عاجل

الرئيسية » منوعات » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 23 تموز 2015

الآثار الوخيمة للنزاع المسلح في كولومبيا على البيئة

بوجوتا- الحياة الجديدة- "د ب أ" - باتت قضية البيئة تحتل مكان الصدارة في مسألة الصراع المسلح الذي يعصف بكولومبيا منذ ما يربو على خمسة عقود حتى الآن، نتيجة للعملية العسكرية التي أطلقتها ميليشيات القوات المسلحة الثورية في كولومبيا (فارك) منذ حزيران/ يونيو الماضي، ضد منشآت للصناعات البترولية وبنيتها التحتية والتي تسببت في أضرار جسيمة لا حصر لها.

وإذا كانت الخسائر التي تكبدتها كولومبيا خلال فترة الصراع تقدر وفقا للأرقام بنحو 220 ألف قتيل وأكثر من 15 ألف مختف وما يربو على خمسة ملايين من النازحين، فإن الأضرار التي لحقت بالبيئة لم يتم حصرها بعد، وإن كان من المنتظر أن يتم ذلك في إطار عملية السلام بين الحكومة وجماعة الفارك، والتي بدأت في كوبا عام 2012.

جدير بالذكر ان استهداف المنشآت البترولية من قبل ميليشيات فارك وجيش التحرير الوطني (إلن) قد بدأ قبل ثلاثة عقود، ولكن هذه العملية بلغت أقصى درجات العنف في الآونة الأخيرة.

يذكر أنه بالرغم من أن فارك، كانت قد أعلنت أنها ستبدأ عملية وقف إطلاق نار أحادي الجانب اعتبارا من 20 تموز/ يوليو الجاري، كانت قد نقضت أواخر آيار/ مايو، الماضي وقف إطلاق آخر كانت قد أعلنت التزامها به في كانون أول / ديسمبر 2014، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف هجمات ميليشياتها على خطوط أنابيب النفط وشاحنات الصهريج التي تنقل الخام من مناطق الانتاج.

وكانت أولى الاعتداءات الإرهابية الكبيرة قد وقعت في الثامن من حزيران/ يونيو الماضي، حينما أجبرت عناصر فارك سائقي 19 شاحنة صهريج على تفريغ محتويات شاحناتهم التي تقدر بـ500 برميل نفط في أحراش الأمازون، مما تسبب في أضرار بالغة بهذه المنطقة الحدودية بين إكوادوروبيرو وكولومبيا.

أما أخطر الهجمات فقد وقع في الثاني والعشرين من الشهر الماضي، عقب هجوم بعبوات متفجرة أدى لتدمير خط أنابيب تراس أندينو، القريب من ميناء توماكو، التي تعد واحدة من أفقر المناطق المطلة على سواحل المحيط الهادئ. نجم عن هذا الهجوم إهدار 10 آلاف برميل نفط مما تسبب في تلويث أحد الجداول ونهرين صغيرين ونحو عشرة كيلومترات من الشريط الساحلي المطل على المحيط الهادئ.

وفضلا عن الأوضاع المأسوية التي يعاني منها نحو مئتي ألف من صيادي الأسماك تعاني مقاطعة توماكو من نقص شديد في مياه الشرب جراء هذه الهجمات، حيث بلغ امتداد بقعة الزيت 80 كبلومترا، مما أثر بشدة على شبكة مياه الشرب.

من جانبه يؤكد وزير البيئة مانويل رودريجز أن الأضرار التي لحقت بالبيئة بدأت مع اندلاع شرارة النزاع المسلح، إلا أنه لم يلتفت إليها أحد بهذا القدر من الاهتمام سوى الآن، كنتيجة مباشرة لبدء عملية السلام.

كما يلفت رودريجز الانتباه إلى أن حدة النزاع لم تؤثر على المناطق الحضرية، بل تركزت بصفة أساسية في منطقة غابات الأمازون والتي تتواجد بها الغالبية العظمى من الثروة الحيوانية والنباتية الطبيعية التي تتمتع بها كولومبيا فضلا عن مصادر المياه العذبة، فيما يؤكد الوزير أن "تدمير المنظومة البيئية ليس عملا ثوريا على الإطلاق"، مشيرا إلى أن ما حدث منذ حزيران/ يونيو الماضي، يعتبر أسوأ كارثة بيئية تعرضت لها كولومبيا منذ عقود طويلة.

توضح دراسة أجرتها هيئة البترول الكولومبية (ACP)، التي تشرف على الشركات الخاصة العاملة بالمجال، أن هجمات الميليشيات المسلحة أدت إلى إهدار أكثر من أربعة ملايين برميل بترول خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نجم عنها أضرار فادحة على الكثير من الأنهار، والمحاصيل الزراعية والأدغال البكر بأحراش الأمازون ومناطق محمية فضلا عن أضرار أخرى لن يتم رصدها أو حصر تبعاتها على الإطلاق.

من جانبه يؤكد رئيس هيئة البترول فرانسيسكو يوريدي قائلا " تعتبر ميليشيات الفارك وإلن المتسبب الرئيسي في نحو 90% من الأضرار الكارثية التي لحقت بالبيئة، فقد تسببت خلال العام الجاري فقط في إلقاء إحدى عشر ألف برميل نفط خام في أنهار وبحار وآبار مياه وجداول، أثناء الهجمات التي ارتكبتها هذه الميليشيات".

ولهذا طالب مجلس الدولة -أعلى هيئة قضائية في البلاد- الحكومة، بإدراج ملف الأضرار البيئية على جدول مباحثات السلام الجاري التفاوض بشأنها مع الفارك في هافانا، من منطلق أن الموراد والثروات البيئية محمية ضمنا بموجب الدستور، ومن ثم فإنه بموجب المادة 55 من معاهدة جنيف، المعنية بالصراعات المسلحة، يجب الحرص على عدم الإضرار بالبيئة والعمل على حمايتها خلال النزاعات المسلحة سواء الإقليمية أو على الصعيد الدولي.

جدير بالذكر أن أجندة المفاوضات الجارية بين الحكومة الكولمبية والفارك تتضمن العمل على استعادة البيئة في المناطق التي نمت بها مزروعات الكوكا، إلا أن وزارة البيئة ترى أنه يتم التعامل مع هذا الموضوع على أنه ثانوي في مجمل المباحثات الجارية من أجل التوصل للسلام.

أما الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس فقد اتهم ميليشيات فارك "بعدم العقلانية" بسبب التصعيد الذي اتبعوه في الآونة الأخيرة، فيما وصمهم بالنفاق والخسة لادعائهم الاحتفاء بخطبة بابا الفاتيكان فرنيسس خلال أول زيارة له لأمريكا اللاتينية، والتي ركز فيها على التوعية بضرورة حماية البيئة.

وتقر ميليشيات الفارك بالحاق أضرار جسيمة بالبيئة، إلا أنها تؤكد أنها "لم تكن مقصودة. لم نكن نستهدف الطبيعة"، فيما تلقي باللوم على الحكومة لرفضها قبول الهدنة المقترحة منذ الإعلان عن انطلاق عملية السلام.

وكانت حكومة بوجوتا قد حذرت من انهيار مباحثات السلام مع الفارك كرد فعل على عملية التصعيد التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض آخر فرصة للتوصل إلى حل تفاوضي للنزاع، أخذا في الاعتبار أنه إلى الآن لم تتوقف الهجمات على منشآت النفط، فيما تحبس البلاد أنفاسها تحسبا لما ستتمخض عنه المباحثات الجارية، في الوقت الذي لا تزال البيئة تعاني من الأضرار الجسمية الناجمة عن عمليات الفارك.