة- عماد عبد الرحمن- منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يتكرر المشهد ذاته داخل كل بيت، فبمجرد دخول الليل يغرق القطاع في ظلام دامس إما لعجز كميات الكهرباء أو لتعطل شبكاتها وتدميرها بسبب القصف الإسرائيلي الهمجي، يذهب النوم ويحضر "البوم" في إشارة إلى طائرات الاحتلال ويعيش الأطفال سيناريوهات متشابهة من الرعب الليلي يفرضها عليهم القصف الإسرائيلي المتواصل.
داخل كل بيت في القطاع يعيش الأطفال نكبة يومية عاشها أجدادهم منذ أكثر من سبعين عاما وأحيوا ذكراها منذ أيام قليلة، ففي عام 1948 هجر الأجداد منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم بفعل عصابات القتل الصهيونية واليوم وفي كل ليلة من ليالي العدوان يهجر أطفال قطاع غزة فراشهم وألعابهم وأحلامهم بفعل طائرات الموت الإسرائيلية.
يخيم الليل على غزة وتخفت معه أصوات الأطفال داخل البيوت بعد أن كانت تملؤها ضحكاتهم وحكاياتهم وصخبهم ويسود صمت يسمع من خلاله فقط صوت دقات قلوبهم الصغيرة وأنفاسهم المتسارعة وهم متكورون فوق بعضهم البعض في ركن من أركان البيت يعتقدون وهماً أنه سيحميهم من حمم الصواريخ التي تسقطها طائرات الاحتلال الإسرائيلي فوق رؤوسهم، وأياديهم على آذانهم وعيونهم على عقارب الساعة بانتظار فجر يطول انتظاره.
في بيوت قطاع غزة يبيت الأطفال لياليهم مرتدين أحذيتهم عند باب البيت بجانب حقيبة الطوارئ التي تحوي وثائقهم وبعد المستلزمات الضرورية في رحلة هروبهم من الموت، أو تحت بيت السلم، ومنهم من يتحصن تحت الوسائد في أحد الأركان، مشاهد تتكرر يوميا لأطفال لا يستوعبون ماذا يحدث حولهم وآباء عاجزين أمامهم لا يستطيعون وضعهم في فراشهم وطمأنتهم أن هذا الكابوس سينتهي.
يعلو صوت نعيق غربان الموت في السماء ومعه صوت بكاء الأطفال الممزوج بأدعيتهم وابتهالاتهم، وتصيب أجسادهم الصغيرة رجفة لا تقوى أرجلهم معها على الحركة وتسري في أياديهم برودة تشعر بها أيادي آبائهم القابضة على أياديهم، وتتسع حدقاتهم وترتخي شفاههم ويتغير لون جلودهم.
يبدأ قصف جوي عنيف وبربري يعمي وهجه عيونهم ويصم صوته آذانهم وتزكم رائحة البارود ودخانه أنوفهم ويزيد ليلهم سوادا . ساعات متواصلة من القصف والصراخ والبكاء والدعاء والتشبث بذويهم الى أن يسود صمت طويل، يفيق المحظوظ منهم بعده في أحضان ذويه والبعض الآخر يجد نفسه وحيدا تحت ركام سقف بيته يبحث عن أمه وينادي عليها بألا تتركه وهو يسمع أنفاسها تحتضر تحت أحد أعمدة منزله ولا يستطيع الوصول لها، ومنهم من تجده يركض في الشوارع لا يعرف له وجهة يأوي إليها أو تتلقفه لتخفف عنه وتطمأنه أنه مازال على قيد الحياة، وآخرون يفيقون على أسرة المستشفيات وقد تبدلت ملابسهم بضمادات غطت أجسادهم وحيدون وسط معاطف بيضاء بوجوه غريبة لم يروها من قبل تربت على أكتافهم مبتسمة بحزن عليهم لطمأنتهم، وثلة منهم متشبثة بنعش ذويها يطلبون منهم عدم الاستعجال في الرحيل ويتمنون أن يمضوا معهم حيث وجهتهم، وفئة منهم تجدها مطمئنة راضية مرضية مبتسمة بجوار ربها في السماء.
مواضيع ذات صلة
جنين.. الاحتلال يواصل عدوانه ومخططات استيطانية جديدة
خوري ووكيل عام البطريركية اللاتينية في القدس يبحثان ملفات متعلقة بالأوقاف الكنسية
رئيس وزراء إسبانيا: لفلسطين حق الوجود مثل إسرائيل
سفارتنا لدى البرتغال تشارك في فعالية بجامعة بورتو لتعزيز التعاون التعليمي والبحثي
خمس إصابات غالبيتهم من الأطفال شمال قطاع غزة
تشييع جثمان الشهيد الطفل يوسف كعابنة إلى مثواه الأخير
إسرائيل تحتجز مسؤولًا أمميًا وتستجوبه بسب زيارته لغزة