عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 20 أيار 2017

تبخر الوعود

معاريف – بن كسبيت

 

 

خجل اميركي

في يوم الاثنين ستصل الى البلاد بطة عرجاء اسمها دونالد ترامب. في العادة البط الأعرج لا يشكل خطرا على محيطه، لكن دونالد ترامب هو حالة استثنائية. فكلما زادت اصابته كلما كان خطره أكبر. هذه البطة العرجاء لها أسنان حادة وفتيل قصير ولها صلاحية قيادة القوة الأكبر في العالم. وكلما زاد شعوره بالحصار كلما تلاشت الحدود والعقبات التي أمامه.

منذ زمن لم يعد الموضوع في الولايات المتحدة ديمقراطيين ضد جمهوريين، أو محافظين ضد ليبراليين. المفارقة بخصوص ترامب دخلت منذ زمن الى النفوس، بمجرد حقيقة أن شخصا من هذا النوع نجح بطريقة ما في الوصول الى المكتب الأهم والأقوى في العالم. الأمر لم يعد جدالا حول سياسة ترامب وانجازاته وأدائه، بل إن حقيقة وجوده في البيت الأبيض ووقوفه على رأس الأمة، اصبحت مصدرا لخجل الأميركيين أينما وُجدوا.

الأحابيل التي استخدمها ترامب في حملته الانتخابية كانت جيدة للحملة. كانت امامه مرشحة مكروهة، وهو استغل الغدد الأكثر حساسية لدى المصوت الأميركي من اجل الفوز. وحطم كل الأمور المتفق عليها وكل ما عرفناه في الحملات السياسية، وفعل ما يخطر بباله. في المفارقة بين الاستمتاع والفوز، اختار الاستمتاع، وانتصر ايضا. هذا جعله ينتفخ. الأمر الجيد من أجل الفوز في الانتخابات ليس ناجعا عند الحصول على القوة العظمى ومكانة الرجل البالغ والمسؤول علنيا. الآن ترامب هو الشيء الأبعد في الكون عن أن يكون "بالغا ومسؤولا". يصعب الآن ايجاد شخص في مجلس الشيوخ أو الكونغرس الجمهوري يعبر عن ثقته الكاملة بقدرة دونالد ترامب على أن يكون رئيسا للولايات المتحدة الأميركية.

إن ترامب رئيس منذ اربعة اشهر، لكن بصعوبة. ونجح في التصادم مع كل العالم. فقد قام باقالة رئيس الـ "اف.بي.آي" في الوقت الأكثر سوءا وبشكل أزعر، رغم أنه مدين له بانتصاره في الانتخابات. وتحول البيت الأبيض الى قسم مغلق، ومقارنة بما يحدث هناك فان مكتب رئيس الحكومة في القدس والمنزل في بلفور هي اماكن عقلانية ومنطقية. الانطباع هو أن ترامب يحاول الاستمرار في "المختص"، وهو برنامج واقعي قام بعرضه في التلفاز بعد توليه منصبه الجديد ايضا. لو كانت فترة تدريبه في البيت الأبيض تقاس بالمعايير التي قاس بها منافسو "المختص"، لكان ترامب سمع منذ فترة كلمة "أنت مُقال" وتم القاءه في الشارع. وفي نهاية المطاف قد يحدث ذلك.

الآن يتحدثون عن قضية "ووتر غيت" جديدة في سياق محاولة ترامب اقناع رئيس الـ "اف.بي.آي" جيمس كومي الغاء التحقيق ضد مايكل فلين، مستشار الامن القومي السابق. هذا يعتبر تشويشا للتحقيق. واذا ذهب كومي حتى النهاية فقد تكون هذه هي النهاية. عدد كبير من اعضاء مجلس السيوخ الجمهوريين خرجوا من الخزانة التي اختبأوا فيها منذ الانتخابات. وكلمة "اقالة" بدأت تظهر في الاسبوع الماضي وتطفو فوق المياه الضحلة التي يغرق فيها البيت الأبيض منذ دخول الملياردير الغريب الى المكتب البيضوي. وفي مركز كل ذلك سيهبط عندنا. هذا اذا جاء، لأنه لدى ترامب كل شيء يمكن أن يحدث أو لا يحدث.

 

ملاحظة تحذير

الحقيقة هي أن نتنياهو ايضا هو بطة عرجاء. فمن هذه الناحية، بدل حائط "المبكى" أو متسادا، فان المكان الافضل للقائهما هو اغمون هحولا، وهو المكان المناسب لالتقاء البط. المقارنة مع ترامب هي اجحاف بحق نتنياهو، وأمام الجنجي الغريب بيبي هو شخص مسؤول وحذر.

على الرغم من أن نتنياهو يعرف خطورة وضعه في غرف التحقيق في لاهف 433، إلا أنه ينجح في الحفاظ على صورة الزعيم الذي لم تتضعضع مكانته والذي لا يوجد أحد غيره. اوليفر في أرض الاقزام. إنه يتجاهل حقيقة أنه من وراء ظهره توجد ساحة سياسية في مرحلة متقدمة من الاستعداد لتوصية الشرطة تقديم لائحة اتهام في ملف ألف (أيضا ملف ألفين قد يؤدي الى تحطيمه). سبب عناق نتنياهو للجميع في الأسابيع الأخيرة هو التقدم في التحقيق. فهو يريد أن يكون الجميع راضون وهادئون ومرتاحون. ومن وراء ظهره هم ليسوا كذلك. الحراك في الساحة السياسية ظاهر، والجميع يتصارعون من اجل الوصول الى مكان جيد تحت السلة. النظرية العامة هي أن نتنياهو هو رئيس حكومة مع تاريخ انتهاء للصلاحية. رغم أن التاريخ ليس واضحا بعد، وهو يتعلق بالتصميم الذي سيبديه المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت. وحتى الوقت الحالي لا يظهر أي تصميم.

خلال كل ذلك جاء التسريب. يوجد لنتنياهو ايضا سيرة فاخرة في هذا المجال. بدءا بوثيقة شتاوبر التي سربها من فوق منصة الكنيست ومرورا بزلات اللسان التي يتم منع نشرها حتى الآن من قبل الرقابة وانتهاء بلافتة احتلال غزة التي سربها اثناء جلسة الكابينيت اثناء الحرب. الحادثة التي في اطارها سرب ترامب لروسيا معلومات استخبارية حساسة، وصلت من الاسرائيليين، تنتمي الى تصنيف مختلف تماما، له امكانية على زعزعة نسيج العلاقة والتعاون الاستخباري الحساس والحيوي بين اسرائيل والولايات المتحدة في الوقت الأسوأ.

التعاون الاستخباري بين اسرائيل والولايات المتحدة تراجع خطوة في المراحل الأخيرة من المفاوضات بين ايران والقوى العظمى، حيث وجدت اسرائيل والولايات المتحدة نفسيهما، لأول مرة، على طرفي المتراس المتناقضين. ايضا بعد التوقيع على الاتفاق لم يعد الوضع الى سابق عهده. والحال تغير بعد مغادرة اوباما ودخول ترامب. وبالهام من الرئيس الجديد تسلق التعاون الحميم بين اذرع الاستخبارات الى ارتفاعات جديدة. ولكن كانت هناك ملاحظة تحذير هي نجمة متواضعة باللون الأحمر، سرية جدا، ومتعلقة بشخصية الرئيس. ترامب لا يسيطر على صوته أو على حسابه في تويتر. وبين بطنه ولسانه ليست هناك فلاتر معينة. وتغريداته تصيبه بالجنون وليس هناك أحد يمكنه وقفها. يمكنك أن تحدثه عن استنتاجات العميل الأهم في داعش، وأن تجد أنه قام بنشر ذلك للملايين في تويتر في اليوم التالي. هذا السيناريو كان في الاسبوع الماضي سيبدو خياليا، إلا أنه اصبح الآن واقعيا.

في كل ما يتعلق بالاستخبارات في هذا المستوى، فان ما هو خفي أكثر من المعروف. المعلومات محدودة وألعاب "العكس بالعكس" كثيرة. سنحاول في هذا المقال التركيز على الحقائق التي تم فحصها: اسرائيل تعتمد على الاستخبارات الأميركية اكثر من اعتماد اميركا على الاستخبارات الاسرائيلية. لدينا تفوق موضعي في مجالات معينة (سوريا وايران)، ولا سيما في مجال "اليومنت" (الاستخبارات التي مصدرها عملاء داعش). ولدى الأميركيين افضلية كبيرة في التكنولوجيا والأدوات التي توجد فقط لدى القوة العظمى. الأقمار الصناعية والتنصت الأميركي كبير، ولا مثيل له في العالم. لهذا لا تستطيع اسرائيل "معاقبة" الأميركيين بسبب عدم مسؤولية الرئيس. ولم نتحدث بعد عن الأمور الاخرى التي تطلبها وتحصل عليها اسرائيل من الولايات المتحدة.

اضافة الى ذلك، يحظر التقليل من شأن الاستخبارات الاسرائيلية، لا سيما في كل ما يتعلق بغابة الشرق الأوسط، مع التشديد على الحرب السورية. في هذا المجال اسرائيل لها تفوق على كل العالم. "نحن نحصل على المعلومات الاستخبارية منكم أكثر من المعلومات التي نحصل عليها من جميع حلفائنا معا"، هذا ما قاله مسؤولون اميركيون لنظرائهم الاسرائيليين في اللقاءات.

قدمت اسرائيل مؤخرا للولايات المتحدة، وفي مناسبات كثيرة، معلومات حيوية لم تكن لديها. ويمكن القول بيقين إن الاستخبارات الاسرائيلية انقذت حياة الكثير من الجنود والمواطنين الأميركيين، وأحبطت عمليات ارهابية كثيرة. في هذا المجال يوجد "دين" اميركي لاسرائيل يعترف به الطرفين. مشكلة اذرع الاستخبارات الأميركية هي أنها لا تسيطر على فم القائد، أي الرئيس. ومشكلة اخرى هي طبيعة المؤسسات المربعة في واشنطن، الامر الذي لا يسمح لرؤساء الاجهزة الاستخبارية بـ "سرقة الخيول" مع النظراء الاسرائيليين والرقابة على تفاصيل حيوية قبل اعطاء التقارير للاشقر في المكتب البيضوي. الأميركيون يعملون حسب الكتاب، جميعهم باستثناء الرئيس.

اسرائيل تتقاسم المعلومات الاستخبارية مع دول اخرى، بما في ذلك روسيا. ولكن مع الولايات المتحدة هناك انفتاح كامل، فقط أمام الأميركيين الحديث يدور عن المعلومات الاستخبارية الخام، فقط أمام الأميركيين يتم كشف المصادر احيانا. الأميركيون يحبون المصادر الاستخبارية ويضغطون على اسرائيل كثيرا من اجل معرفة "من أين جاءت المواد".

نحن نحتاج الى اتخاذ قرارات صعبة في هذا المجال. طالما أن الامر يتعلق برؤساء الاجهزة الاستخبارية في اسرائيل فان كشف المصادر سيتوقف أو سيتضاءل. ولكن القرار سيتم اتخاذه في القدس. فهناك يتم قياس الامر من زاوية مختلفة تماما. على رئيس الحكومة فحص الصورة بشكل كامل، التي هي ليست معلومات استخبارية فقط، لذلك فان نتنياهو يصمت حاليا، أما ليبرمان فيقوم بخفض شدة اللهب. بيبي سيحاول الآن الاستفادة من الاخفاق الأميركي، والحصول على انجازات سياسية. ومشكوك فيه أن ينجح. ليبرمان، بصفته بالغا ومسؤولا ويعرف ميزان القوى عن قرب، يفضل انهاء الامر وعدم تحويله الى قصة كبيرة. "يمكن استيعاب هذه القصة"، يقول في المحادثات المغلقة. والسؤال هو اذا كان لنا خيار آخر. والاجابة كما يبدو سلبية.

 

السموتريتشيين

لم نتحدث بعد عن الفوضى الخاصة بزيارة الرئيس الأميركي في الاسبوع القادم (الجاري). هناك محاولة من قبل نتنياهو للسير وراء ترامب في كل مكان وموقع. وتنصل ترامب منه. ربع ساعة مهينة في "يد واسم". التردد والتنصل حول السيادة على الحائط الغربي. الانهيار الكامل والنهائي لاعتبار دونالد ترامب مُخلص اليمين في اسرائيل. تبخر الوعود المختلفة وعلى رأسها نقل السفارة الأميركية من تل ابيب الى القدس. الموت التراجيدي والسريع لاعلان انتهاء حقبة "حل الدولتين". وانتفاخ "حقبة الضم".

في هذه الصحيفة ظهرت قبل بضعة اسابيع التقديرات التي أفادت بأن السفارة الأميركية لن تنتقل الى القدس. وهذا لم يزعج الصحفيين من اليمين من الاستمرار في الحلم وبث التفاؤل المسيحاني واعداد الابواق لوصول المخلص. لكن المخلص لم يأت. ونتنياهو يشتاق منذ زمن لاوباما، أو على الأقل لهيلاري كلينتون، التي كان يعرف معها بالضبط ماذا نعم وماذا لا. لدى الرؤساء الأميركيين العاديين توجد حدود واضحة، ويوجد توازن وكوابح. وهناك "الايباك" وصندوق الادوات الواضح الذي يسمح بادارة العلاقات والاختلافات، مثلما كان في ولاية اوباما. لدى ترامب لا يوجد أي شيء باستثناء التغريدات الكاذبة في تويتر وزلات اللسان المدمرة والوعود التي لا تنفذ. لذلك عندما اشتكى بتسلئيل سموتريتش في الاسبوع الماضي من اليساريين في تويتر، فكأنما نبح على الشجرة غير الصحيحة. سموتريتش مثل باقي اليمين حدّث نفسه بقصة وصدقها. أنا لا استطيع التحدث بلسان اليسار لأنني لست كذلك، لكنني استطيع القول إن كل من يعرف الساحة الأميركية والدولية يعرف الحقيقة، وكل من فكر بشكل مختلف حاول اغتصاب الخارطة.

الوضع هو التالي: لا يوجد رئيس اميركي يستطيع تحويل السياسة الأبدية للولايات المتحدة تجاه "يهودا والسامرة" والمستوطنات. كلما مر الوقت كلما تأكد ذلك أكثر. تأثير اليهود في اميركا لا يزداد بل يضعف. واذا  لم يكن هذا ترامب، فلن يكون أحد غيره. اضافة الى ذلك، الرئيس ترامب هو بشرى سيئة، ليس فقط لليمين، بل ايضا لليسار والوسط في اسرائيل. "اميركا ستتجاوز ترامب"، قال لي هذا الاسبوع شخص عمل في الاجهزة الامنية الأميركية في مستوى رفيع. "اميركا هي دولة عظمى لديها حيز من الامن ومكان للاخطاء الكبيرة. والسؤال هو هل سنتجاوز نحن ذلك؟".

يوجد لنتنياهو ايضا مهمة غير سهلة للبقاء أمام ترامب. لأنه من الواضح عدم امكانية التوصل الى الصفقة بين اسرائيل والفلسطينيين، وبشكل سريع سنصل الى لعبة الاتهامات، حيث سيحاول الطرفين القاء المسؤولية عن الفشل على بعضهما البعض من اجل التملص من غضب ترامب. هذه اللعبة هي لعبة خطيرة، ومن اجل الانتصار فيها سيضطر نتنياهو الى البرهان على أنه مستعد لأن يعطي والذهاب في صالح أبو مازن وتليين مواقفه، لكن المشكلة عند الفلسطينيين. واذا فعل نتنياهو ذلك فسيتسلق عليه نفتالي بينيت من اليمن، واذا لم يفعل ذلك فقد يقضي عليه ترامب من اليسار. إما أن يقولوا إنه يتخاصم مع كل رئيس اميركي، أو يقولون إنه يفقد رزقه. هذا هو السبب في أنه رغم سلوك نتنياهو في الآونة الأخيرة وكأن الانتخابات ستجري في موعدها، الوضع بعيد عن ذلك. وخلافا للاسفين الذي تم نشره والذي أمر فيه رئيس قسم الميزانيات باعداد ميزانية العام 2019، فان الفحص في القسم يبرهن على أنه لا يوجد أمر كهذا.

بعد كل ذلك يجب علينا أن نضيف: اذا قام ترامب بتغيير السياسة الأميركية تجاه ايران بالافعال وليس بالاقوال، فان هذا أهم من موضوع البناء في المستوطنات التي توجد حاليا في حالة تجميد عميقة. واذا استمر ترامب في استخدام قبضته العسكرية القوية ضد جنون الشرق الاوسط، مثل ضربة "توما هوك"، فهذا جيد. المشكلة مع ترامب هي أنك لا تعرف اذا كان سيواصل ما بدأه، أو سيبدأ بما سيواصله. عدم وجود اليقين ليس فقط لدى حلفاء اميركا، بل ايضا في اوساط المقربين منه، اولئك الذين تمت اقالتهم واولئك الذين لم تتم اقالتهم بعد.