عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 12 تشرين الأول 2016

من خلفها

يديعوت - بقلم: ناحوم برنياع

اثنان يقفان على المنصة. واحدة تتخذ وجه مديرة مدرسة، متشددة، دقيقة، مرشدة، موبخة، مثل منيرفا مكونجل، المعلمة من مسلسل هاري فوتر، باستثناء أنها بدون أعمال سحرية؛ الثاني هو الأب المعربد الذي يهدد بتفجير المدرسة. خطواته دبية، مهددة؛ وجهه يعبر عن اشمئزاز، لغته هزيلة؛ كما انه أزعر سيئ المزاج ودوما ضحية. القوة التي تنبع منه رادعة، ولكنه ليس عديم الكاريزما. هو من نوع الاشخاص الذين يخرجون من الآخرين ما فيهم من شر. اذا كانت هي منيرفا مكونجل، فهو لوسيوس مالفوي.

اذا كان هذا يبدو لكم التركيبة اللازمة لبرنامج واقعي تلفزيوني من النوع المتدني، وليس منافسة على زعامة العالم الحر، فهو بالفعل هكذا.

يجدر بنا العودة لتذكير القارئ الاسرائيلي بانه ضيف غير مدعو لهذا الاحتفال. فليس لنا يتوجه ترامب وكلينتون. ويجدر العودة الى تذكيره بان هذا ليس برنامج مسابقات من يجيب فيه على الاسئلة بالشكل الافضل هو الذي يفوز، بل هو خطوة تسويقية مركبة، أعدتها فرق من الخبراء في الطرفين. فهما يبدوان وكأنهما يتنافسان الواحد مقابل الآخر، أما عمليا فهما يتنافسان كل واحد مع جمهوره المستهدف. إحدى الجمل الهادفة التي خلفها الراحل شايكا اوفير تقول ان "في المناجاة (المونولوغ) يتحدث المرء مع نفسه، أما في الحوار (الديالوغ) فيتحدث فيه اثنان كل واحد مع نفسه". كان هذا هو جوهر الحوار بين كلينتون وترامب في المواجهة.

الموقع المعتبر "بوليتيكو" قرر أمس (الاول) ان هذه كانت "المواجه الأبشع في التاريخ الاميركي" – تاريخ يمتد 56 سنة، اذا بدأنا الاحصاء من المواجهة التلفزيونية الاولى، بين كندي ونكسون. آخرون بلغوا بغضب لا حيلة فيه عن المواجهة الاكثر شرا، الأكثر دناءة، الأكثر كذبا. يخيل أنهم أخذوا العدوى من ترامب الذي حمل كل جملة له بـ "الأكثر": الأكثر فظاعة، الأكثر رهبة، الأكثر حجما.

مشوق أن نتابع تغطية حملة الانتخابات في التيار المركزي للاعلام الاميركي: الكثير جدا من العواطف. وحتى أكثر المحللين وعيا يخرجون عن أطوارهم. معظمهم يمقتون ترامب ويشعرون بالذنب على مساعدتهم له الوصول الى هذا الحد؛ بعضهم يمقتون الكلينتونيين. احد منهم لا يبقى غير مكترث.

كلينتون تحسن في إعداد واجباتها. عشية المواجهة الاولى كانت مشكلتها الاكبر هي صورة المرأة التعبة، المريضة، المثيرة للشفقة، والتي استندت بالاساس الى الفيلم الذي وثق غيابها عن الوعي في مناسبة 11 ايلول في نيويورك، وبالطبع، الى ما قاله عنها ترامب. فقد أثبتت نفسها، حيوية، مقاتلة، فحولت وجهة الزخم.

إلى المواجهة الثانية جاءت بقرار للتوجه الى قطاع واحد لا يزال حسب رأي قيادتها منفتحا على التأثير – النساء البيض في الضواحي. في الساعات التي أجريت فيها المواجهة بثت بالتوازي مباراة بين فريقي الفوتبول الاكثر شعبية في الولايات المتحدة – نيويورك جينترز وغرين بيه براكس. الرجال البيض في البلدات وفي الضواحي كانوا يشاهدون المباراة من على الشاشة الكبيرة في البيت، اما النساء فكن يشاهدن المواجهة من على الشاشة الصغيرة. كلينتون تحدثت الى النساء. وحولت قسما كبيرا من أجوبتها لتكون برنامجا لربات البيوت. هي، التي حرصت دوما على أن تعرض نفسها كواحدة من الشباب، عضوا في الغرف الحربية، أصرت فجأة على تفصيل انجازاتها في التشريع الذي يخفف عن عملية تبني الاطفال، الموضوع الذي لم يطرح حتى اليوم في حملة الانتخابات. أنا واحدة منكن، قالت للناخبات في الضواحي. يسرني ان تصوتن لي. اذا كان صعبا عليكن، فعلى الاقل لا تصوتن لهذا المزاجي، كاره النساء، الذي ينفخ من خلفي.

أما ترامب فجاء الى المواجهة الثانية كي يوقف النزيف. ظهوره الحازم، المليء بالثقة بالنفس، دفن المؤامرة التي نسجت في المؤسسة الجمهورية للعمل على تنحيته. وبهذا المفهوم فقد نجح. ولكن مشكوك أن يكون أقنع مترددا واحدا، او مترددة واحدة، بالتصويت له ومشكوك أن يكون شطب عن جدول الاعمال الاشرطة المليئة بالفظاظة من الماضي. ربما العكس: فقد نجحت كلينتون في أن تخرج منه قولا واحدا لم يقصد على ما يبدو أن يقوله – في انه اذا انتخب سيحرص على ادخالها الى السجن. وقد عزز هذا القول الاحساس بان الحديث يدور عن رجل عنيف، مناهض للديمقراطية، عديم التحكم بالذات، لا يعرف ما هو المسموح للرئيس عمله وما هو محظور عليه. المؤيدون المؤكدون صفقوا، ولكن هؤلاء كانوا يعتزمون التصويت له في كل الاحوال.

كان يمكن لكلينتون أن تهنأ أساسا بما لم يحصل في المواجهة. فهي لم تشعر بسوء، لم تضطر الى المساعدة، لم تتعثر في لسانها. كل من يتصدر المواجهة السياسية يخاف قبل كل شيء من هذا. أما ترامب فاراد ان ينقل واجب البرهان اليها، الى الاخطاء في معالجتها للرسائل الالكترونية، الى قضية بنغازي، الى الازمات في اميركا اوباما، والى قضايا زوجها الجنسية. أما هي فلم تنجر في ظل اظهار مثير للانطباع لقدرتها على التحكم بالنفس. وكلينتون علق مع الاشرطة.

يحتمل أن تدير هذه المواجهة أقدام مزيد من الشباب عن صندوق الاقتراع. فهم يمقتون بقدر متساوٍ ترامب وكلينتون على حد سواء. من ناحية ترامب، حتى هذا إنجاز.