اطلب السلام ولاحقه
هآرتس – عاموس هرئيل

بنيامين نتنياهو لا يريد حربا في غزة. فهو لم يرغب بها في 2014، بل انجر اليها. وهو كما يبدو لا يبحث عن مواجهة مع حماس في القطاع في الصيف الحالي. هذا هو العنوان الحقيقي للجنة الكنيست لمراقبة الدولة بخصوص تقرير المراقب في قضية الجرف الصامد، التي تم ابتلاعها أمس الأول (الأربعاء) في عاصفة حول تبادل الأقوال الصعبة بين عضوي كنيست من الليكود والاهالي الثكلى.
رئيس الحكومة الذي حاول الامتناع عن أي نقاش حقيقي حول استنتاجات التقرير بذريعة أن هذا يحتاج منتدى مغلق أمام وسائل الاعلام، أطلق رغم ذلك عدة اقوال هامة. "لقد حاولنا الامتناع عن الحرب بكل السبل"، قال فيما يتعلق بأحداث الصيف قبل ثلاث سنوات. ولكن "في لحظة اختطاف الفتيان الثلاثة تدهورنا الى منزلق لا يمكن ايقافه"، هذا على الرغم من أنه حسب اقواله قام بنقل رسائل غير مباشرة لحماس قبل ذلك ببضعة اسابيع حول رغبته الامتناع عن الحرب في غزة.
يؤكد نتنياهو بأثر رجعي على ما كان يمكن توقعه في حينه من سلوكه: اختطاف وقتل الفتيان في غوش عتصيون على أيدي خلية لحماس في الخليل وضعه في الزاوية التي لم يتمكن من الخروج منها. العثور على الجثث في 30 حزيران، واضافة الى ذلك التحذيرات الاستخبارية حول تخطيط حماس لتنفيذ عملية كبيرة بواسطة نفق في كرم أبو سالم في حدود القطاع. وقد استخدم عليه ضغط مزدوج. وقام متظاهرو اليمين المتطرف باصطياد المارة العرب في شوارع القدس، وأمطره الوزراء واعضاء الكنيست في الائتلاف بالتصريحات الحربجية، فوجد رئيس الحكومة نفسه في حرب لم يخطط ولم ينوي القيام بها.
وتملص نتنياهو من جوهر ملاحظات المراقب حول دور حكومته في التصعيد. الجدل الايديولوجي مع رئيسة ميرتس، زهافا غلئون، في جلسة اللجنة، قدم له خدمة، وسمح له بقول ما هو مفروغ منه تقريبا: ليس هناك حل سياسي مع حماس، هذه المنظمة التي تعيد صياغة ميثاقها الآن لا تريد الاعتراف باسرائيل أو التوقيع معها على اتفاق سلام. ولكن ليس هذا ما كتبه المراقب، يوسف شبيرا، ورئيس القسم العسكري في مكتبه، العقيد احتياط يوسي باينهورن في تقريرهما. البديل السياسي الذي تطرقا اليه كان على الجدول عشية الحرب. وكان يتعلق بتخفيف الحصار في غزة وضمان استمرار دفع الرواتب لعشرات آلاف موظفي السلطة في القطاع. نتنياهو، بضغط من وزير الخارجية في حينه، افيغدور ليبرمان، رفض ذلك (وزراء آخرون مثل موشيه يعلون وتسيبي ليفني ويئير لبيد، الذين يشتكون الآن، لم يفعلوا ما يكفي لتحقيق هذا البديل في حينه).
في هذه الأثناء، في ظل وجود ليبرمان كوزير للدفاع، يعود نتنياهو الى نفس المواقف، خطط تخفيف الحصار على غزة تتقدم ببطء، مشروع الجزيرة الاصطناعية الذي يقترحه الوزير اسرائيل كاتس، لم تتم المصادقة عليه.
لقد ركزت العدسات بشكل طبيعي تقريبا على صراخ الألم للأهالي الثكلى د. ليئا غولدن وايلان ساغي في نشرات المساء، وبصعوبة تبقى مكان للأقوال الصحيحة التي قالتها د. اوريت حاي، التي قتل إبنها عومر في انهيار عيادة مفخخة في خان يونس. "هناك خطر دائم في استيعاب الانتقادات وتطبيق الاستنتاجات"، قالت لنتنياهو، "لا يجب أن يتكرر هذا، يجب تطبيق التقرير. هذا هو واجبك الاخلاقي نحو من سقطوا، كي لا نجد أنفسنا من جديد مع نفس الاستنتاجات". على خلفية خطوات الحكومة في أعقاب تقرير المراقب وسياستها الحالية، مشكوك فيه اذا كان طلب الأم سيتحقق. ورغم ذلك فان الخط الذي طرحه نتنياهو لافت وهام. فهو يعرف أن هناك أمور كثيرة قد تتشوش في الحرب، ودوره هو منع الحروب بقدر الامكان وقيادة اسرائيل في ظروف عاصفة بأقل ثمن.
اقوال نتنياهو تعززت في اللقاء الذي تم في نفس اليوم بين المراسلين وبين من سيسمى هنا ضابط رفيع المستوى في الجيش الاسرائيلي. صحيح أن الجيش يقوم بالتدريبات العملياتية التي يتعلق بعضها بالساحة الجنوبية، لكن الضابط عاد وأكد على موقف هيئة الاركان، بأن اسرائيل لا يجب عليها المبادرة الى الحرب فقط بسبب تقدم قدرة العدو – في هذه الحالة، بسبب الانفاق الهجومية لحماس، ستجد اسرائيل نفسها في حرب متواصلة، "حرب المئة سنة".
وقد ذكر ايضا الخط العقلاني الذي انتهجه الجهاز العسكري في بعض الاحيان وبدعم من حكومة نتنياهو أمام موجة عمليات الطعن والدهس التي اندلعت في تشرين الاول 2015. التصميم على استمرار تمكين عشرات آلاف العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية من العمل في اسرائيل في ذروة "الارهاب"، ساعد على تهدئة الاوضاع، وكذلك ضبط النفس النسبي الذي فرضته أوامر استخدام النار في الميدان، رغم طلب بعض الوزراء من الجنود اطلاق النار أولا ومن ثم التفكير في الامر. "لو كنت اقول إن كل من يحمل سكينا يجب أن يموت، لكنا مع 800 قتيل فلسطيني وانتفاضة ثالثة"، قال الضابط.
شرق اوسط مختلف
في مثلث اتخاذ القرارات، الى جانب نتنياهو وهيئة الاركان، هناك ضلع آخر هو وزير الدفاع (خضوع المستوى العسكري للمستوى السياسي واضح، رغم أن دور الجيش في رسم السياسة أكبر من مكانته الرسمية في التسلسل الهرمي، كما أثبت قرار الامتناع عن قصف ايران قبل خمس سنوات). ليبرمان مع الفتيل الطويل الذي أصبح له منذ دخوله الى وزارة الدفاع في نهاية أيار الماضي، يتمسك بموقفه في أنه في ظل حرب اخرى في غزة يجب على اسرائيل العمل على اسقاط حكم حماس. وحسب مصادر عسكرية فان الفجوة بين موقف الوزير وموقف الجيش حول غزة واضحة في كل نقاش، حيث يحاول قادة الجيش اقناعه بأن الخطط التي أعدوها تُمكن من توجيه ضربة شديدة لحماس دون احداث الفوضى في القطاع.
ليبرمان يوجد الآن في ذروة جدول زمني سياسي مكثف. اليوم (أمس) من المفروض أن يلتقي في تل ابيب مع وزير الدفاع الأميركي، الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس، الذي جاء لزيارة أولى في الشرق الاوسط. في الاسبوع القادم سيشارك في مؤتمر في موسكو وعلى الهامش قد يلتقي مع نظيره الروسي سرجيه شويغو ووزير الخارجية سرجيه لافروف.
رغم التوتر الذي ساد في الاسبوعين الاخيرين بين واشنطن وموسكو بسبب استخدام نظام الأسد السلاح الكيميائي والقصف العقابي للولايات المتحدة لموقع سلاح الجو السوري، يبدو أن اجزاء الصورة الاستراتيجية التي سيقدمها وزراء الدولتين لليبرمان ستكمل بعضها. يمر الشرق الأوسط الآن بتغيير عميق آخر. حتى لو كانت سياسة ادارة ترامب في المنطقة بعيدة عن أن تكون مبلورة وواضحة، فان الولايات المتحدة ناجعة أكثر في الخطوات العسكرية في جميع أرجاء آسيا (القصف في سوريا، القاء أم القنابل في افغانستان، التهديد الذي تبين أنه خاطئ فيما بعد بارسال حاملة الطائرات الى شبه جزيرة كوريا). لقد زاد اهتمام البنتاغون بشكل كبير بما يحدث في الشرق الأوسط، كما تؤكد المحادثات بين الضباط الأميركيين مع نظرائهم الاسرائيليين في الاسابيع الاخيرة.
روسيا لا تظهر في الوقت الحالي أي تراجع امام ازدياد الاهتمام الأميركي. التحول الذي ضمن بقاء نظام الأسد في سوريا، تحقق بفعل تدخل روسيا العسكري في ايلول 2015 وفيما بعد، ومنذ استسلام حلب في كانون الاول الماضي تقدم روسيا مظلة جوية للنظام لاعادة السيطرة على مناطق اخرى في الدولة. "سوريا توجد في المكان الثاني الآن، وايران في المكان الاول. وماذا عن روسيا؟ إنهم أبناء الله"، قال رجل اعمال سوري لمراسلة "الغارديان" البريطانية التي تحدثت هذا الاسبوع من دمشق.
وفيما يتعلق بما يحدث في الشمال، قال الضابط الرفيع في محادثة له مع المراسلين بأن اطلاق الصاروخ السوري المضاد للطائرات على طائرات سلاح الجو الاسرائيلي اثناء القصف في سوريا في نهاية الشهر الماضي يعكس الثقة الزائدة بالنفس للنظام على ضوء نجاحاته العسكرية. ولكن هل يمكن أن تكون روسيا هي التي شجعت الأسد على التصعيد ضد اسرائيل؟ وما الذي عرفته موسكو عن نوايا النظام السوري القاء غاز السارين في خان شيخون؟.
في عهد ترامب بالتحديد، يبدو الشرق الأوسط في الاسابيع الاخيرة من جديد حلبة للعب القوى العظمى – الرئيس بوتين يصمم على مكانة روسيا كقوة عظمى، رغم ضعفها الاقتصادي مقارنة مع الولايات المتحدة. في ظروف كهذه اصبحت اسرائيل مرة اخرى لاعبا ثانويا مطلوب منه عدم الازعاج. وترامب بقي غير متوقع وأولوياته (الصراع ضد داعش أو الأسد في سوريا؟ السلام بين اسرائيل والفلسطينيين؟ استئناف العقوبات على ايران؟)، أنا لا أعرف. ومثلما تجاوز نتنياهو بحذر موضوع الاستعدادات لتجميد البناء في المستوطنات امام الادارة الجديدة، يمكن أنه سيحذر الآن من القيام بخطوات أحادية في قطاع غزة.
في هذه الظروف ايضا، يبدو أن اسرائيل توجد على بعد خطأين – ثلاثة أخطاء من اندلاع الحرب. والسطر الاخير في تقديرات الاستخبارات العسكرية لعام 2017 يشبه السنوات السابقة: لا توجد اشارات على نشاط هجومي مقصود للعدو، لكن هناك احتمالية عالية للمواجهة بسبب حدث تكتيكي خطير أو عدد من الاحداث المتبادلة.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال