الاستيطان في الخليل.. صراع على أرض يدفع أهلها ثمن حفظها بالدماء والدموع

الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- لن تكون حادثة إصابة الشاب هارون أبوعرام (24 عاماً) من مدينة يطا جنوب الخليل، بالشلل الرباعي، جراء قطع جندي احتلالي الحبل الشوكي له بطلقة نارية صوبها نحو رقبته من نقطة الصفر.. الأخيرة، في صراع الحفاظ على الأرض من غول الاستيطان المستشري في مختلف مناطق محافظة الخليل، بدءاً من قلب مدينتها العتيقة "المجلوط" بالبؤر الاستيطانية، وانتهاءً بمسافر يطا الشرقية التي تصارع للبقاء، أمام جملة الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها سكانها يومياً لحملهم على هجرتها، وتركها لقمة سائغة لأطماع الاستعمار الاحتلالي، ونزوات المستوطنين الاستيلائية.
حادثة الشلل الرباعي التي تعمد جندي احتلالي إلصاقها بجسد المواطن ابوعرام، وأمام عيون أمه المحزونة المفجوعة، جاءت في أثناء محاولة أهالي خربة "الركيز" في مسافر يطا الشرقية، "الحفاظ على بقائهم"؛ بمنع قوات الاحتلال الاستيلاء على "مقوم بدائي" للحياة هناك، وهو المولد الكهربائي، في جملة الانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الأهالي في المسافر، بفرض مزيدٍ من قسوة الحياة؛ لدفعهم على الرحيل، وإشباع "غريزة الاستيطان" المقيتة.
وهذه السياسة الاستيطانية التي تحملها عقلية الاحتلال، وتمارسها بعنجهية، في مختلف المناطق، للاستيلاء على ما تبقى من الأرض، ومحاولاته العبثية لطمس الوجود الفلسطيني، وإحلال المستوطنين الغرباء، تتخللها العديد من الإجراءات والانتهاكات، بالسلب والسرقة للمكان والممتلكات، ترافقها أعمال عدوان وعنف وإجرام بحق شعبنا المثخن بالجراح.. وما إطلاق النار صوب الشاب ابوعرام وإصابته بالشلل، بعد قطع الرصاصة الحبل الشوكي في منطقة الرقبة، إلاّ شاهداً آخر على مسلسل الإبادة، وحكاية مأساة سرقة الأرض، وجريمة جديدة مع سبق الإصرار والترصد، على ما يوصف شاهد العيان، أشرف العمور، الذي اعتبر أن الهدف هو التعمد بالقتل أمام أعين العالم وتحت سمعه.
ولا تزال والدة ابوعرام، مصابة بالذهول، وغير مصدقة لما آل إليه حال نجلها هارون، ولا تتمالك نفسها بذرف الدموع كلما تذكرت لحظة إطلاق جندي احتلالي النار على ابنها، وإصابته بالشلل، مكبدةً العائلة معاناة جديدة، وكأن أنياب الاستيطان وحدها لا تكفيهم. وهي الآن لا تمتك إلا التضرع إلى الله تعالى والدعاء بأن يشفي فلذة كبدها، ويمنحهم مزيداً من ثبات وجودهم على أرضهم ومنزلهم.
ويقول راتب الجبور، منسق اللجان الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان في جنوب الخليل، إنّ سلطات الاحتلال تواصل أعمال الاستيطان في مناطق المسافر، وبوتيرة عالية، متعديةً على حقوق شعبنا في أرضه وممتلكاته، ومتحديةً القرارات الدولية.
وأضاف أن الاحتلال يهدف الى تهجير السكان من المنطقة، وإفساح المجال أمام المستوطنين لتوسيع بؤرهم ومستوطناتهم، على حساب ممتلكات المواطنين، بحجج واهية وادعاءات باطلة.
وبين الجبور أن سلطات الاحتلال، ترافق أعمال الاقتحامات التي تواصلها لمناطق المسافر وخربها، بالاعتداء والتنكيل بالأطفال والنساء والشيوخ والشباب، علاوة على أعمال التخريب التي تطال الطرق بالتجريف بغية قطع الطريق أمام السكان، فيما يقابلها الأهالي بالصمود والتحدي، وحراثة الأراضي وزراعتها، بما يشكل شوكة من حديد في حلق الاحتلال بالوقوف أمام أطماعه الاستيطانية.
وتواصل سلطات الاحتلال سياسة التهجير والهدم والمصادرة في الخليل، لتكثيف التواجد الاستعماري فيها، خاصة في قلب المدينة المحتل المغلق قسرياً منذ سنوات طويلة، والذي بات يمثل سكنة عسكرية لجيش الاحتلال ومستوطنيه، ناهيك عن إفساح المجال لعربدة المستوطنين على الأهالي والسكان وممتلكاتهم، والعبث بحياتهم واستقرارهم، بحماية جنود الاحتلال ومراقبته ودعمه إياهم، علاوةً على أباطيله بالاستيلاء على المعالم الأثرية الفلسطينية.
ولم تتوقف الهجمة الاستيطانية على الخليل العتيقة، وبدأ الاحتلال في الآونة الأخيرة يسابق الزمن لتوسيع البؤر الاستيطانية، ومنها عزمه إقامة بناء استيطاني في محطة الحافلات القديمة "الكراج"، الواقعة على شارع الشهداء المغلق، لترسيخ الوجود الاستعماري الاحتلالي، وذلك بعد مرور ما يقرب من 40 عاماً على وضع القوات الاحتلالية يدها على أرض المحطة تحت ذرائع وحجج واهية وإقامته معسكراً لجنوده فيها.
وأشار مدير عام لجنة الاعمار، عماد حمدان، إلى أن هذا الاعتداء الاستيطاني يأتي استمراراً لقرارات المستوى السياسي في دولة الاحتلال، القاضية بإقامة بؤر ومشاريع استيطانية في قلب مدينة الخليل ومنها مشروع بناء إحدى وثلاثين وحدة سكنية استيطانية على أرض محطة الباصات القديمة والذي صدر في شهر أكتوبر من عام 2017.
وبيّن رئيس بلدية الخليل، تيسير ابو اسنينة، أن أعمال البناء في محطة الحافلات التي تعود ملكية الأرض لبلدية الخليل، وكانت مخصصة كموقف للحافلات حتى صدور أمر عسكري بالاستيلاء عليها وتحويلها إلى قاعدة عسكرية لجيش الاحتلال في أواخر الثمانينات، بدأت قبل النظر في الالتماس الذي قدمته البلدية لدى المحكمة العليا منذ مصادقة سلطات الاحتلال على إقامة وحدات استيطانية في الموقع، مشيراً إلى أنَ البلدية ومن خلال طاقمها القانوني علمت أنّ هذه الأعمال تشمل بنية تحتية وأعمال هندسية وبناء لغرض إقامة بناء مركب يشمل كافة متطلبات كتيبة الجيش التنفيذية كقوة متكاملة، لافتاً إلى أنّ البلدية تسعى جاهدةً إلى تجميد الأعمال القائمة من خلال طلب أمر احترازي بناءً على الالتماس المرفوع لدى المحكمة العليا.
وأعرب مدير "الاعمار" حمدان، عن مخاوفه من أن يتم تسريب هذه الأرض من قبل جيش الاحتلال للمستوطنين، وبأوامر وقرارات من المستوى السياسي في دولة الاحتلال؛ بهدف مضاعفة أعداد المستوطنين في البؤر الاستيطانية في مدينة الخليل.
وأكد حمدان، أن اللجنة تواجه انتهاكات جيش الاحتلال والمستوطنين ضد المواطنين وممتلكاتهم، ومواجهة مختلف أنواع الأوامر العسكرية الاحتلالية وتوثيق الانتهاكات المرتكبة، بالإضافة إلى زيادة الوعي القانوني بين المواطنين حول كيفية حماية حقوقهم من الانتهاكات الاحتلالية.
وتتعمق المخاوف من اكتمال أعمال الاستيطان في الخليل، من واقع الاعتداء الذي يطال المباني التاريخية، وتجري في إطار مشروع تهويدي مبني على تزوير التاريخ وسرقة الموروث المعماري التراثي الفلسطيني، وتستهدف التعديات البيوت والمساجد والمعالم التاريخية والدينية فيها، ويتخللها أعمال تزوير للمعالم وواجهات المباني، كتثبيت "شمعدان" حجري ووضع حجارة عليها تمائم باللغة العبرية، كما جرى داخل الحرم الإبراهيمي، وكذلك وضع شعار نجمة داود على أبواب بعض البيوت.
وأوضح هشام الشرباتي، منسق لجنة الدفاع عن الخليل، أن جملة الانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال في الخليل، تأتي في سياق مخطط استيطاني جديد يهدف للاستيلاء على مزيد من الأماكن والمنشآت، بغرض تهويدها، وذلك من خلال إصدارها العديد من القرارات المجحفة ضد المواطنين وممتلكاتهم وتوسيع البؤر الاستيطانية خاصة في قلب المدينة ومحاولة إيجاد تواصل جغرافي بينها وبين بعضها من جهة، ومع الحرم الإبراهيمي من جهة أخرى.
وحذر الشرباتي من استمرار هذه الاعتداءات التي تشكل خطراً على حياة المواطنين، ما يتهدد الوجود الفلسطيني، في وقت تمنح للمستوطنين الحرية التامة، والاعتداء على المواطنين وبيوتهم وممتلكاتهم، الغرض منه فرض مزيد من سياسات الخنق لحمل المواطنين على الرحيل من بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم لصالح جهة توسيع الاستيطان.
فيما شدد الناشط الحقوقي بديع الدويك، منسق تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان، على أهمية تضافر جهود المؤسسات والفعاليات والهيئات والقوى في مجابهة أعمال الاستيطان والاستيلاء وإبطال مفاعيلها، للحفاظ على الوجود الفلسطيني على أرضه ودحر الاحتلال، ومنها النجاح في التصدي شعبياً وقانونياً لمحاولة بناء بؤرة استيطانية جديدة مؤخراً على أرض تعود ملكيتها للمواطن عارف جابر في حي البقعة شرقي المدينة، ودحر المستوطنين منها.
مواضيع ذات صلة
مستعمرون يقتحمون مقام ومتنزه القطرواني في بلدة عطارة
مستعمرون يهاجمون منازل المواطنين في ياسوف شرق سلفيت
مستعمرون يقتحمون برك سليمان جنوب بيت لحم
الاحتلال يعتقل مواطنا من نابلس
الطقس: أجواء صافية وانخفاض طفيف على درجات الحرارة
"بسمة أمل" في جنين الجريحة
فتوح يدعو البرلمانات العربية لتوحيد المواقف دعمًا لفلسطين