عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 كانون الأول 2016

عدادات المياه مسبقة الدفع.. هدر لحقوق المواطن أم حماية للمال العام؟

ديون المياه تجاوزت 1.1 مليار شيقل في فلسطين

حياة وسوق

 بشار دراغمة وولاء أبو بكر

بلديات رفضت استقبال عدادت المياه مسبقة الدفع، وبلديات ومجالس قروية أخرى رحبت بها وسارعت إلى تركيبها في منازل المواطنين محاولة تقليص ديون المياه المتراكمة بهذه الطريقة، في وقت حاولت فيه بلديات أخرى جعل الأمر اختيارا للمواطنين لكنها لجأت إلى محاولة الإقناع بها وجعلتها إلزامية للقطاعين التجاري والصناعي ومن تراكمت عليهم ديون كبيرة.

وفي الوقت الذي تجاوزت فيه ديون المياه 1.1 مليار شيقل في فلسطين، تحاول الجهات ذات العلاقة وضع حد لتراكم هذه الديون من خلال تركيب عدادات مياه مسبقة الدفع، ورحبت بعض البلديات بالفكرة ورفضتها أخرى وتعاملت ثالثة معها بشكل جزئي.

وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض البلديات القول إن تركيب العدادات مسبقة الدفع تم برضى من السكان، أكد مواطنون أنهم لم تتم استشارتهم بالموضوع، ورُكبت العدادات لهم بشكل إجباري.

وقال الصحفي نافذ أبو حسان من بلدة طمون إن بلدته هي أول من قام بتركيب عدادات المياه مسبقة الدفع و"بالإكراه"، مضيفا "هذا تم ضد القانون الاخلاقي والاجتماعي، حتى أن شبكة المياه حديثة في البلدة وانجزها الفرنسيون منذ عام لكن بعد انجازها بأسبوع بدأت البلدية بخصم خمسة شواقل شهريا على المواطن بدل صيانة شبكة مياه. ويطرح أبو حسان تساؤلا "في حال منع تجول او حدوث عائق طبيعي لمدة يومين.. وانتهى شحن الماء  والكهرباء .. كيف سأحصل على هذه الخدمة؟ الظروف لا تسمح أبدا بالدفع المسبق في بلادنا".

وقال المواطن سالم من بلدة عقربا إنه غير راض عن تركيب العدادات مسبقة الدفع وأضاف "تفاجأت بموظفي البلدية أمام منزلي ويريدون تركيب العداد ولم اكن أملك خيارا بالرفض أو الموافقة فاضطررت للتعاون معهم".

ويوضح سالم انه "لم يكن يعلم أن هذه العدادات تنتهك حقوق الإنسان" ولو علم بذلك مسبقا لرفض تركيبها، مشيرا إلى أن البلدية حاولت ترويجها على أنها خدمة جديدة تقدمها للمواطن وأن العداد يتم تركيبه مجانا.

ويرفض رؤساء البلديات والمجالس القروية الحديث حول الموضوع من زاوية انتهاكهم لحقوق الإنسان ويؤكدون أن هذه العدادات هي مشاريع ممولة من دول ومؤسسات دولية والهدف منها الحد من ديون المياه على المواطنين.

ويبدو الامر مختلفا في مدينة نابلس، حيث تحاول البلدية تركيب هذه العدادات بموافقة المواطنين وفق تأكيدها وجعلت الأمر إلزاميا للقطاعين التجاري والصناعي ومن تراكمت عليهم ديون كبيرة جدا من المواطنين.

لكن إياد عنبتاوي رئيس جمعية حماية المستهلك في محافظة نابلس أكد لـ"حياة وسوق" أن البلدية تحاول تركيب العدادات مسبقة الدفع بصمت، وتحاول انتزاع موافقة المواطنين على تركيبها حتى يبدو الأمر برضى المواطن وليس عكس رغبته.

وأشار عنبتاوي إلى أن موقف الجمعية واضح تجاه هذه القضية وهو رفضها المطلق لتركيب العدادات مسبقة الدفع لمنازل المواطنين لما لها من انتهاك لحقوق الإنسان كما أن البنية التحتية غير جاهزة في فلسطين".

وتساءل عنبتاوي "في حال انقطاع التيار الكهربائي يذهب المواطن ويشحن الكرت ويضعه في العداد ويعود التيار الكهربائي إلى منزله، لكن هذا لا يحدث في موضوع المياه، فهي غير متوفرة على مدار الساعة ويوجد ساعة محددة لكل حي وشارع لوصول المياه إليها".

ودعا عنبتاوي المواطنين إلى عدم الموافقة على تركيب هذه العدادات ومن يتم اجباره أو محاولة ذلك أن يتوجه بشكوى إلى جمعية حماية المستهلك لمتابعة القضية، مبينا أن المواطنين لم يقدموا أية شكاوى إلى الآن.

يُذكر أن المجلس البلدي السابق في نابلس استقال على اثر احتجاج المواطنين على هذه العدادات ومحاولة البلدية تركيبها.

نائب رئيس بلدية نابلس خالد قادري يقول لـ"حياة وسوق" "نحن مع فكرة تركيب عدادات مسبقة الدفع للمواطنين، إذ نقوم بتغيير العداد الميكانيكي إلى عداد مسبق الدفع بشكل مجاني دون دفع أي رسوم، لأن جميع العدادات قُدمت من اليابان".

ويضيف قادري "حديثا تم إتباع إجراءات معينة بتركيب العدادات مسبقة الدفع فالمنازل لم نفرض عليها التركيب الإجباري وتركنا للمواطنين حرية الاختيار أما الاشتراكات المؤقتة كورش البناء، والاشتراكات التجارية والصناعية ذات الديون العالية وأية مصانع (مناشير الحجر والمطاعم) والاشتراكات المنزلية غير القانونية، كل ذلك يتم تركيب عداد مسبق الدفع بشكل إجباري".

ويتابع قادري "يفتقد كثير من المواطنين ثقافة الدفع لفاتورة المياه وكثير منهم لا يلتزم بالدفع لذلك نشجع على تركيب العدادات المسبقة الدفع لما لها من مزايا بحيث يحظى المواطن بخصم 7% ولا يتم وضع الحد الأدنى عليه، لكن في بلدية نابلس تم إصدار قرار بعدم إجبار أي شخص على تركيب عداد مسبق الدفع خاصة القطاع المنزلي".

ويؤكد قادري "انه تم تركيب 672 عداد مسبق الدفع حتى اللحظة، منها 450 للاشتراكات المنزلية و79 للاشتراكات التجارية و4 للقطاع الصناعي و101 لورش البناء، وتمت التوصية على ما يقارب ألف عداد وذلك بناء على طلب الكثير من المواطنين خاصة الذين يأتون زيارات ليتخلصوا من دفع الحد الأدنى".

يقول قادري "يوجد مركز صيانة وفحص عدادات مسبقة الدفع وتم افتتاحه منذ عدة أيام ومدعوم من اليابانيين وباعتقادي انه سيكون شيئا ايجابيا باتجاه تعزيز ثقافة الدفع لدى المواطن".

ويضيف انه لا يرى بوضع العدادات مسبقة الدفع انتهاكا لحقوق الإنسان قائلا: "نحن نعطي الماء لكل إنسان ولا نفصلها عن احد ولكن يجب على المواطن أن يدفع ثمن التزامه لوصول الخدمة له في المنزل".

 مضيفا "الماء يختلف عن الكهرباء في عدادات الدفع المسبق بحيث إذا تأخر المواطن عن شحن كرت المياه فانها ستبقى موصولة للمنزل لمدة يومين أو ثلاثة حتى يتم الدفع فيكون باستطاعته حل المشكلة خلال ثلاثة أيام ونحن لا نقبل أن يكون منزل في نابلس لا تصله المياه، هدفنا إيصال الخدمة لكافة المنازل بطريقة مناسبة".

وحول ما أورده مواطنون من نابلس لـ "حياة وسوق" بأنهم تعرضوا لمحاولة الإجبار بتركيب العدادات الجديدة قال قادري ""في حال حدثت قصص تحايل أو إقناع في تركيب عداد أرجو من المواطن التوجه لرئيس البلدية أو نائبه أو مدير البلدية ونحن نقوم بالمتابعة، بدورنا لا نقبل أن يكون هناك تحايل أو إقناع وأي مشكلة أرجو التوجه لنا ونحن نقوم بحلها".

ويرى الدكتور عمار دويك، رئيس الهيئة المستقلة لحقوق المواطن إن الآلية التي يتم تطبيق فيها نظام عدادات المياه مسبقة الدفع قد تجحف بالطبقة الضعيفة في المجتمع خاصة الفقيرة منها، الذين لا يسمح دخلهم الضعيف بشراء المياه بالكميات الكافية لهم، مضيفا "لذلك نطالب بالترتيبات المناسبة خاصة للفئات الأكثر فقرا إما من خلال إعفائهم أو مساعدتهم، عدا عن ذلك سياسة الاحتلال في تأخر وصول المياه لبعض المواطنين فهناك منهم من يقوم بالدفع ولكن تصله المياه بشكل متأخر".

ويضيف دويك لـ"حياة وسوق" "دورنا في خدمة المواطن في هذا الموضوع هو التأثير في السياسة وعمل حملات توعية، بالرغم من انه لم تصلنا شكاوى كثيرة في الموضوع، وفي حال وصول شكاوى وكان المواطن فقيرا نحوله للشؤون الاجتماعية أما إذا كانت لسوء الخدمة فنحوله لسلطة المياه".

ولا يعتقد دويك أن عدادات المياه مسبقة الدفع تمثل شكلا من أشكال الفساد إنما "هي  مساس بحق من حقوق الفقراء لأن المياه هي حق لكل إنسان وهي حق أساسي".

وينص مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على أن "حق الإنسان في الحصول على مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي مستمد من الحق في مستوى معيشي لائق ويرتبط ارتباطاً لا انفصام له بالحق في أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية، فضلاً عن الحق في الحياة وفي الكرامة الإنسانية".

كما أقرت الجمعية العامة للأم المتحدة بضرورة أن "تكون إمدادات المياه لكل شخص كافية ومستمرة لتغطية الاستخدامات الشخصية والمنزلية، التي تشمل المياه لأغراض الشرب، وغسل الملابس، وإعداد الطعام، والنظافة الصحية الشخصية والمنزلية، ويجب تأمين الوصول المادي إلى مرافق المياه والصرف الصحي وضمان أن تكون تلك المرافق على مسافة مأمونة في متناول جميع القطاعات السكانية، مع أخذ احتياجات الفئات الخاصة بعين الاعتبار، ومنها المعوقون والنساء والأطفال والمسنون ويجب أن تكون تكلفة خدمات المياه في متناول الجميع. وينبغي ألا يُحرم أي فرد أو جماعة من الحصول على مياه الشرب المأمونة بسبب العجز عن دفع تكلفتها".