في مسابقة قلنديا تولد فلسطين حُرة
هآرتس – عميره هاس

توجد ندبة على الجبين، استضافة في بيت حجري عثماني لافت، أريكة تنقلت بين الحواجز وكثير من الطاقة الابداعية تشد خيطا مخفيا، لكنه قوي، بين عبلين في الجليل وبين رام الله. فيديو "مِنموسينا" لاناس حلبي، التي فازت في هذا الاسبوع بجائزة الفنان الفلسطيني الشاب لمؤسسة القطان، والتي تتم مرة كل عامين منذ العام 2000.
على مدى عشرة ايام في شهر حزيران قامت حلبي، باجلاس 17 شخصا من أبناء عائلتها بشكل منفصل على الأريكة في ساحة بيت الجد والجدة في عبلين. وسألتهم ثلاثة اسئلة متشابهة تتعلق بالندبة التي كانت على جبين الجد. وجعلتهم يُقسمون بأنهم لن يتحدثوا فيما بينهم عن الاسئلة التي تم توجيهها لهم. اجابات تسعة منهم تخلق فسيفساء مصورة تتركب من العودة الى التفاصيل. ولكن ايضا من الفوارق التي قد تنبع من النسيان أو من اعادة انتاج الذاكرة الجماعية.
حلبي (28 سنة) من مواليد القدس (والداها من مواليد الجليل، انتقلا بسبب العمل قبل سنوات الى العاصمة)، تقول إنها اهتمت دائما بهذه الامور: الذاكرة، بناء الذاكرة، النسيان، الذاكرة الجماعية التي تسير باتجاه الرواية التاريخية أو تتحول الى ميثولوجيا.
إن مسابقة الفنان الشاب على اسم حسن حوراني (رسام واعد، وكان أحد الفائزين بالمسابقة الاولى في العام 2000، والذي غرق في شاطئ يافا في 2003)، تحولت الى تقليد في رام الله وهي ديناميكية نظرا لحقيقة بحثها عن كفاءات جديدة. ولكنها تتداخل مع تقليد ديناميكي آخر يتشكل أمام ناظرينا: كمان للثقافة والفنون. منذ العام 2012 تلتقي مرة كل عامين مؤسسات الثقافة والفنون الفلسطينية في مشروع طموح ومتواصل يستمر حوالي شهر. وفيه يتم حوار موضوع مركزي واحد حول المعارض والجولات والنقاشات. وفي هذا العام كان الموضوع هو العودة.
في فترة الانقسامات السياسية والجغرافية المخيبة للآمال، وبسبب الاغتراب العميق بين المجتمع وقادته، تقترح مؤسسات الثقافة الفلسطينية نموذجا مختلفا: التخطيط، التنسيق، التوحيد والاندفاع. في العام 2012 توحدت خمس مؤسسات معا من اجل اقامة المسابقة الاولى. وفي هذه السنة، في المسابقة الثالثة، وصل العدد الى 15. هذا نموذج ناجح لدمج الافكار والقوى والتمويل، يسعى الى جذب المزيد من الناس الى الفنون وتعزيز مكانة الفلسطينيين في خارطة الفن الدولية.
فلسطين في هذا السياق هي كيان ديناميكي ايضا، تصل حدوده الى حيث يسكن كل فلسطيني وفلسطينية ممن يشاركون في المشروع أو يستطيعون المشاركة فيه كفنانين ومشاهدين. في الجزائر مثلا، تعيش الفنانة سومر سلام، وهي لاجئة مزدوجة، ولدت في دمشق في سنة 1988. وهي ابنة لعائلة فلسطينية هربت من سوريا ووجدت ملجأ لها في الجزائر. وفازت سومر بالجائزة الثانية في المنافسة على فيلم الفيديو باسم "مبنى لا يرحم": "بطانية نسجت بصنارة واحدة تغطي الجسم، مثل التي يتم اعطاؤها في الملجأ وتتمزق. حركات الاصابع المتكررة تقوم بفعل الشيء ونقيضه".
عبد الرحمن القطناني، من مواليد مخيم صبرا للاجئين في لبنان، عُرضت اعماله في اطار المسابقة في معرض جماعي في دار النمر للفنون والثقافة في بيروت. صديقه في الفيسبوك هو محمد حواجري، من مخيم البريج للاجئين، هو كنز المعرض الذي يتم في نفس الوقت في غزة. وقد شارك في مسابقات سابقة للقطان. وفي العام 2012 عرض عدد من الرسومات التي لا تُنسى والتي ينتقم فيها من الجنود بطريقة هزلية عنيفة – كانت رسوماته معروضة في معرض "المعمل" في القدس.
يتم عرض فيلم هند الشوفاني في عمان في الاردن، وهي من مواليد لبنان. الفيلم عن والدها الياس الذي هو من مواليد نعليا في الجليل وخريج الجامعة العبرية، الذي تنازل عن مهنته الاكاديمية في الولايات المتحدة من اجل الانضمام الى فتح في لبنان. وفي لندن ايضا هناك عدد من البرامج تتعلق بالمسابقة، وفي حيفا وبيت لحم ايضا. وفي رام الله المعارض والنقاشات الفنية والسياسية تتوزع بين عدد من المباني الحجرية الجميلة قام مهندسو الرواق بترميمها – الرواق هي مؤسسة للحفاظ على التاريخ الاثري الفلسطيني، وهي تشارك في المسابقة.
قائمة اسماء الفنانين والاعمال والحُكام والمنظمين والمخططين طويلة جدا. وهناك عدد من الاجانب ومن سكان الجولان السوري ايضا. الكتالوج المليء بالاحداث والمناسبات التي تتم في نفس الوقت (والتي ستستمر حتى نهاية تشرين الاول)، الاسماء والاماكن قد تخلق البلبلة، ولكن رويدا رويدا الامر يتضح.
غير مربوط باسرائيل
من اللافت الربط بين المواقع. ومن المؤلم الفصل بينها. يستطيع المجيء الى المعارض في القدس الزوار من الخارج وسكان القدس (واسرائيليون آخرون). بيروت وعمان قريبتان بخط جوي وبعيدتان بسبب الحدود التي لا يمكن تجاوزها. وغزة هي نفس غزة – مغلقة. بحرها قريب ويمكن الوصول اليه من قبل الناس في القدس ورام الله مثل قرب القمر.
الفنانة الشابة مجدل نتيل لم تتمكن من المجيء الى مراسم جائزة الفنان الشاب. لأنها عرفت أنها لن تتمكن من اخراج عملها من القطاع. وقد أعطت وكالة بواسطة الهاتف وبشكل خطي بأن يتم تنفيذ فكرتها من قبل آخرين: وسادات من الجص مليئة بالتراب مرتبة في صفوف. "الحلم ممكن" هو اسم عملها. وقد جاء في التوضيح أن الارض تمثل العلاقة القوية بين الفلسطينيين وارضهم وحلمهم المشترك، العودة. دون التفسير الكلامي الذي جاء في الكتالوج، الربط بين غزة وأكياس الرمل أحدث تداعيات حول أكياس الغذاء من وكالة الغوث أو حفر الانفاق من اجل الخروج بواسطتها الى الحرية. حرية المشاهِدة.
لكن الواقع الفوري غير موجود في المسابقة. على بعد 5 كم من رام الله، في الرام، منذ بضعة ايام هناك اشتباكات مع الجيش الاسرائيلي. في مساء يوم الثلاثاء قتل شاب في سلوان برصاص الجيش الاسرائيلي اثناء المواجهات هناك. وفي يوم الاحد هدمت الادارة المدنية مباني سكنية: شمال الغور وفي أطراف القدس. في يوم الغفران تم فصل وعزل أحياء فلسطينية في شرقي القدس. وفي يوم الاثنين منعت اسرائيل عائلة من قرية قريوت من قطف الزيتون حيث تمت مهاجمتها بالبلطات والحاق الضرر بسيارتها. في حديقة المركز الثقافي "السكاكيني" في رام الله القديمة، في الحافلة التي تنقل زوار الى المعرض حول الدمار والاعمار في غزة في جامعة بيرزيت – الوضع الحالي لا يفرض نفسه.
"بصفتنا نعمل في الثقافة والفنون، يجب علينا التصرف كأحرار"، قال محمود أبو هشهش، مدير في القطان، المؤسسة التي تسعى الى دعم الثقافة والتعليم في المجتمع الفلسطيني والعربي. "علينا تحرير خيالنا من صعوبات الحياة اليومية – ومن الحدود والقيود التي تفرضها ومنها الاحتلال". أبو هشهش، من مخيم الفوار للاجئين، قال "هذه ليست دعوة للناس من اجل الانفصال عن الواقع، لكن يجب علينا تخيل المستقبل كشعب حر". ويتبين من اقواله أن هذه دعوة للتوقف عن اعتبار الفلسطينيين ضحية لاسرائيل والاحتلال، أي الكف عن النظر الى الفلسطينيين في اطار السلطة الاسرائيلية الاجنبية.
موضوع العودة ايضا لا يرتبط بالضرورة باسرائيل. بعد انتهاء المسابقة الثانية بأسبوعين، التقى ممثلو المؤسسات المختلفة من اجل التحضير للمكان القادم. وقد قام شخص ما باقتراح الموضوع العام، "العودة". وقال أبو هشهش في غرفته في مبنى حجري آخر فاخر، فيه مركز مؤسسة القطان، "وافقنا على الفور. ليس بالضرورة فقط بسبب الصلة الفلسطينية، بل ايضا بسبب ما يحدث في العالم وفي المنطقة. النكبة التي تتكرر في اليرموك وغزة، الفلسطينيون وملايين غيرهم الذين يبحثون عن ملجأ. خصوصا في الايام التي يفقد فيها الكثيرون بيوتهم – نحن نعمل ضد التيار ونتخيل العودة. المجتمعات العربية مقسمة اليوم بالحروب، والفلسطينيون منقسمون، ونحن نريد توحيد الفلسطينيين وايجاد المكان من اجل العمل والتخطيط المشترك".
البحر هو نفس البحر
العنوان الرئيس للكمان الثاني كان "هذا البحر لي". من يعرف أن هذا مقطع من جدارية محمود درويش يعرف، قال أبو هشهش، ومن لا يعرف فسيتعلم. وبالتأكيد فان الطبيعة الانسانية ستجعل الامر يلامس قلبه. في مقدمة كراسة كُتب: "البحر الذي سقط بدون قصد من حوارنا ومن برنامج العمل اليومي للسياسيين وتحول فيما بعد الى عنصر آخر من الحصار أو شركا لمن يهربون من الموت، يحمل في داخله القدرة على طرح سؤال حق العودة من السياسة الى المفروغ منه". في المعارض في غزة وحيفا وعمان وبيروت – التعاطي مع البحر كان مباشرا.
في الدعوة للفنانين الشباب للمشاركة في هذه المسابقة طُلب منهم اعادة تخيل المفهوم الفني "العودة" من خلال مفاهيم مثل عودة، تقادم، انماط، حركة وعودة من اجل مسرحية. هذه الخطوط التوجيهية لامست قلب حلبي، خريجة بتسلئيل، وتحمل الماجستير من غولد سميث، جامعة لندن. فكرة العودة والبحث في ندبة جدها، بشكل فني، ولدت قبل ذلك، لكن الدعوة حركتها.
فقط قبل ست سنوات سمعت من أمها أنه في العام 1948 أصيب الجد بجبينه برصاصة أطلقها جندي اسرائيلي. ولم تعرف كيف سيجيب أبناء عائلتها على سؤال اذا كانوا يعرفون عن الندبة، عندما قامت باجلاسهم على الأريكة التي تعود جدها أن يجلس عليها ويقرأ الصحيفة قبل خروجه للعمل في البساتين.
إنهم لا يعرفون ماذا ستسأل. وكان من المهم بالنسبة لها السيطرة على الاطار السريالي. لذلك فان الأريكة ملائمة ومريحة بجانب مخزن من الصفيح وكرسيان وغصن الزيتون الذي تحركه الرياح احيانا.
حلبي طلبت من أبناء عائلتها تحديد مكان الندبة. هناك من قال إنها في وسط الجبهة. وهناك من قال إنها في الجانب. وأرملته قالت بأنه رافق عمته خلال الحرب الى لبنان فقام الجيش باطلاق النار عليهما وأصابت رصاصة جبينه. وبعد ذلك فقط أدرك أنه ينزف. وفي الوادي التقى مع امرأة هربت مع أولادها وهم يركبون على حمار. وقام الجنود باطلاق النار عليهم وقتلهم.
وقالت الجدة إنه عند عودته وهو مصاب وصل الى أحد البيوت وهو متعب وعطشان وخائف وطلب كأس ماء. وانفعلت حلبي. الصدفة تنضم الى السيناريو. وقبل أن تسمع من جدتها عن كأس الماء طلبت من أبناء عائلتها الشرب من كأس ماء قامت بوضعه بقرب الأريكة، بعد اجابتهم على الاسئلة مباشرة.
هذا رمز فني يتعلق بالاسم "مِنموسينا"، هي آلهة الذاكرة في الاساطير اليونانية، كما تقول حلبي. وقد أعطي اسمها ايضا لنهر الذاكرة في العزاء، الذي يتدفق بالتوازي مع نهر النسيان. الاموات يشربون منا، قالت حلبي، من اجل نسيان الحياة السابقة قبل أن تتدحرج أرواحهم الى حياة أخرى.
هناك من شرب كي ينسى الصدمات، وهناك من شرب كي يتذكر. هذه دعوة لكل من يشاهد اولئك الذين يجلسون على الأريكة التي تم احضارها من عبلين الى بيت ساع – بيت لعائلة نبيلة من القرن العشرين، تم ترميمه وتحول الى مبنى عام لبلدية رام الله. حلبي التي عرضت الذاكرة الجماعية وأعادتها بشكل مصور بكل تناقضاتها، تروي قصة شخصية عائلية للعودة التي نجحت، مع النُدبة.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين