!مدينة الحدائق والينابيع تفقد تلها القديم
جنين- حياة وسوق- أسامة العيسة- تمثل حالة تل جنين الأثري، نموذجا للتدمير الذي تعرضت له نسبة كبيرة من المواقع الأثرية الفلسطينية، نتيجة الإهمال، والجهل، والمصالح التي تعلو على أي جهد للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني، والتاريخ الممتد إلى آلاف السنوات.
تبعد مدينة جنين 43 كم شمال مدينة نابلس، وتقع على الطريق التجارية القديمة من نابلس إلى مدينة حيفا، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويتم الوصول إليها عبر وادي بلعمة، وسهل مرج ابن عامر، واللجون.
ترتفع جنين، نحو 100 – 250 مترا فوق مستوى سطح البحر، ما أهلها لتكون "سلة غذاء" مهمة، ساعد في ذلك ينابيعها المتعددة.
يذكر دليل لوزارة السياحة والآثار بان اسم جنين: "اشتق من عين جينيم إشارة إلى الينابيع الوفيرة في المنطقة. وكانت جنين تعرف باسم جينا في رسائل تل العمارنة المكتشفة في مصر التي تعود للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، وسميت باسم جينا في الفترة الرومانية، وجرين الكبيرة في الفترة الإفرنجية".
جنين الآن مدينة خلابة، تقع فوق سفوح تلة تحيط بها بساتين أشجار الخروب والتين والنخيل، وتتميز بمنتجاتها الزراعية وبها وفرة من الفواكه والخضار.
وتغيب هذه الصورة الرومانسية للمدينة الدافئة المستوية، في لجة الأخبار التي ترصد الاعتداءات الاحتلالية المستمرة على المدينة ومخيمها، وقراها المختلفة، والحصار الذي تتعرض له أسوة بالمدن والقرى الفلسطينية المحتلة.
لا تل في جنين
أنشئت مدينة جنين التاريخية على التل الواقع وسط المدينة الحالية، الذي لم يتبق منه سوى أكوام رملية، تحدها من الجانبين موقف خاص للمركبات، وموقف المركبات العمومية الرئيس.
وفي الجانب الشمالي لما تبقى من التل، يوجد مقهى مرتفع يذكر بالحياة المفعمة التي شهدها التل في فترات موغرة في القدم، إضافة إلى محلات ومطاعم شعبية.
أجرى معهد الآثار التابع لجامعة بيرزيت، حفريات أثرية في التل في نهاية سبعينيات وحتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وكشفت عن فترات مهمة في تاريخ (مدينة الحدائق). الفريق الفلسطيني تمكن من العثور على طبقات من العصر الحجري الحديث (نحو 8000 ق.م) حيث بدأ فيه الإنسان باستخدام الزراعة، وعثر على العديد من الأدوات المصنوعة من حجر الصوان، وتم الكشف أيضا عن بقايا أبنية تعود للعصر البرونزي المبكر (نحو 3500 ق.م).
تحتفظ جامعة بيرزيت باللقى التي عثر عليها خلال الحفريات، وهي موجودة في معهد الآثار في الجامعة.
خلال فترات لاحقة، ردمت الخنادق الأثرية التي حفرها فريق جامعة بيرزيت، ويمكن القول الآن، بأنه لم يعد هناك وجود لتل جنين الأثري الذي يكتسب أهمية مثل باقي التلال في المدن الفلسطينية القديمة كتل عين السلطان في أريحا، وتل تعنك، وتل الرميدة في الخليل.
وربما تتمكن جهود مقبلة، من الحفاظ على القليل المتبقي في تل جنين، وبناء متحف تعرض فيه اللقى الأثرية المكتشفة.
ما يمكن أن يراه من يقرر تكبد تسلق الكتلة الرملية المتبقية غرف مهجورة متناثرة لاستيطان حديث على التل، أمامها شجرة ليمون.
أسواق وتذكارات
الاستيطان البشري اللاحق في جنين لم يبعد كثيرا عن منطقة التل، فالأسواق الشعبية ومواقف المركبات المستخدمة اليوم تقع في المنطقة، وليس بعيدا عنها يقع السيباط، وهو السوق القديمة، التي شكلت بمثابة (القصبة) للمدينة، وما زال السيباط مستخدما حتى الآن، ليس فقط كسوق تجارية ولكن أيضا هناك بعض المعالم الثقافية مثل مكتبة جنين العامة.
على بعد أمتار مما تبقى من التل، أقيمت سينما جنين، التي تم إحياؤها، لتشكل فسحة ثقافية وفنية في المدينة، ولكن في النهاية يبدو أن الحسابات التجارية والاستثمارية هي التي رجحت.
ولاعتبارات قد لا يكون المبادر فيها الجانب الفلسطيني، يظهر (التذكار الألماني) وهو عبارة عن نصب وسط المدينة، شيدته بلدية جنين بالتعاون مع الحكومة الألمانية "تخليدا للطيارين الألمان من كتيبة الطيارين 303 وسرب المقاتلين 1 الذين سقطوا في فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، حيث تمركز الطيارون في مدينة جنين بين الأعوام 1917 و1918م وأقاموا معسكرا ومطارا فيها من أجل مساعدة حلفائهم الأتراك في المعارك الجوية ضد القوات الفرنسية والانجليزية".
تدمير وحماية
تعد محافظة جنين، في جغرافيا ما بعد النكبة والنكسة، المدخل الشمالي للضفة الغربية المحتلة، وتمتد باتجاه محافظة نابلس من الجهة الجنوبية، ومن الشرق محافظة طوباس والأغوار، ومن الغرب قرى شمالي محافظة طولكرم والخط الأخضر.
في مسح المواقع الأثرية الفلسطينية الذي نفذه المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار) وصدر عام 2002، نعثر على أرقام دالة فيما يخص محافظة جنين: "تحتوي المحافظة على 305 مواقع ومعالم أثرية، وتشكل ما نسبته 11% من المواقع الأثرية التي تم تسجيلها في الضفة الغربية، تتوزع في 67 تجمعا سكنيا، حيث يلاحظ ان بعض هذه التجمعات – نتيجة لصغر حجمها – تحتوي على موقع واحد فقط. لقد تم الوصول من خلال التسجيل إلى 111 موقعا رئيسيا ما بين خربة وتل وبلدة قديمة أي ما نسبته 32% من المواقع والمعالم الأثرية في المحافظة، وما تبقى عبارة عن معالم وبقايا متناثرة مثل: مغائر 19%، ومقامات 13%، وقبور 15%، هذا بالإضافة إلى المعالم مثل: مساجد ومعاصر".
وتبين من خلال معطيات التسجيل الميداني أن: "189 موقعا ومعلما، أي 62% من المواقع والمعالم في المحافظة تعاني من تدمير جزئي، وعلى ضوء ذلك تم وضع 589 توصية من أجل حماية مصادر التراث الثقافي، حيث تحتاج 40% منها إلى حماية، كما أن 27% من المواقع بحاجة ماسة إلى تنظيف، وبعض هذه المواقع تحتاج إلى ترميم ودراسة وتوثيق".
مواضيع ذات صلة
"فتح" في اليوم العالميّ للعمال: العمال الفلسطينيّون رافعة للمشروع الوطني وركيزة لبناء الدولة
مصطفى يهنئ نظيره العراقي لمناسبة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!
محافظة القدس: إصابات واعتقالات واعتداءات متصاعدة في عدة مناطق
"مراسلون بلا حدود": تضييق إسرائيلي متواصل على حرية الصحافة منذ حرب غزة
المجلس الوطني: أوضاع العمال كارثية في ظل الحصار والعدوان
"الغذاء والدواء" السعودية تُكمل استعداداتها لخدمة ضيوف الرحمن في موسم الحج