عاجل

الرئيسية » منوعات » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 نيسان 2021

ما يقوله العلم حول العناق: لماذا نفتقده بشدة خلال الوباء؟

بقلم د. سوزانة والكر*

ترجمة: ايناس عيسى خاص بـ"الحياة الجديدة

" ما أفتقده بشدة هو عناقاتنا، عناق كبير مثل عناقي لوالدي" هذا ما قالته إحدى زميلاتي الربيع المنصرم في أحد اجتماعات الفريق الأسبوعية عن بعد، إن دراسة حاسة اللمس لها جاذبية تجمع أعضاء فريق البحث من علماء الأعصاب وعلماء النفس التجريبيين. وخلال الوباء بدأ الجميع بالحديث عن التلامس وعن تأثير فقدانه.

وبعد مضي اثني عشر شهرا ما زالت العناقات تشغل حيزا من تفكير الناس، وفي استبيان حديث صنف العناق في المرتبة الرابعة من بين ٣٠ شيئا يتطلع الناس للقيام به بعد انتهاء الحجر، يأتي مباشرة بعد زيارة المقربين والأصدقاء (الذين بدون أدنى شك سيعانقونهم) وتناول الطعام في المطاعم. إن الامتناع عن معانقة ولمس الأصدقاء وأفراد العائلة أثبت مدى صعوبته على الناس خلال السنة الماضية وأن رؤية وسماع صوت عزيز على تطبيق الزوم نادرا ما يكون كافيا. ولفهم السبب وراء رغبتنا الشديدة في عناق ولمس الآخرين نحتاج أن ننظر إلى تاريخنا التطوري والاجتماعي - أن ننظر إلى بشرتنا.

إن البشر يولدون عاجزين، من الولادة نعتمد على الآخرين لإطعامنا، وإبقائنا دافئين، ولإراحتنا عند الشعور بالحزن. وكسائرالثدييات، فإننا ميالون بالفطرة للبحث عن التواصل الجسدي لنأمن بقائنا. يلعب التلامس دورا أساسيا في تفاعلات التنشئة المبكرة. إن تلامس بشرة الأم مع مولودها يساهم في تنظيم معدلات النبض والتنفس لديه، ويخفف مستويات هرمون التوتر، ويعزز النمو ويشكل تطور الدماغ.

وكلما كان إعطاء هذه الرعاية الأولية حساسا وبدقة، كلما كانت الفوائد أفضل لصحة الطفل في المستقبل.  إن التلامس يرسل إشارات للمولود على أن الدعم موجود وأنه بآمان. ومع تقدمنا بالعمر، فإن التلامس يلعب دورا مهما في تشكيل علاقاتنا الاجتماعية والمحافظة عليها. فعند الشعور بالحزن نعود إلى تجاربنا السابقة في التلامس ونعتمد على الدعم غير اللفظي مثل إمساك الأيدي، والعناق، والمداعبة.

وتكمن الفوائد المريحة والمجزية للتلامس في بشرتنا، التي تمتلئ بالمستقبلات الحسية التي تعلمنا عن ما يحدث على سطح أجسادنا، عندما تهبط حشرة على أنفنا نشعر بالحكة، وعندما نحرك إصبع قدمنا، وعندما نشعر بدفء الشمس، وعندما يقوم أحد بقرصنا. إن هذه الإشارات تجتمع في دماغنا إلى جانب المعلومات السياقية، مثل كيف نشعر عند العناق ومن نعانق، لكي تخلق لدينا أحاسيس ممتعة ومجزية كثير منا يرغب بها في الوقت الحالي.

وإلى وقت ليس ببعيد، ركز علماء الأحياء العصبية الذين يدرسون حاسة اللمس على الأعصاب الحسية التي تسمح لنا بتتبع واستكشاف الأسطح، والأنسجة، والأشياء. ووجد أن هذه المستقبلات الحسية متواجدة بكثافة في بشرة اليدين والأصابع والتي ترسل الإشارات سريعا إلى مناطق الدماغ التي تعالج أوجه اللمس. ولكن أصبح الباحثون حاليا مهتمون بشكل متزايد بمجموعة ثانوية من الأعصاب الحساسة للمس في مناطق أساسية في الجسم مثل الظهر والتي اكتشفت حديثا.

وهذا النوع الثاني من المستقبلات الحسية يرسل الإشارات إلى مناطق في الدماغ تتعامل مع المعالجة العاطفية، وهم أكثر استجابة لحرارة البشرة وللمس بضربات ناعمة. وتجد الدراسات المبنية على المشاهدة انه عندما يطلب من الناس لمس صغارهم أو شركائهم العاطفيين فإنهم يربتون بشكل عفوي بسرعة بطيئة وهذا هو الشكل الذي تفضله هذه المستقبلات الحسية، وهذا النوع من اللمس يدرك على أنه ممتع إذ يهدئ ويخفف علينا نفسيا ويقلل مستوى نبضات القلب والتخفيف من آثار الإجهاد.

وعند استثارتها فإن هذه الأعصاب ترسل إشارات من خلال العمود الفقري إلى الدماغ حيث تفرز نسقا من المواد الكيميائية العصبية، وأحد أكثر هذه المواد ملاحظة هو الأوكسيتوسين وهو هرمون يفرز عندما يستثار الجلد بكثافة منخفضة كما يحدث في العناق، ومن المعروف أن الأوكسيتوسين يلعب دور مهما في الترابط الاجتماعي ويخفض من مستويات الإجهاد ويرفع من مستوى تحمل الألم.

إن إفراز الأوكسيتوسين خلال التفاعل الاجتماعي يعتمد على السياق: فقط في حالة كان العناق مرغوبا به تكون النتائج المريحة والممتعة، عندما يكون التلامس مرغوبا به ستكون النتائج مشتركة بين الطرفين. وبشكل ملحوظ، هذين الطرفين ليس بالضرورة أن يكونا بشرين، فترتفع مستويات الأوكسيتوسين عند كل من الكلب وصاحبه عندما يداعب الكلب ويربت عليه، وهذا يفسر سبب ارتفاع نسبة امتلاك الحيوانات الأليفة خلال الحجر الصحي عندما كان الناس يتوقون للتلامس.

خلال السنة الماضية، كان لقيود كوفيد أثر سلبي كبير على صحة العديد من الناس مسببا الشعور بالوحدة والإجهاد، وفي نفس الوقت كان علينا أن نكبح فطرتنا الطبيعية، التي تبرمجت خلال ملايين السنين من التطور، في استخدام التلامس للتهدئة والتخفيف وإظهار اهتمامنا، ومع فك الحجر فإننا سرعان ما سنبدأ بإظهار السلوكيات التي نميل إلى مشاركتها، ولكن ربما الآن سنولي لها قيمة أكبر من الماضي.

*قارئة في علم الأعصاب السلوكي في جامعة ليفربول جون موريس.

نقلا عن "الغارديان"