عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 07 كانون الأول 2020

الحاجة نصرة.. بـالقش تنسج حكايا التراث

سلفيت- الحياة الجديدة- جمال عبد الحفيظ- رغم ارتعاشة أصابعها، تمرر الثمانينية "أم محمد"، بدقة إبرة معدنية صغيرة في نهايتها قشة ذهبية مرنة، بين ثنايا أعواد قش القمح متراصة بدقة، وهي تحاول أن تخرجها من الجانب الآخر لتتناسق مع مثيلاتها في نسيج من القش ليصبح الشكل الأخير أطباقًا أو صواني.

تبدأ الحاجة نصره أحمد سالم رحلتها مع صناعة الأواني والصواني من قشح القمح في فناء منزلِها ببلدة كفر حارس شمال غرب محافظ سلفيت، بفرزها بحسب الطول والسماكة وتضعها في وعاء مليء بالماء لاستعمالها في اليوم التالي لصناعة أطباق القش بكافة الأحجام والأشكال والأصناف دون كلل أو ملل.

تمر صناعة القش بمراحل، تبدأ بجمع القش ثم فرزه ونقعه بالماء لمدة لا تقل عن ثماني ساعات، ثم يجفف ويوضع ضمن أكياس مغلقة تحت أشعة الشمس أو في مكان دافئ ليكتسب الليونة التي تمنعه من الكسر أثناء النسج.

تجمع أم محمد خيوط القش الطرية ضمن باقات قطرها لا يتجاوز 1.5 سم لتشكل الحشوة، وتبدأ بلفها بعيدان أخرى من القش الملون، التي وصلت ببعضها البعض لتشكل خيوطاً طويلة، في حين تستعيض أحياناً بخيوط من البلاستيك لتمزج بين العمل والفن.

باستعمال مخرز حديدي أو مسلة تنسج أم محمد لفافات القش وتضمها بشكل أفقي أو عمودي بحسب الإناء الذي ترغب بصناعته، وتخلل نسيجها بعيدان من القش الملون لتزين عملها بإحدى الرسومات الهندسية ما يضفي على الوعاء جمالاً إضافياً.

تستمر أم محمد بسحب تلك الخيوط حتى إنهاء تكوين الأداة المراد تصنيعها، ويتراوح الوقت اللازم لصناعة القطعة بين يوم وثلاثة أيام بحسب حجمها وشكلها.

منذ أكثر من عشرين عامًا، تخيطُ أم محمد بأناملها خيوط الأمل والإرادة والصبر، ففي نسيجها آلاف الحكايا والمعاناه حتى قالت "يعجز الصبر عن صبري"، هذه هي الأم الفلسطينية، الأخت، المناضلة، المزارعة، كل هذه الصفات تتحلى بها الحاجة الثمانينية أم محمد.

تقول الحاجة نصرة: "مرت السنون بحلوها ومرها منذ بداية العمر حيث تزوجت وانا في سن الرابعة عشرة، ومن ثم سافرت مع زوجي الى العراق، حيث كان يعمل منذ 60 عامًا هناك وعشت معه من هذه السنين أربعة أعوام، حيث رزقنا الله بمولودنا البكر "محمد"، وتوفى زوجي في العراق ودفن فيها وانا أبلغ من العمر 18 عامًا، وبعد ذلك عدت الى مسقط رأسي بلدتي كفل حارس، رفضت العديد من عروض الزواج للحفاظ على ولدي، حيث تحملت مشاق الحياة والعديد من التحديات، حيث عملت في مجال الزراعة والخياطة ومن ثم انتقلت الى مهنتي التي أحببتها وهي "النسيج"، هذه المهنة التي يجب الحفاظ عليها من الاندثار فهي تحاكي قصص الماضي والحاضر".

وتابعت نصره حديثها لـ "اليحاة الجديدة" وهي تصنع صينية من القش: "ما زلت أنسج في أصابعي أجمل التحف والهدايا من صواني القش، وتصميم قبة الصخرة المشرفة، وعملت على نسج مفتاح العودة والعديد من أشكال لساعات الحائط، والمصنوعات التراثية التقليدية الفسطينية التي يرجع تاريخها الى آلاف السنين".

هذه المهنة تشكل للحاجة نصرة مصدر دخل، حيث يتوافد عليها مواطنون من المناطق المجاورة بالاضافة الى توصيات المغتربين في الدول الأخرى كالأردن وألمانيا.

لم تكتفِ الحاجة نصرة بإتقان المهنة بل عمدت على تعليم حفيداتها وأختها خفايا المهنة وأسرارها لتحافظ على التراث الفلسطيني الأصيل، وتقول: أضفت على صناعة القش جزءاً من التطور، فالمواد الأساسية لصناعة صواني القش أشتريها من السوق، وأقوم بنسج هذه الصواني حسب الطلب، وكنت أقوم في السابق بصبغ القش وهي عملية صعبة مع تقدم عمري وتم استبدالها بمواد بلاستيكية ملونة من الشبر ذات الألوان المتعددة، والزمن الذي أستغرقه في صناعة الصواني يصل إلى يومين للواحدة، وأجد المتعة في عملي".

تختم الحاجة نصره حديثها لـ "الحياة الجديدة: "الإرادة فوق كل شيء، فأنا أمية لم أدخل المدارس، منذ الصغر لكني التحقت ببرامج محو الأمية في عمر الخامسة والعشرين، الإنسان قادر على الإنتاج مهما تقدم به العمر".