عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 تشرين الثاني 2015

انتصار علمانية أردوغان (شيء طبيعي)

بكر أبو بكر

منظمة الامن والتعاون في اوروبا التي راقبت على الانتخابات التركية الأخيرة 2015 رصدت أجواء العنف التي سادت الانتخابات. ومع ذلك فإنها أشادت (بالهامش السياسي الواسع)، ومن هنا تصبح انتقادات المنظمة بأن الحملة جرت بشكل (غير متساو) بين أحزاب المعارضة وشابها (قدر كبير من الخوف) وأنه حصل فيها (تدخل في استقلالية خط تحرير وسائل اعلام) وما الى ذلك مما أوردته المنظمة؛ تصبح مثل هذه الانتقادات على أهميتها غير ذات بال لأنها لم تؤد بالمنظمة للطعن في النتيجة في هذا البلد العلماني الدستور.

أن يفوز حزب "الحرية والعدالة" القريب من "الاخوان المسلمين" أو ذو المرجعية الاخوانية في بلد (شبه أوروبي) يسعى لعضوية المجموعة الاوروبية وجزء أصيل من حلف الناتو والذي ينص دستوره على علمانية وديمقراطية فهذا شأن متروك للشعب التركي الذي استطاع أن يرفع كفاءة المشاركة في الانتخابات لأرقام غير مسبوقة تعبر عن وعيه وإدراكه لأهمية الصوت من جهة بل وادراكه لأهمية التعددية والديمقراطية والنظام العلماني (المدني إن شئت لحساسية اللفظة وتعدد معانيها لدى الكثيرين) الذي تسود فيه الحرية للجميع (ومنه حرية التدين من عدمه) وبالتالي تداول السلطة ذاتها لا فرض فكر أو فكرانية (ايديولوجية) محددة على الدولة ومؤسساتها، فما بالك على الأفراد.

لا نعجب ولا نستغرب ولا نرفض أو نهلل لخيارات الشعب التركي فهو قد عرف طريقه ويستطيع ان يقرر علانية ما هي مصلحته وما هو مسار بلاده وعليه نبارك لهذا الشعب قدرته على المشاركة الديمقراطية والتعددية في ظل لهيب المنطقة التي تحيط بتركيا اليوم.

أما العجب والاستغراب فيأتي من خارج تركيا حيث تبارزت شخصيات من قيادات "الاخوان المسلمين" وخاصة التيار المتطرف فيها بتحريض أردوغان الذي سموه (الرئيس المؤمن) أو (حفيد العثمانيين) ليقوم بتغيير الدستور ضمن أحلام وأوهام يظنونها قد أزفت ستؤدي بأردوغان لتغيير شكل الدولة لتصبح اخوانية وهو ما لم يقله أو يسعى له اردوغان وحزبه –الذي قد نختلف في التعاطي مع سياساته أو نتفق– ولكل هؤلاء نذكرهم بآراء الرئيس أردوغان بوضوح كي لا يتوهموا أو يتوهوا.

أردوغان في 14/9/2011 وعلى قناة العربية قال التالي نصا: (إن العلمانية تعني حسب دستور تركيا عام 1982 وقوف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان، أما الأشخاص فلا يكونون علمانيين, اذ يستطيعون أن يكونوا متدينين أو ضد الدين أو من أديان أخرى. فهذا شيء طبيعي) هذا شيء طبيعي!

وهذا "الشيء الطبيعي" وهو علمانية المسافة المتساوية هل يراه الشيخ القرضاوي أو القادة من "الإخوان المسلمين" الذين هللوا لفوزه وفرحوا هل يرونه شيئا طبيعيا؟!

وهل أولئك الذين رفضوا احياء ذكرى الخالد ياسر عرفات في غزة بينما أقاموا الأفراح في قطاع غزة لانتصار تركيا يرون ما قاله اردوغان "شيئا طبيعيا" أم كانوا يحتفلون بأوهامهم؟! ما لا يشاركهم به حزب أردوغان؟

ولمن لا يريد أن يفهم عاد ليكرر في ذات المقابلة ومخاطبة الشعب المصري حينها قائلاً إنهم (سوف يكتشفون أن الدولة العلمانية لا تنشر اللادينية ولكنها تحترم كل الأديان) فهل اكتشف الفرحون بفوزه ذلك واعتبروه (شيئا طبيعيا) أم ماذا؟ ورغم تصريحاته الصريحة هذه استقبله المصريون من الاخوان المسلمين بالقاهرات بلافتات تدعو لعودة الخلافة الاسلامية من مثل (مصر وتركيا بما وزنها خلافة اسلامية) كما يفهمونها بل وخاطبهم من دار الاوبرا لا من الأزهر في اشارة كبيرة الدلالة وفي سؤال وجهه اخواني في مصر لأردوغان حينها عندما وصف حزب أردوغان أنه اسلامي كان رده حازماً حيث قال (إن حزب العدالة والتنمية ليس حزبا اسلاميا) مضيفاً (لا يوجد ما يسمى حزب اسلامي ديمقراطي, فهذا تعريف خاطئ).

وكي لا يظن ظان أن هذا الرجل ذا الخلفية الإخوانية يعد العدة للتخلي عن علمانية تركيا فهو قد قال حديثاً في العام 2015 بوضوح إن بلاده (ستظل علمانية وديمقراطية) وذلك في زيارة له للأكاديمية الحربية التركية موضحاً ان (تركيا لن تتراجع عن العلمانية التي تضمن حرية العقيدة لمواطنيها.. والرفاهية.. والقانون).

إن المفهوم الذي يطرحه اردوغان للعلمانية (السياسية) كمسافة واحدة تتخذها الدولة بين الأديان والطوائف والتدين من عدمه أي بين كل المواطنين، لا تتدخل هذه (العلمانية) بفهمه وتعريفه لها بتدين أو ايمان الشخص مطلقاً وإنما الهدف هو (المسافة المتساوية) بما يعني الحرية والتعددية والديمقراطية وتداول السلطة وهي القريبة من فهم الشيخ راشد الغنوشي وعبد الوهاب المسيري والشيخ أحمد الكبيسي ومجموعة من المتنورين لما يسمونها العلمانية الجزئية أو العلمانية المؤمنة أو الدولة المدنية.

إن فوز حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإخوانية والمستنيرة بالوعي يعطى للمهووسين من التيارات الظلامية أي فرصة ليسقطوا أوهامهم وأحلامهم على هذا الحروب الذي يرعى العلمانية (شيئا طبيعيا) ويراه حرية ورفاهية وقانونا وديمقراطية هم لا يريدونها.