اسرائيلي حقيقي
هآرتس - بقلم: ديمتري شومسكي

في السؤال العسير الذي وجهه اوري مسغاف لايمن عودة، "قل، هل يمكن لابو مازن أن يأتي الى جنازة مهندس اتفاقات اوسلو، وانت لا؟"، اجاد في التعبير عن التساؤل المشترك ليهود اسرائيليين كثيرين من على جانبي المتراس السياسي. كيف يحصل ان زعيم الفلسطينيين في الضفة، التي تحت السيطرة العسكرية الاسرائيلية، أبدى عظمة روح وجاء الى مراسيم وطنية رسمية للدولة المعادية كي يودع من كان الرمز الواضح لها على مدى أجيال؛ بينما رئيس حزب اسرائيلي، يشارك في الكنيست، ادار على نحو تظاهري قدميه عن هذه المناسبة؟ يمكن أن نتفهم المتسائلين، إذ إن مظهر العربي "الخير" – الذي منعوا عن رؤيته بسبب عودة "الشرير" – كان يسحر دوما قلب اليهودي، من اليسار ومن اليمين على حد سواء.
كما يمكن أن نتفق مع القول المبدئي لمسغاف، بانه لم تكن حكمة سياسية كبيرة في تغيب عودة عن جنازة شمعون بيريس. ولكن ينبغي الاعتراف بان مجرد التوقع التلقائي بان يتصرف رئيس القائمة المشتركة الفلسطينية – الاسرائيلية في الحالة الراهنة مثلما تصرف رئيس السلطة الفلسطينية يعكس فهما مغلوطا لجوهر المكانة الوطنية– المدنية الخاصة للفلسطينيين الاسرائيليين بعنصري هويتهم – الفلسطيني والاسرائيلي على حد سواء.
محمود عباس، الذي يقف على رأس حركة وطنية، لواحد من أواخر الشعوب ذوي الوعي الوطني– السياسي في العالم لم يحقق استقلالا رسميا بعد، مضطر لان يشق طريقه مع اسرائيل والقوى العظمى التي تقف الى جانبها بمرونة وباعتدال. وخلافا لدعاية اليمين الاسرائيلي من مدرسة بنيامين نتنياهو وجادي طؤوب ("هآرتس" 28/9)، التي تعرضه كرديف ياسر عرفات في بدلة، يعرف عباس جيدا الاضطرارات، على امل أن يقدم في ذلك الى الامام خروج شعبه من العبودية الى الحرية.
وبالمقابل، بالنسبة للفلسطينيين في المناطق، فإن الفلسطينيين الاسرائيليين هم أحرار. حتى لو لم يكن أي من أعضاء القائمة المشتركة يعترف بذلك، فإن المواطنة الاسرائيلية – العليلة بحد ذاتها بسبب التمييز البنيوي في المنطق غير المتساوي للدولة القومية العرقية الدينية - اليهودية هي ذخر سياسي أغلى من الذهب بالنسبة للفلسطينيين الاسرائيليين. وكل ذلك لسبب بسيط هو أن المواطنة الاسرائيلية تجعل من الصعب جدا طرد الفلسطينيين الاسرائيليين من وطنهم. بالفعل، رغم مساعي التهويد للمجال الاسرائيلي – والتي لم تتوقف أبدا، واضح أن مستقبل الفلسطينيين في القسم الاسرائيلي من فلسطين/بلاد اسرائيل اكثر استقرارا من مستقبل اخوانهم في قسمها الفلسطيني – الخاضعين لرحمة الحكم العسكري للاحتلال ومن شأنهم ان يجدوا أنفسهم في كل لحظة معطاة في حالة لجوء، تبعا لنزوات الاحتلال الامنية.
وعليه فمن الطبيعي ان يشعر الفلسطينيون مواطنو اسرائيل، الذين تمثلهم القائمة المشتركة، بأنهم أكثر امانا من الفلسطينيين رعايا اسرائيل في أن يعطوا تعبيرا علنيا، صاخبا وحرا عن هويتهم الوطنية الفلسطينية. بالضبط هذا ما كان يجدر ان نتعلمه من الفوارق في سلوك عودة وعباس في سياق جنازة بيريس: كمواطن في دولة ذات مزايا ديمقراطية، يتمتع عودة بحق الاختيار في الا يشارك في الجنازة، بينما كان عباس عمليا محروما من تحقيق حق اختيار كهذا، بسبب اعتبارات الدبلوماسية لشعب مستعبد وعديم حقوق المواطنة.
وفضلا عن ذلك، لم كان عرض موقف وطني فلسطيني حازم في شكل رفض المشاركة في الجنازة، كان ممكنا لعودة بقوة صلته المدنية الاسرائيلية، فلا يمكن قطع هذا الموقف عن منظومة التجربة السياسية متعددة الاصوات للاسرائيلية المدنية. وعليه فلا يمكن الاتفاق مع قول مسغاف ان قرار عودة التغيب عن المراسيم يدل على عزلة وابتعاد من حزبه عن الجماعة الاسرائيلية. فهل الاعتراف بمركزية مساهمة بيريس في التجربة الاسرائيلية يفترض أن يشكل اساسا تماثليا ملزما لعموم الاسرائيليين أبناء كل الاديان والقوميات العرقية؟ أفلا يوجد اسرائيليون يهود – من اليمين ومن اليسار – ممن ينفرون من قسم من عناصر تراث بيرس وهل يجب أن ينظر الى هؤلاء ايضا كمن هم ليسوا جزءا من الاسرائيلية؟
تمنح المواطنة الاسرائيلية الفلسطينيين الاسرائيليين قوة مدنية سياسية، يستغلونها على نحو مناسب، وعن حق، في دفع كفاحهم الى الامام في سبيل حقوقهم القومية – المدنية في دولة قامت في ارض وطنهم خلافا لارادة ابائهم واجدادهم. وفي نفس الوقت فان صوتهم، هويتهم وموقفهم كفلسطينيين ذوي وعي وطني تصبحوا جزءا لا يتجزأ من الخطاب المدني الاسرائيلي، حتى لو كان أصحابهم أنفسهم يجدون صعوبة في الاعتراف باسرائيليتهم ويصرون على عرض انفسهم كعرب فلسطينيين أصحاح.
حنين الزعبي، جمال زحالقة، احمد طيبي وعودة – وبالتأكيد عندما يتحدثون بالعبري – لا يؤثرون جدا على الخطاب العربي العام ولا على وضع الفلسطينيين في المناطق؛ ولكنهم يساهمون مساهمة حيوية في تصميم المجال المدني الاسرائيلي كمجال متعدد الاصوات، تعددي وديمقراطي أكثر. يمكن الا نتفق مع ارائهم وقراراتهم، ان نجادلهم وان نغضب منهم. ولكن في فهم التجربة الدينامية للاسرائيلية، لا يمكن الا نراهم كاسرائيليين اصيلين. ومحاولة تخيلهم كفلسطينيين مقموعين وعديمي الحقوق المدنية– القومية.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين