كفر عقب.. مستقبل مجهول بعد الإعلان عن توجهات إسرائيلية لسحب هويات مقدسيين
السياسات العنصرية للاحتلال أخرجت 120 ألف مقدسي خلف الجدار

الحياة الجديدة - عيسى الشرباتي - يعلو ضجيج السيارات والمركبات المختلفة خلف جدار الفصل عند حاجز قلنديا العسكري، فبوابة القدس الشمالية والتي لا تشير أي لافتة اليها، تعتبر اليوم من أكثر المناطق نشاطا وضجيجا..هي بلدة كفر عقب المقدسية التي وجد عشرات الآلاف من المقدسيين وغيرهم من الفلسطينيين مركزا لحياتهم وعملهم فيها.
لا تتعدى المسافة من الحاجز وامتداد الشارع الذي يتوسط البلدة أكثر من كيلومترين فقط، لكنه الشارع الأكثر نشاطا فهو الذي يربط الشمال بالجنوب وعبره يمر عشرات الآلاف يوميا من المواطنين، وآلاف المركبات المختلفة.
ملحق الحياة الجديدة الاقتصادي "حياة وسوق" يلقي الضوء على البلدة وما تشهده من حركة تجارية نشطة، وحركة عمرانية باتت تذهل الجميع بعماراتها وأبنيتها الشاهقة، لكن تلك البلدة التي تعتبر احد احياء القدس خارج الجدار.. باتت ايضا مستنقعا من الفوضى، وتعاني من انتشار المظاهر السلبية في ظل غياب للقانون واية جهات رقابية على حركة البناء أو المصالح الخدماتية.
من هم الذين يسكنون المنطقة؟
وتشير مصادر فلسطينية الى ان هناك ما يقارب 80 ألف مواطن يقطن في تلك المنطقة أغلبهم من حملة الهوية الاسرائيلية، كما ان تلك المنطقة وبسبب اهميتها استقطبت الآلاف من مواطني الضفة الغربية والذين وجد أغلبهم فرصة للعمل في مجال البناء، الى جانب رجال أعمال وجدوا ايضا مكانا للاستثمار والتجارة.
على اعلى تلة في الجانب الأيمن من البلدة يقع مقر المجلس المحلي، وهناك يعمل اعضاء الادارة والموظفون الذين لا يتجاوز عددهم 15 شخصا على تقديم ما أمكن من الخدمات لكتلة سكانية ضخمة، ليست هي خاضعة فعليا لأية جهة.

يقول راشد بركات عضو المجلس المحلي "المشكلة الأساسية هي عدم التجاوب من السكان وحالة اللامبالاة والفوضى وانعدام الأمن، فغالبية المقدسيين يعتبرون ان البلدية الاسرائيلية هي المسؤولة عن شؤونهم وتوفير الخدمات، بينما بقية السكان من حملة الهوية الفلسطينية لا يتجاوبون ايضا بشكل كامل لانعدام وجود السلطة في تلك المنطقة، وهذا ما يعزز حالة الفوضى".
لا تكاد المساحة في الشارع الرئيسي تكفي للافتات ضخمة وضعها اصحاب المحلات التجارية في المكان في مظهر قبيح، وبشكل عشوائي، حيث تنصب في اطراف الشارع وفي وسطه وعلى واجهات الأبنية والمحلات، بينما تطل عمارات ضخمة تخنق الهواء الذي يبدو ملوثا أصلا جراء مرور آلاف السيارات يوميا.
يضيف بركات "صحيح ان الحركة التجارية نشطة وهناك كثافة سكانية ضخمة، لكن المشكلة ان هناك غيابا للرقابة على تلك المحلات، خاصة فيما يتعلق بصحة وسلامة المواد الغذائية، والأدوية، ولا يوجد اشراف على محلات اللحوم ولا المخابز التي تنتشر، فقد دفع هذا الوضع لتكريس الفوضى والعشوائية والافلات من الرقابة والمحاسبة".
الفوضى عنوان
ويرى بركات "ان انعدام الأمن وعدم وجود سلطة فعلية ساهم في انتشار الشجارات المسلحة والتعدي على الأملاك، وبروز مظاهر سلبية وخطيرة مثل المخدرات وتجارة السلاح والسرقات، وربما هذا كان سببا في عدم وجود أية بنوك أو مصارف في تلك المنطقة والتي يقطنها عشرات الآلاف من المواطنين".
منذ عدة سنوات باتت بلدية الاحتلال في القدس تقدم خدماتها للسكان المقدسيين عبر مقاولين، كما هو الحال في موضوع النفايات التي كانت من أكبر المشاكل التي يعاني منها السكان لفترات طويلة، وكذلك الحال بالنسبة للقطاع الصحي والتعليمي، كما ان اسرائيل لجأت الى فتح "مكاتب حكومية" على حاجز قلنديا لضمان تقديم الخدمات للمقدسيين خارج الجدار، وعدم دفعهم لدخول المدينة بشكل يومي.
قيود اسرائيلية أمام عمل الشرطة
ولجأ المجلس المحلي عدة مرات للسلطة الوطنية خاصة جهاز الشرطة من أجل وقف التعديات على المصالح العامة في منطقة كفر عقب، خاصة من قبل التجار واصحاب المحلات الذين يضعون اللافتات دون قيود، معرضين المواطنين للخطر، الى جانب ما يشكله الأمر من تشويه للبلدة. وقال بركات: "ان الشرطة الفلسطينية تجد صعوبة في العمل بالمنطقة بسبب قيود اسرائيلية وان الأمر بحاجة الى تنسيق وهو ما تم مرتين حيث تمت ازالة اللافتات غير القانونية وبعض التعديات، لكنها سرعان ما تعود كما كانت بعد انتهاء تلك الحملات".
حوالي 17 مدرسة تابعة لبلدية الاحتلال ومقاولون لها وروضتان ومركز جماهيري، وأكثر من 6 مراكز طبية اغلبها لصندوق المرضى "مكابي وكلاليت" تقدم خدماتها للسكان، الى جانب بعض المكاتب "الحكومية" في حاجز قلنديا، كما ان شركة السفريات الموحدة تغطي حافلاتها المتجهة من القدس الى رام الله بلدة كفر عقب المقدسية.

يقول محمد الطويل مدير فرع مركز القدس للمناصرة الاجتماعية في كفر عقب -وهي منظمة غير حكومية تقدم خدمات قانونية ومجانية للمقدسيين-: "ان المركز ومنذ افتتاحه قبل عام وجد نفسه عنوانا مهما لعشرات آلاف المقدسيين الذين يحتاجون الى حقوقهم من قبل مؤسسات الاحتلال كما هو الحال في الداخلية والتأمين الوطني وغيرها من المؤسسات".
ويشير الطويل إلى أن حالة الغموض والتسريبات الاعلامية والسياسية من قبل مسؤولين في حكومة الاحتلال ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن التخلص من المقدسيين في كفر عقب، زادت من حالة القلق في صفوف السكان وارتفاع نسبة المراجعين للمركز للاستيضاح عن أمور تتعلق بالاقامة والحقوق.
ودرج المركز في الفترة الأخيرة على توعية المقدسيين فيما يتعلق بحقوقهم، سواء من خلال نشرات أو ندوات ارشادية، كما ان المركز بات يعمل مع مختلف الجهات في المنطقة من مجلس محلي وتنظيم وتجار ورجال اعمال ووجهاء، للمساعدة في حل المشاكل المختلفة.
مستقبل مجهول
وقال الطويل: "مشاكل المقدسيين وسكان المنطقة كثيرة ومتعددة، خاصة مع ازدياد الكثافة السكانية، وحركة البناء التي لا تتوقف والتي اصبحت تشكل نقطة جذب للآلاف بسبب السعر وكون أغلب الشقق تسجل في دوائر بلدية الاحتلال، رغم ان تلك البنايات لا تتمتع بأية تراخيص أو معايير هندسية، ولا تتوفر فيها ادنى شروط السلامة، فيكفي زلزال بسيط لا قدر الله لأن يطيح بالعديد من تلك العمارات الشاهقة ويسبب كوارث ومآسي لا يمكن تحملها.
واضاف الطويل "لقد تحولت منطقة كفر عقب الى مستنقع من الفوضى، لا يوجد تنظيم في أي شيء، صحيح ان هناك استثمارات في مجال البناء وهناك اعمال تجارية ناجحة، لكن هناك غياب للرقابة وانعدام للأمن، وتعديات مستمرة على المصالح العامة".
كان في الشارع الرئيسي لكفر عقب اشارة مرور واحدة على مفترق حي أم الشرايط، ينظم حركة المرور للسيارات والمشاة على السواء، وبمحاذاته تقع مدرستان، اما الآن فقد اصبح أثرا بعد عين، حيث يلجأ بعض المتسببين بالشجارات الى تحطيمه في كل مرة، وتكلف المجلس المحلي عناء تصليحه مرتين بكلفة فاقت 100 ألف شيقل.
لا رقابة.. لا محاسبة
تكاد اسرائيل تفلت وتتهرب من ذلك العبء، وتلقي بهذا الثقل على مقاولين خاصين وجدوا هم الآخرون فرصة لجني المال دون التزام بجودة أو مواصفات وفي ظل عدم رقابة ومحاسبة، كما ان شركة الاتصالات الاسرائيلية انهت خدماتها قبل 3 سنوات في تلك المنطقة لتصبح بعدها سوقا نشطة لشركة الاتصالات الفلسطينية والتي تكاد لا تملأ بعد الفراغ الموجود.
ويرى الطويل "ان منطقة كفر عقب اصبحت منطقة (بيزنس) وتبادل ادوار ومصالح، فالكل يرى فيها مكانا للفائدة، فالتجار واصحاب المحلات الذين لا يدفعون الضرائب، لا يخضعون لأية رقابة، وكذلك الحال مع المقاولين والشركات الذين يقومون بانشاء العمارات".
وقال الطويل "لم تعد قضية الخدمات القانونية هي ما نقدمه فقط، نحن اصبحنا جزءا من المجتمع المحلي ونرى لزاما علينا ايضا التعاون مع مختلف الجهات لتحسين ظروف السكان والتغلب على مشاكلهم المختلفة".
ويتساءل الطويل: "كانت كفر عقب قبل عشر سنوات لا يزيد عدد سكانها على 12 ألفا، اما اليوم فالعدد ربما يزيد على 80 ألفا، وبقيت البنية التحتية كما هي، فالصرف الصحي يعتبر مشكلة كبيرة، وبالكاد يستوعب هذه الكتلة الضخمة من السكان اذ تبرز المشاكل ايضا في فصل الشتاء، حيث يفيض الشارع وتتعرض منازل ومحلات ومركبات لأضرار".

في عين العاصفة
ويعتبر الطويل وهو اخصائي نفسي ومن سكان المنطقة أصلا "ان كفر عقب باتت حاليا في عين العاصفة، فهي من جهة مقدسية تخضع لاعتبارات سياسية تتقاذفها المواقف بين الحين والآخر، وفلسطينية باتت مركزا تجاريا مهما ومنطقة جذب بسبب انخفاض اسعار الشقق مقارنة مع مناطق اخرى، ووقوعها بين القدس ورام الله وسهولة وصول الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية اليها".
وفيما يتعلق بسياسة الهدم التي تنتهجها اسرائيل وغض النظر عن بناء عمارات تصل الى 16 طابقا قرب المطار في قلنديا، قال الطويل: "هم يهدمون منازل واجزاء منها وبركسات وأسوارا وكهوفا في منطقة القدس داخل الجدار، لكن يبدو ان كفر عقب خارج اطار الاعتداءات الاسرائيلية اذ ان آخر عملية هدم تمت قبل أكثر من 15 سنة، كما ان آخر ترخيص منح كان في العام 1999، ويبدو جليا ان هناك سياسة واضحة المقصود منها جذب آلاف المقدسيين الى منطقة ما زالت تعتبر جزءا من القدس لكنها خارج الجدار، وفي مهب الريح ويكتنف مستقبلها غموض مخيف".
ويبدو ان انعدام الأمن هو أكثر ما يقلق السكان واصحاب المحلات التجارية، كما يشير محمد سلهب (34 عاما) الذي يملك محلا تجاريا في الشارع الرئيسي للبلدة، حيث قال: "صحيح ان هناك حركة تجارية نشطة في المنطقة بحيث توجد كافة انواع المحلات، الا ان انعدام الأمن وعدم وجود السلطة الوطنية لضبط المتجاوزين يسبب كثيرا من الانفلات وانتشار السرقات وأحيانا السطو المسلح".
ويضيف سلهب: "ليس هناك تنظيم لحركة البناء ولا لمرور السيارات، والفوضى تحكم المنطقة، حتى أصحاب المحلات هم ايضا جزء من تلك الحالة من خلال اللافتات الضخمة التي يضعونها، أو تجاوزات اخرى يقومون بها مثل عرض بضائعهم على حساب الرصيف أو الشارع".
من جهته قال فؤاد ابو ارميلة (44 عاما) ويملك بقالة: "ان أكثر ما يشكل ازعاجا في المنطقة هو الضجيج واصوات أبواق السيارات، خاصة مع اشتداد أزمة السير في ساعات ما بعد الظهر، لكن رغم ذلك فإن المحلات توفر كافة الاحتياجات من مواد غذائية وملابس".
ويوجد في الشارع 4 محطات للوقود، ومحلات للأجهزة الكهربائية والمفروشات وكراجات لتصليح السيارات ومحلات لبيع الجملة، جعلت من منطقة كفر عقب أكبر مركز للتسوق بعد حالة الركود التي عصفت ببلدة الرام القريبة.
دراسة حقوقية: سياسات اسرائيلية تخلق تغييرات
واشارت دراسة اعدتها جمعية حقوق المواطن مؤخرا "الى ان سياسة عزل الأحياء والبلدات الفلسطينية خلف الجدار عزل عن المدينة حوالي 120 ألفا من سكانها الذين يحملون بطاقات هوية زرقاء، وذلك من الأحياء التالية: راس خميس؛ ضاحية السلام؛ مخيم شعفاط للاجئين؛ كفر عقب؛ سميرميس. ويُطلب من هؤلاء عبور الحواجز في كل يوم لغرض تلقي العمل والتعليم والعلاجات الطبـية والقيام بالزيارات العائلية وما شابه".
وحذرت الجمعية "من انزلاق مزيد من العائلات الفلسطينيّة إلى دوائر الفقر بوتيرة متسارعة، والتوقف عند المعوقات التي يواجهها الفلسطينيون عند قيامهم بالبحث عن عمل يمكنهم من تحقيق العيش الكريم، وكذلك الإشارة إلى السياسة الإسرائيلية التي دفعت نحو تدهور بالغ في الوضع الاجتماعي- الاقتصادي، والانتهاك المتكرر لحقوق السكان، واقتراح تغييرات مستوجبة في السياسات القائمة، من بينها استثمار الجهود والموارد المطلوبة".
ولفتت الدراسة "الى ان الممارسات الاسرائيلية هي التي ساقت الى ارتفاع العقبات والعراقيل أمام المقدسيين وتغيير مركز حياتهم من خلال ابعادهم عن مركز المدينة التي يوجد فيها أهم المؤسسات التعليمية والتجارية والطبية والسياحية وغيرها من الخدمات التي لا يمكن تجاهلها".
وخلال هذه الدراسة وجدت جمعية حقوق المواطن ان السياسات والممارسات الاسرائيلية هي التي ساقت إلى ازدياد نسبة الفقر في مدينة القدس بعدة مجالات، ومن اهم تلك الأسباب بناء جدار الفصل الذي اقتطع 90000 مقدسي من التواصل مع باقي احياء القدس وبلدات المدينة وأبعدهم عن مراكز الحياة. بالإضافة إلى التهميش في مجال التعليم والذي يعاني من نقص حاد في عدد الغرف الصفية وغياب التمويل والدعم ما أدى إلى وصول نسبة 40% من الطلاب الذين لا يكملون تعليمهم الإلزامي، كما أن معظم الطلاب الجامعيين ينهون تعليمهم في جامعات الضفة الغربية أو خارج البلاد، ما يعني عدم الاعتراف بتحصيلهم العلمي من قبل سوق العمل الإسرائيلية، الأمر الذي يحصرهم بمواضيع محددة التي لا تحتاج إلى تصديق الشهادات من قبل الجهات الإسرائيلية المسؤولة، فيقلل ويحد من إمكانيات خياراتهم للعمل في القدس.
وأوضحت الدراسة انه بسبب سياسات الحواجز وتصاريح الدخول، تحولت القدس الشرقية من مركز إقليمي يوفر الخدمات والتشغيل لدوائر واسعة من سكان الضفة الغربية، إلى مدينة هامشية يجري فرض قيود بالغة على الدخول إليها. وبعد بناء الجدار وضعت قوانين وإجراءات خانقه تحد من نقل البضائع بين الضفة والقدس ما أدى إلى تقليص وحصر التجارة في القدس.
مواضيع ذات صلة
ارتفاع أسعار النفط عند التسوية متجاوزًا 103 دولارات للبرميل
أسعار النفط تتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية
"الإحصاء": ارتفاع أسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 12.02%
ارتفاع أسعار النفط وتراجع الذهب عالميا
الذهب يرتفع لكنه يتجه لأول تراجع أسبوعي منذ شهر
الإحصاء: انخفاض الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي خلال شهر كانون ثاني الماضي
أسعار صرف العملات