يوسف الفلسطيني.. رياضي بلا أطراف
حين يكون العقل سليمًا في جسم غير سليم

رام الله - الحياة الجديدة- عبير البرغوثي - قصة يوسف أو حياة يوسف تأخذنا اليوم لجبال شاهقة وعالية الوعورة، عبر طريق تنتصر فيها الإرادة والرغبة في الحياة على كل تحديات المستحيل، بدأت قصة يوسف من سكان معسكر الشاطئ/ غزة، قبل 24 عاماً حينما قدم للحياة دون أطراف (يدين وقدمين)، لينمو وتكبر به الأيام لكن لم يكن لليدين والاقدام نصيب من هذا النمو، فباتت عيناه بدل يديه، وعربة صغيرة تجره من مكان الى آخر.
الأم هي الأمل وسبب البقاء
"كم هي قسوة الحياة حينما تتكالب عدوانيتها على الفقير، وكم هي هشاشة الانسانية حينما يتنمر على الضعيف حتى أقرانه من الضعفاء، حينها تكون الخيارات اما الاختباء واما الهروب من الحياة، لكني لست من هؤلاء ولا هؤلاء" يقول يوسف الفلسطيني، ويضيف: "لقد اخترت أن أنافس الحياة واتصدى لكل شيء كإنسان كامل رغم فقدان الاطراف منذ الولادة، فهذا ليس عيبًا او خطأ او جريمة، ووقوف والدتي بجانبي أعطاني القوة والالهام والصبر على تجاوز كل الصعوبات والتحديات وعندما كنت اتعرض لأي تنمر يدفعني للبكاء، كانت تقول لي دائما: "يا ولدي أنت أحسن منهم، لا تستمع للآخرين"، أمي منحتني القوة على مواجهة صعوبات الحياة، كل يوم كانت تواجهني الف مشكلة وكانت كلمات أمي صخرتي التي تتكسر عليها كل تلك الصعوبات".
التعليم تحد وليس كافياً في الحياة
يقول يوسف: "رغم صعوبة الاعاقة التي اعانيها الا انني انهيت دراستي الجامعية، ليالي وأيامًا من الضغوط والمعيقات التي تقهر الانسان العادي مكتمل الاطراف ومكتمل الاحتياجات، فكيف ستكون ويلاتها على انسان يفتقد لكل الأطراف! كانت قصة تحد ونجاح رغم كل شيء، تمكنت في نهايتها من التخرج بتخصص "شريعة وقانون" على أمل ان يكون لي ولهذا التخصص مستقبل لنصرة من يعانون من اعاقة وتحاربهم الحياة كما حاربتني، لكني لم اتمكن من الانتقال للممارسة العملية كمحام، ولم أتمكن من التدريب لأن مؤسسات التدريب والعمل ليست موائمة لمتطلبات أصحاب الإعاقة في قطاع غزة، وهذه من القضايا المهمة ليس لي فقط، لكن لكافة أصحاب الاحتياجات الخاصة، سواء ممن تعود اعاقاتهم لاسباب طبيعية او اولئك الذين تعرضوا لها لاسباب خارجية، للأسف الولادة قد تفقدنا بعض أطرافنا، لكن قسوة الحياة تريد ان تسلبنا ما تبقى من أجسادنا وتحرمنا من حقنا في الحياة نفسها".
نحن نفتقد أطرافنا والمجتمع يفتقد انسانيته في بعض الاحيان
"نحن لسنا معاقين مستسلمين فاقدين للرغبة او القدرة على الحياة، لكن هناك من يحاول اعاقة الحياة أمامنا، بقصد أو دون قصد، وهناك من يتنمر علينا بحسن نية او بسوئها، وفي كل الاحوال النتيجة واحدة، هي التقليل من شأننا ومن انسانيتنا والانتقاص من كوننا بشرا كاملين"، هكذا يقول يوسف عن تجربته حينما فكر بالزواج، فالرفض والتهرب كان رد الفعل الذي واجهه في أكثر من مرة "الناس لا يستوعبونني كإنسان كامل وانما يفترضون النقص والشفقة، لا يتم النظر الا لما فقدنا وليس لما يمكن ان نكون عليه، نحن نعاني من فقدان أطرافنا ولكن المجتمع احيانًا يفتقر للإنسانية" يؤكد يوسف .
أصحاب الاحتياجات الخاصة أصحاب همم ومواجهة
الهموم وصعوبات الحياة لا تنتهي ولا تتوقف، ولا يمكن الاستمرار بالحياة اذا سيطر علينا الخوف من الاعاقة، هناك عشرات المبدعين الذين انتصروا على اعاقتهم في مختلف الميادين، وهنا يقول يوسف "ولذلك تحديت اعاقتي وبدأت أمارس نوعين من الرياضة، الأولى الكراتيه والثانية السباحة، وعندي إصرار وعزيمة على استمرار ممارسة هاتين الرياضتين، خاصة بعد ان وجدت أن هناك أشخاصًا مثل حالتي تماما يمارسون هذه الرياضات، وفرضوا اسماءهم أمام العالم وانا لست أقل منهم، ورغم أن رياضة الكاراتيه رياضة خطيرة جدا الا انني أحاول أن أتعامل معها تعاملا سليما بفضل توجيهات الكابتن المشرف حسن الراعي لتكون بطريقة لا تؤذيني وتحافظ على سلامتي" .
من ينظرون عليك كثيرون ومن يمدون أيديهم أقل
"ايجاد فرص عمل في غزة صعبة على الاصحاء وليست سهلة او ممكنة خاصة في هذه الظروف على ذوي الاحتياجات الخاصة والشديدة كما هو حالي" يروي يوسف، ويضيف "لذلك يكاد يكون يومي بروتين شديد، لكني أخلق منه أسلوب حياة ايجابيا من خلال القراءة والمراجعة لمواضيع القانون والمحاماة حتى أبقى على اطلاع ومعرفة بمستجدات الحياة".
"كما وجدت لنفسي مدخلاً وجسرًا مع الحياة من خلال انشاء قناة خاصة على اليوتيوب يتابعها تقريبا 17 الف مشترك، وهي نافذتي للعالم أشارك فيها من يتابعني قصص النجاح وأساليب الصمود في وجه الحياة رغم كل الاعاقات والمعيقات، لان وسائل التواصل الاجتماعي باتت الشبكة الاهم لتواصل الناس مهما كانت ظروفهم الصحية، ولذلك فإن تصوير فيديوهات تصل لنحو 30 فيديو ونشرها على قناة اليوتيوب هي من المساهمات المهمة التي قد تفيد من هم بحاجة لرؤية تجربة حقيقية" يقول يوسف.
نحتاج الى أكثر من حنان الأم ورأفة الاب
الاعاقة تعيدنا دومًا الى حيث نجد الحنان والاحترام والتفهم، فالأم هي من تزرع فينا الإيمان بأننا نستطيع، لذلك تزداد قوة يوسف وهو يتوسط أشقاءه وشقيقاته، ينظرون بعيونه للمستقبل وينهض بأقدامهم ليمضي خطوة للأمام، خطوة تمكنه من الوصول للمؤسسات لكي يسمعها صوت عشرات المعاقين الذين يستطيعون ان يقدموا للحياة في كل مجالاتها طاقات جديدة، ويساهموا بطاقاتهم وما ابدعوه من قدرات على تحسين كل شيء، لأن لديهم الكثير والكثير، لكن السؤال هل مؤسساتنا جاهزة؟
سؤال مهم، ويجيب عليه يوسف بمرارة القول: "للأسف الشديد لا يوجد اية مؤسسة تدعمني او تساعدني على تحقيق طموحاتي واحلامي، حتى انني لا احصل على ما تصرفه الشؤون الاجتماعية على الفئات المحتاجة ، وتم قطعها عني ولم أستفد منها سوى لمدة سنة فقط"، ويضيف "تعاني كل المؤسسات المحلية او الاهلية في غزة من ضعف قدراتها ومواردها على مساعدة الاشخاص ذوي الاعاقة، فهي غير قادرة على استبدال الكراسي القديمة التي مضى عليها عشرات السنوات لكراسي كهربائية تمكن المعاق من التحرك وقضاء احتياجاته دون المساعدة من الآخرين قدر الامكان".
تحديات كبيرة ورسالة أخيرة
قطاع غزة بما يعانيه من حصار وتهديد متواصل يجعل الحياة صعبة على الانسان والارض، لكن التهديد الخارجي يبقى محتملاً، أما الألم الحقيقي يأتي من تأثير نظرة المجتمع لذوي الاحتياجات الخاصة، فنحن لا نحتاج لنظرة الشفقة بقدر ما نحتاج الى تفهم وتعاون لبناء مجتمع صديق لأصحاب الاحتياجات مهما كانت، يقول يوسف: "نحتاج لتكاتف لنجعل طرق قطاع غزة مهيأة لذوي الاحتياجات الخاصة، نحتاج لتعاون حتى تصبح الزيارة لمؤسساتنا سهلة وفي متناول المعاق، والا يحتاج المعاق مرافقًا اذا اراد مراجعة احدى المؤسسات، نحتاج تعاطف الجميع من مواطنين ومسؤولين لضمان حصول المعاقين على حقوقهم في الالتحاق بالعمل والحصول على وظيفة لائقة في مكان يوفر الامكانية للمعاق للمساهمة في بناء مجتمعه، توفر للمعاق فرص عمل ومصدر دخل بديلاً لكل أشكال المعونات والاعانات لينعم بالعيش الكريم، فالقانون الفلسطيني يقر أن على كل مؤسسة توظيف نسبة 5% من موظفيها من ذوي الاحتياجات الخاصة، والسؤال للمؤسسات المعنية هل هذا القانون مطبق على أرض الواقع؟ فالكثير من ذوي الاعاقة وخاصة من خريجي الجامعات يمتلكون مهارات عالية وقدرات تحدت المستحيل في مجالات مختلفة، فهل تم الاستفادة منهم وفق نصوص القانون؟"
ويضيف: "من ضمن التحديات ايضا عدم مواءمة اية مؤسسة حكومية لاحتياجات المعاق، وفي حال اضطررت لزيارة اية مؤسسة حكومية فانا بحاجة لمرافق ليساعدني على حمل الكرسي وتسهيل دخولي للمؤسسة، الحياة بالنسبة للمعاق في قطاع غزة هي حياة ضنك وصعوبات" .
الاعاقة ليست اعاقة الجسد وانما اعاقة العقل
"قادرون على الحياة وقادرون على العطاء، فاعاقة الجسد قد تؤخرنا بعض الشيء، لكنها لا تعيقنا ابدًا"، هكذا يصف يوسف تطلعه للمستقبل، طاقته واستعداده لمواصلة دوره في الحياة واكمال دراسته للما جستير والدكتوراة في القانون تدلل على أن اعاقة الحركة ليست سببًا لتوقف الحياة، ورغبته في خوض غمار المشاركة في بطولات دولية وعالمية في السباحة والكاراتيه لرفع علم فلسطين دليل على ان هذا الانسان الفلسطيني لا يقهر، بل إن صموده يخيف القهر، فلا اعاقة ولا شفقة قد تدفع من لديهم هذا الايمان وهذه الطاقة الى الهروب واليأس او الانكفاء.
نختم قصة يوسف بدعوة مؤسساتنا لأن يكون أصحاب العطاء ممن يعانون من الاعاقة أولوية مهمة لخطط عملهم في المرحلة القادمة، نحن بحاجة لنعمل معاً من أجل الجميع حتى لا يبقى أحد وحده في الخلف.
مواضيع ذات صلة
سوندرز مفوضا مؤقتا لـ"أونروا"
"كوبلاك" يدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
منصور يحذر من قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست ويطالب بتحرك دولي عاجل
التعاون الإسلامي ترحب باعتماد مجلس حقوق الانسان قرارات متعلقة بفلسطين
ليبيا تدين إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
الرئيس يصدر قرارا بقانون بشأن موازنة الطوارئ للسنة المالية 2026