عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 19 كانون الأول 2016

أقدم "مصلحاتي" دراجات هوائية في غزة

استراحة الحياة

توفيق المصري

مع نسمات الصباح التي يرافقها انسياب خيوط الشمس التي تتجدد معها "الهمة والنشاط" يسرع الحاج محمود كحيل أبو محمد "61 عامًا" خطاه على دراجته الهوائية من مسكنه في حي الرمال غرب مدينة غزة إلى ما كانت تعرف قبل عقود "فوق المدينة" أي وسط مدينة غزة من شارع الوحدة.
وحين تتخطى قدماك باب محله تجد أن الأعمال التي يقوم بها الحاج كحيل تسترعي انتباه المارة، وكأن أعينهم تتحدث أن هذا الرجل لديه من العزيمة والتحدي ما يفوق الشباب.

وبينما تتأمل هذه العزيمة، تجد أن عقلك يحدثك أن كبارنا وحدهم من ركبوا قطار الحياة وجالوا التاريخ، وأنهم وحدهم من يحفظون ويذكرون التاريخ عن ظهر قلب.

وبينما يمسك المسن كحيل بأداة دائرية تستخدم لتقويم أسياخ الإطارات مع تسخيره لنظره ويديه لتعديل إطار إحدى الدراجات المعوجة لزواره يقول: "أنا متخصص في تصليح الدراجات الهوائية، وبيعها وبيع قطع غيارها، وكل ما يلزمها".

بدأ كحيل ممارسة هذه المهنة مع والده عام 1950 في الوقت الذي كان يرتاد فيه المدرسة ويرتاد محل والده. وهو أقدم رجل في تصليح الدراجات الهوائية في القطاع.

يقول وهو يستكمل مهمة تعديل الإطار التي تأخذ من وقته نحو 15 دقيقة: "قضيت  أكثر من 45 عامًا في هذه المهنة، وقبل أن أمتهنها كنت منذ طفولتي مع والدي، وأذكر أنني حين كنت أرجع من المدرسة كنت أذهب للجلوس عند والدي في دكان تصليح الدراجات، المهنة التي ورثتها عن آبائي وأجدادي".

ويضيف: "شوي شوي تعلمت الصنعة، وبعدها كان والدي يسافر للخارج لبيروت ومصر والصين، وأنا كنت في دكان والدي وأقوم بالعمل، وكان لدينا عمال، وبعد عمر طويل توفي الوالد، وامسكت بزمام المهمة، والآن أمارس المهنة أنا وأولادي، ولدي 5 من الأولاد، 4 منهم يعملون معي والخامس يدرس في الجامعة".

همة ونشاط الحاج كحيل اليومية لإعالة أسرته؛ فدخله اليومي "تساهيل من ربنا" وأحيانًا يعمل في اليوم هو وأبناؤه الأربعة بـ 100 شيقل، وأحيانًا لا يتعدى ذلك، ودخل الحاج كحيل ما هو إلا مصروف للأولاد ومأكل ومشرب.

ويشتكي الحاج كحيل من الضرائب الباهظة التي يدفعها مقابل بضائعه التي يستوردها في الوقت الحالي، ويطالب السلطة الفلسطينية بتسهيل عملية الاستيراد للقطع التي يحتاجها، ويطالب سلطة الامر الواقع بغزة بالتخفيف من حدة الضرائب التي تفرضها.

ويستحضر الحاج كحيل التاريخ قائلاً: إنه قام بتصليح دراجات الضباط المصريين فترة الوصاية المصرية على القطاع، وبعدها الضباط الدوليين، وأنه حصل على وكالة لتصليح وصيانة دراجات البريد في عام 1973 فترة الاحتلال الإسرائيلي، ووكالة لتصليح دراجات البلديات على عدة فترات، ويستذكر أنه في فترة الاحتلال الإسرائيلي كان المستوطنون يرتادون القطاع كل يوم سبت للتسوق، وشراء الدراجات الهوائية منه.

يجلس الحاج كحيل في محله في شارع الوحدة منذ عام 1970، وكان قبل هذا التاريخ يعمل في محل بمنطقة السكة القريبة من حي الشجاعية على شارع صلاح الدين شرق مدينة غزة -على موقف المحطة وقتها-.

وعن أشهر ماركات الدراجات الهوائية التي بدأ العمل بها الحاج كحيل وما زال  يعمل بها، يقول: "كنا في البداية نعمل مع شركة فيلبس Phleps وهي شركة بريطانية، وبعدها عملنا مع الألمان في دراجات ألمانية، من شركة بيجو، وبسكليت أبو جحشين "الروفر" أبو "ماصورتين"، ما زلنا نستورده، لكنه هندي الصنع وليس يابانيًّا كما كنا نستورد من قبل؛ لأن تكلفته أقل، واليوم أصبحت هناك أنواع بغيارات صينية الصنع تأتينا عن طريق إسرائيل، واليوم يباع  الواحد من هذا النوع بألف شيقل، و500 شيقل، و300 شيقل".

ويوضح الحاج كحيل أن هناك إقبالاً على الدراجات الهوائية مقارنة بالماضي ويقول: "اليوم يوجد إقبال على الدراجات الهوائية، وكثير من الناس يركبون الدراجات الهوائية من الكبار والصغار والأطفال".

 

الاحتلال دفعه لشراء بضاعته مرتين!

ويستطرد الحاج كحيل بذكر الأوضاع التي مرت عليه في مهنته: "كنا نعمل مع السائقين المصريين، وكان يرسلون لنا البضائع في الترين منذ عام 1965 وحتى شهر 6 من عام 1967 مع حرب عام 1967 التي قطعت بعدها الخطوط، وكنا وقتها نبيع فقط الدراجات الهوائية وماكينات خياطة وراديوهات ومنتجات زجاجية، وهذا كله كنا نستورده عن طريق مصر، وكنا نستورده عن طريق خط التوصيل مع غزة وكنا نشحن البضائع من لبنان لمصر، ومن ثم من مصر لغزة، وبقي الترين يعمل حتى عام 1967".

ويتابع: "وحين احتلت اسرائيل قطاع غزة كانت بضاعتنا في محطة القطار في غزة، وحين وقعت الحرب تعرضت للسرقة، والتأمين المصري عوضنا بشكل جزئي، وبضاعتنا كانت تأتينا فيما كان يعرف "فراجونات"، وبعد سرقة البضاعة، أصبحنا نشتريها من الناس".

ويذكر الحاج كحيل أنه في بداية تجارته هو والده بالدراجات الهوائية في عهد الوصاية المصرية على القطاع كانوا يبيعون الدراجات بالتقسيط وبدأت تجارتهم بـ 10 دراجات وسعر الدراجة كان يصل 20 دينارًا، وبعد الاحتلال الاسرائيلي لقطاع غزة بدأوا عملية الاستيراد بشكل موسع وكانت بداياتها 300 دراجة، ومن ثم ازدادت الكمية الى 500 دراجة ثم 1000 دراجة.

يشَّبه الحاج كحيل نفسه بلاعب كرة القدم الذي يلحق بالكرة ويقول بشغف: "بالنسبة لممارستي لهذه المهنة أنا كلاعب الكرة، فحين أرى دراجة هوائية على التلفاز أبقى أبحث عنها، وفي أثناء عملي أنا أعشق الدراجات الهوائية، وكنت أركب الدراجة من غزة لرفح، ومن غزة للمجدل".
يتمنى الحاج كحيل أن يرفع الحصار عن قطاع غزة، ليؤدي الصلاة في القدس التي لم يزرها منذ عام 2000.