الجامعة الشعبية في الضفة والقدس.. إحياء لمفاهيم غائبة
الحياة الجديدة - رحمة حجة - واحدًا تلو آخر، يدخل شبّان وشابات مركز "بيت المقدس" في مدينة البيرة، وبينما بدا عددهم قليلًا في الدقائق العشر الأولى، امتلأت القاعة تمام الخامسة والنصف مساء. كان الأستاذ الباحث في "دائرة سليمان الحلبي"، خالد عودة الله، بدأ المحاضرة الثانية من مساق "مدخل إلى دراسات الحرب".
ويعدّ هذا المساق بالإضافة إلى أربعة مساقات أخرى، قوام الجامعة الشعبية، وهي منبثقة عن "دائرة الحلبي" قبل عام واحد، وتستقبل المشاركين في رام الله ونابلس والقدس، وعينها تتجه إلى فلسطينيي عام 1948 مستقبلا.
وعن "دائرة سليمان الحلبي"، التي بدأت نشاطاتها قبل ثلاثة أعوام، يقول الباحث عودة الله، إنها "تقوم على فكرة النشاط التطوعي المجتمعي البحت، ودراسة الحالة الفلسطينية كحالة استعمارية أساسًا، إذ لا نستطيع تجاوز ذلك بغض النظر عن المرحلة التي تمر بها، سواء بناء دولة أو بناء مؤسسات".
كما تحاول الدائرة تقديم رؤية علمية منهجية لفلسطين وما يجري فيها، ومعنى أن تكون فلسطين مستعمرة وبناء عليه صوغ رؤية للتحرر المعرفي، وفق عودة الله، الذي يضيف: "لا ندرس فقط، إنما نحاول التحرر ذهنيًا ومعرفيًا من هيمنة الاستعمار وفكره ومقولاته... والتحفيز على فكرة التطوع، الشيء الذي يحرر الدائرة من علاقات التمويل واشتراطات الممولين".
مجانية ومغايرة
وتعطى المساقات في دائرة "الحلبي" مجانًا، كما أنها مفتوحة لمختلف الفئات والأعمار، إذ لا تقيّد المشاركين/ات بمعايير أو مستويات. وفي ذلك يقول عودة الله لـ "الحياة الجديدة": "طريقة عمل الدائرة قائمة على فكرة الانجذاب وليس الفرض. لكن الملاحظ أن فئة الشباب هي الأكثر تواجدًا في المحاضرات؛ كونهم أكثر اهتمامًا بمسألة البحث عن المعرفة والتغيير".
وقدمت الدائرة سابقا مساقات في "الدراسات الاستعمارية" و"مدخل إلى تاريخ المقاومة في فلسطين"، و"سينما المقاومة" و"اللغة العبرية- مستوى أول".
وقال عودة الله إن الدائرة ستقدم في دورة الجامعة الصيفية مساقي "مدخل لدراسة المجتمع الصهيوني" و"أدب المقاومة"، وهي مجالات قد تغيب عن بعض الجامعات الفلسطينية.. في محاولة لسد النقص في العملية المعرفية، فالحالة الفلسطينية تتطلب الجديّة في التعامل معها.. ونحن نعيش حالة استعمار وتحرر من الاستعمار، وهذا يجب أن يكون جوهريًا وأساسيًا في أي عملية تعليمية، وليس بالضرورة مباشرًا.
"حزب جديد؟"
من القدس إلى رام الله، تأتي معلّمة مادة التكنولوجيا سماح عبّاس، خصّيصًا، من أجل المشاركة في مساقات الجامعة الشعبية، وكان مساق "مدخل إلى دراسات الحرب" خطوتها الأولى فيها.
تقول عبّاس لـ"الحياة الجديدة" إنها تملك "شغفًا وتوقًا للمعرفة التي تضعها على الطريق الصحيح" وهو ما وجدته في محاضرات الجامعة الشعبية.
وتضيف: "في هذا المساق، اطلعتُ على معلومات هامة لدرجة شعوري بأنني لم أتعلم شيئًا في المدرسة أو حتى الجامعة، وأتمنى نقل ما أكتسبه للطلبة الذين أدرّسهم، كي يصبحوا صانعي قرار".
من جانبه، يقول الموظف في جامعة بيرزيت سري حرب، إن ما شدّه إلى مساقات الجامعة الشعبية "الموضوعات نفسها... درستُ إدارة أعمال ولم تتح لي الفرصة للتعرف على مواضيع مماثلة".
وشارك حرب في ثلاثة مساقات، تشرح الكثير من الظواهر في المجتمع الفلسطيني، وتربط التاريخ بالواقع، ما يقود إلى وضع الأمور في سياقها الصحيح، كما يقول حرب لـ"الحياة الجديدة".
وعن أثر النقاشات في محاضرات الجامعة، على المشاركين في المساقات، يقول عودة الله، إنه شهدَ "تغيّرًا في النظرة تجاه المفاهيم وحتى في معجم المصطلحات لدى المشاركين عند الحديث عن الحياة والقضايا المطروحة"، مضيفًا "نحن لا نسعى بالضرورة لأن يأخذ المشاركون ما يتعلمونه هنا ليعيدوا بثّه كما هو للخارج، فمشروعنا يتوخّى التغيير على المدى البعيد".
وأشار حرب إلى وجود فئة من المشاركين تحافظ على وجودها في جميع المساقات، الشيء الهام على المستوى البعيد، إذ تخدم المساقات كلها نفس القضية، كما ضمت نحو 150 مشاركًا منذ بدئها، علمًا أن الوجوه تتجدد باستمرار.
وحول إمكانية ظهور جماعة ذات نسق وخط سياسي مغاير لما هو موجود حاليًا بتأثير ما تقدمونه؟ يقول عودة الله: "إشكاليتنا الأساسية لن يحلها بزوغ حزب جديد أو تيار جديد، وليس هذا هدفنا الأساس، فالهدف تنمية معرفية على المستوى المجتمعي، وما يمكن أن يفعل الناس بما يتعلمونه ويطلعون عليه من أفكار له مجال مفتوح، سيأخذ بالتأكيد أوجه مختلفة للتعبير عنه، لكن لا توجد للجامعة علاقة أو هدف مباشر لولادة تيار أو حركة سياسية... فالخلل في المجتمع الفلسطيني أكبر بكثير من أن نصلحه على مستوى سياسي، لأن الحركات السياسية دائمًا كانت تحصر نفسها في التنظير والفكر والصراعات الأيديولوجية، وتنسى أن المجتمع ينقصه الكثير كي يمتلك الأرضية المعرفية، التي تضمن الاستمرارية".