عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 08 تشرين الأول 2016

في سوريا.. بوتين يُملي والولايات المتحدة تنجر

هآرتس - عاموس هرئيل

التراجيديا الفظيعة المتواصلة في حلب هي الآن قضية واحدة فقط في صراع دولي أكثر تعقيدا. في مركزه ادارة ظهر روسيا للسيطرة العليا الدولية (المضعضعة أصلا) للولايات المتحدة. الصراع على البقاء لنظام الاسد بتأييد روسيا وايران وحزب الله يتداخل مع مصالح أوسع لموسكو. الرئيس بوتين يعتقد كما يبدو أن الفترة الانتقالية في واشنطن – الفترة المتبقية من ولاية اوباما الى حين الانتخابات الرئاسية في 8 تشرين الثاني أو الى حين دخول الرئيس التالي الى البيت الابيض في 20 كانون الثاني القادم – تمنحه مجالا واسعا للمناورة أكثر من السابق لفرض الحقائق على الارض.

الهجوم المشترك لروسيا وسلاح جو النظام السوري تم تخطيطه مسبقا كجريمة حرب، الذي يتجاهل جميع قوانين الحرب الدولية. الروس وطيارو الاسد يوجهون النيران بشكل متعمد نحو المستشفيات (في شرق حلب التي يسيطر عليها المتمردون، ولم تبق أي غرف للطوارئ تعمل)، سيارات الاسعاف وطواقم الانقاذ وطوابير الناس أمام الأفران ومواقع تحلية المياه. في الحالات النادرة التي اقتربت فيها قوافل المساعدة للمدينة، قصفت هي ايضا، في الوقت الذي يُقسم فيه الروس بتهكم كامل بأنهم يحاربون الارهابيين المتطرفين فقط.

يستخدم نظام الاسد براميل الوقود بشكل كثيف، التي تلقى من الجو. وفي عدد من مناطق الدولة تم استخدام غاز الكلور ايضا. الضربة الشديدة والتجويع المنهجي للسكان في حلب وفي مناطق اخرى توجد تحت سيطرة المتمردين تهدف الى استنزافهم وخلق موجات هجرة للاجئين. واذا استمر هؤلاء في الوصول الى اوروبا وزعزعة الاستقرار في دول الاتحاد، فان بوتين يحصل على ربح ثانوي هام. هذه الطرق لا تختلف في جوهرها عن الاستراتيجية التي استخدمها الروس في حربين في الشيشان. ولكن في حينه لم تكن هناك شبكات اجتماعية. والمعلومات عن المجازر وصلت الى الغرب بشكل متأخر ومتقطع.

لا تدور بعد في حلب حرب برية عنيفة، ويبدو ذلك بسبب خشية النظام وحلفائه من تعريض القوات القليلة المتبقية لهم للخطر. سلاح الجو الروسي يقصف ايضا مناطق اخرى في سوريا. وهناك تقارير غير رسمية تفيد أن الروس يستخدمون سربا ثالثا من الطائرات من نوع "سوخوي". وفي المنطقة العلوية في شمال سوريا توجد الآن ثلاثة مواقع عسكرية روسية كبيرة هي الميناء البحري في طرطوس وموقع سلاح الجو حميميم قرب اللاذقية وموقع لوجستي. ويبدو أن روسيا قامت بنشر قوات برية معززة ايضا لحماية المواقع من هجمات المتمردين.

هجوم النظام تصاعد في نهاية ايلول بعد الفشل المتوقع مسبقا لوقف اطلاق النار الذي أعلنت عنه روسيا، بموافقة الولايات المتحدة. ويمكن أن تكون خطوة روسيا الآن تهدف الى تعزيز بقاء النظام وتوسيع مناطق سيطرته في شمال سوريا. وبذلك تفرض روسيا ظروف البدء على الادارة الجديدة القادمة في الولايات المتحدة في كانون الثاني القادم. يبدو أن روسيا تعتقد أن كلينتون ستكون خصما صلبا أكثر من باراك اوباما في الشرق الاوسط. والله وحده يعلم ماذا يفكرون بالنسبة لدونالد ترامب. استعراض قوة روسيا يدافع عن مصالح موسكو في المنطقة (على رأسها الحفاظ على الميناء على شواطئ البحر المتوسط)، مع الاشارة الى أنه خلافا لقوى عظمى اخرى، فان روسيا تقف الى جانب اصدقائها بغض النظر عن وضعهم وافعالهم.

في الخلفية توجد ايضا رغبة روسيا في اعادة الاعتراف بها كقوة دولية كبيرة يجب أخذها في الحسبان، والخشية من خطوة اميركية لتوسيع الناتو نحو الشرق ووضع اجهزة دفاعية مضادة للصواريخ في دول المعسكر الشيوعي السابق. القصف الكثيف في حلب يشبه دخول روسيا الى جزيرة القرم وشرق اوكرانيا، وتهديد اوكرانيا ودول البلطيق وتحرش سلاح الجو قرب حاملة الطائرات الاميركية وهجمات السايبر من قراصنة روس على حواسيب الغرب وعلامات على محاولة تدخل موسكو وأذرعها في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة.

 

إرث اوباما في خطر

قال خبراء روس واميركيون لصحيفة "نيويورك تايمز" إن بوتين يبحث عن التقدير، وهو مختص في السير على الحبل الدقيق استراتيجيا، لكن ليست له ميول انتحارية. لذلك، كما قالوا، فهو لن يغامر بمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة تخسر فيها روسيا بشكل مؤكد، واقتصادها المتحطم يتعرض الى ضربة شديدة. في المقابل، تم الادعاء في تحليلات شبكة التلفاز الاميركية "ان.بي.سي" بأن العلاقات بين الدولتين وصلت الى أدنى وأخطر نقطة منذ دخول السوفييت الى افغانستان في العام 1979.

وجاء من واشنطن في هذا الاسبوع أنه تجرى مشاورات سرية في البيت الابيض وفي مجلس الامن القومي، حيث تم طرح امكانية قصف اهداف لنظام الاسد بصواريخ عابرة بشكل يقلص خطر اصابة الجنود الاميركيين. وردت موسكو على الفور باعلانها عن نشر صواريخ ارض – جو متقدمة من نوع "اس 300" في سوريا التي يمكنها اسقاط الصواريخ العابرة ايضا. وفي نفس الوقت أعلنت روسيا عن تجميد تطبيق الاتفاق مع الاميركيين حول تفكيك البلوتونيوم الذي تم التوقيع عليه في العام 2000 كجزء من الجهد المشترك لتقليص السلاح النووي. وأعلنت أمس أيضا عن ارسال سفينة كبيرة من الصواريخ، ثالثة، الى البحر المتوسط.

هل تجاوز بوتين في هذه المرة خط اللامبالاة الاميركي؟ هل بدأت الادارة بالاشتباه أن تسامحها في سوريا يهدد ليس فقط إرث اوباما في مجال السياسة الخارجية، بل ايضا المهمة الثانية التي بقيت للرئيس، التي هي حسب رأيه ضمان انتخاب كلينتون؟ هذا هو الخط الذي تتحدث عنه مراكز الابحاث والمحللين في وسائل الاعلام والسيناتورات في واشنطن. ولكن حتى هذه الاثناء لم تشجع هذه التحليلات الرئيس على العمل بشكل فعلي في سوريا.

العقيد المتقاعد، أساف اوريون، باحث في معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل ابيب، هاجم في مقابلة له مع "هآرتس" في الشهر الماضي السذاجة التي يُظهرها الاميركيون في سوريا، خصوصا موافقتهم على صيغة وقف اطلاق النار التي فرضتها روسيا. وفي مقال مشترك نشر أمس (الأول) لاوريون ونائب رئيس المعهد، العقيد المتقاعد أودي ديكل، تحدثا عن وجود خيارين، إما أسود أو أبيض، لتعامل الولايات المتحدة مع سوريا.

ديكل وأوريون اللذان كانا في السابق رؤساء للكتيبة الاستراتيجية في هيئة الاركان كتبا أن الادارة تصمم على تصوير افعالها كأمر لا مناص منه بين الدبلوماسية والحرب وتعظيم ما يمكن أن ينتج من التورط في أي عمل عسكري الى درجة الحرب الشاملة. في الوقت الذي كان يوجد فيه للاميركيين ثلاثة بدائل لعمل عسكري محدود، كان يمكن استخدامها دون توريط اوباما في الحرب. وفي الوقت الحالي يزعمون ايضا أنه كان يجب على الولايات المتحدة اختبار قصف الطائرات السورية أو الاجهزة الدفاعية الجوية لسوريا من اجل الدفاع عن حياة المدنيين في هذه البلاد.

نظرة من اسرائيل، مثلما من اوكرانيا أو دول البلطيق حول ما يحدث في سوريا، لا يمكنها عدم اثارة التساؤلات حول الالتزام الحقيقي للولايات المتحدة باتخاذ خطوات فعلية من اجل الدفاع عن حلفائها واصدقائها عند الحاجة. الصراع ضد نظام الاسد في حلب لم يقده في البداية داعش وأذرع القاعدة، بل منظمات المتمردين الذين وصفتهم واشنطن بالمعتدلين، وعبرت عن تأييدها لهم. واذا نجح النظام السوري في احتلال شرق حلب في نهاية حرب الاستنزاف هذه، فسيكون ذلك انتصار مهم للاسد ولروسيا، لكنه في نفس الوقت سيكون اشارة قوية على ابتعاد الولايات المتحدة.

إذا نجحت روسيا والاسد في حلب فيمكنها أن يقررا تركيز الجهد العسكري المتجدد ايضا في مناطق اخرى مثل هضبة الجولان، حيث يسيطر على الطرف السوري من الحدود المتمردون بشكل تام تقريبا. الثقة الزائدة لدى الاسد الذي يتمسك بالحكم، رغم جميع التقديرات السابقة المعاكسة، ليست جيدة بالنسبة لاسرائيل. قبل نحو شهر أطلق الجيش السوري صاروخ ارض – جو باتجاه الطائرات الاسرائيلية التي قصفت مواقع للجيش السوري في الجولان السوري. دخول اجهزة روسية متقدمة الى سوريا، مثل صواريخ اس 300 واس 400، هو ايضا أمر خطير بالنسبة لاسرائيل بسبب الخشية من وصول هذه الصواريخ في المستقبل للجيش السوري، وربما الى حزب الله ايضا.

اسرائيل تحذر الآن في عملها في الشمال. فنشر السلاح الروسي هناك يهدد طائرات سلاح الجو الاسرائيلي حتى لو كان هناك تنسيق مسبق بين الدولتين لمنع المعارك الجوية. وهي تحذر ايضا في تصريحاتها. في السنوات الاولى للحرب الاهلية في سوريا أكثر المتحدثون الاسرائيليون من تنديداتهم لأعمال النظام، ومنذ بدء تدخل روسيا الفعلي، ما زالت القدس تراقب من الجانب بصمت. وقد التقى بنيامين نتنياهو وبوتين عدة مرات في السنة الاخيرة. ولكن لم تُسمع كلمة استنكار واحدة في اسرائيل حول المجزرة في حلب. والاعتبارات واضحة – لم يقم نتنياهو باحضار الدب الروسي الى المنطقة، ويجب عليه التصرف بحذر وهو قريب منه – لكن ذلك صمت اشكالي من ناحية اخلاقية، لا سيما على خلفية ذاكرة الكارثة.

 

هل هناك شخص عاقل يتصرف بمسؤولية؟

 (الأربعاء) كان يوما مشتعلا، بدأ من دون تحذير مسبق في قطاع غزة. منظمة سلفية صغيرة قامت باطلاق صاروخ سقط في سديروت وخلف القليل من الاضرار وبعض المصابين بالهلع. وردت اسرائيل بعدة هجمات جوية مكثفة على اهداف لحماس. وألقت بالمسؤولية كعادتها على سلطة حماس هناك. بعض هذه الهجمات استهدفت كما يبدو مناطق مفتوحة في شرق خان يونس، قرب الحدود. ومثلما في الجولة السابقة في نهاية آب، كان يبدو أنه رغم كثافة القصف إلا أن اسرائيل تبذل جهدها من اجل عدم الاضرار بالمدنيين الفلسطينيين. ورغم أن سلاح الجو قصف لأول مرة منذ وقت طويل اثناء النهار، إلا أنه لم تكن اصابات خطيرة في اوساط المدنيين. ورغم تبادل اطلاق النار فقد أبقت اسرائيل المعابر الى قطاع غزة مفتوحة في يوم الاربعاء. وأمس (الأول) في ساعات الظهيرة تم اطلاق صاروخ آخر من قطاع غزة، سقط في النقب الغربي. ويحتمل أن تكون المنظمة السلفية هي التي قامت باطلاقه. وحتى الآن، يبدو أن حماس رغم تصريحاتها الهجومية التي جاءت ردا على القصف، غير معنية باستمرار التصعيد. والبرهان على ذلك هو قيامها بخطوات لكبح عمليات اطلاق النار السلفية في الآونة الاخيرة.

الجولات المتكررة، كل ثلاثة اشهر، لا تعمل على تغيير موقف وزير الدفاع افيغدور ليبرمان حول ما يحدث في القطاع. ومؤخرا ايضا، في اوساط مختلفة، عاد ليبرمان وتحدث بشكل علني عن توليه هذا المنصب في أيار الماضي. والتصعيد الواسع ضد حماس في القطاع هو حسب رأيه أمر لا يمكن منعه، سواء كان ذلك لاعتبارات داخلية لحماس أو بسبب رغبة الذراع العسكري منع الكشف عن الانفاق من قبل الجيش الاسرائيلي. وعندما سيحين الوقت، فان على اسرائيل حسب رأي ليبرمان، استغلال الفرصة واسقاط نظام حماس، الخطوة التي تم الامتناع عنها في العمليات السابقة، "الرصاص المصبوب" في 2008، "عمود السحاب" في 2012 و "الجرف الصامد" في 2014.

ما زال ليبرمان في موقع الأقلية: نتنياهو وهيئة الاركان يعتقدان غير ذلك، ويفضلان الامتناع عن المواجهة التي ستؤدي الى اسقاط حماس أو الفوضى في القطاع. ولكن لأن هذا الصوت يُسمع مؤخرا بشكل متكرر، وفي كل نقاش عن الوضع في غزة، يمكن أن يكون له تأثير في حالة حدوث مواجهة أو صدام آخر.

قرار الدخول الى جولة واسعة في القطاع ليس بيد اسرائيل بالضرورة. فالذراع العسكري لحماس، الذي يبدو أنه يفضل في الوقت الحالي استمرار الوضع الراهن، يحتمل أن يقوم بتغيير موقفه فيما بعد. وللتنظيمات السلفية ايضا يوجد تأثير في التطورات. لأن الاطلاق الاول لهم، مثلما حدث أول أمس (الأربعاء)، هو الذي سيفرض على الاطراف الدخول الى جولة تبادل القصف. ومنع المواجهة الواسعة كما حدث قبل سنتين يتعلق بسلوك اسرائيل وحماس منذ لحظة فتح النار.