قطار الطعام.. من قتامة الزنزانة إلى فضاء الحرية الزاهي
مشروع اقتصادي صديق للبيئة أبدعه أسرى محررون

حياة وسوق-نائل موسى- يدغدغ قطار الطعام الفلسطيني الحواس، بألوانه الزاهية ورائحة أطباقه الشهية، ويشعل العاطفة متى عرفت أن الفكرة أطلقها من قيد وقتامة الزنزانة ربابنة كانوا بالأمس القريب أسرى.
قبل ثلاثة شهور احتفل "قطار الطعام" بشق طريقة الى ميدان المنارة (التحرير) قلب رام الله النابض، قبل ان يغادر مجبرا عبر سكك شرق فيها وغرب خلف الرزق تحاشيا لأوامر إدارية. لكنه يعود كل المساء وايام الجمع الى الميدان الذي يعتبر قبلة النضال الوطني التحرري والاجتماعي في المدينتين.
فرحة الأسيرين خلدون البرغوثي وعبد الرحمن البيبي بالحرية، عكرها فقدان عمليهما السابقين قبل الاعتقال في القطاع الخاص، فيما شبح البطالة يلقي ظلال كئيبة في ظل أوضاع معيشة صعبة تشهدها الأراضي الفلسطينية لكنه احيا راودتهما وطورها نظيرا في مطبخ المعتقل تنطلق بالتصميم في فضاء حر يتجول اليوم كمشروع أنموذجي صغير يؤمن العيش لاربع اسر ويحظى بكثير من الشغف والطموح.
كانوا أربعة رجال لم تمنعهم عتمة الأسر وضيق الأفق من تلمس مستقبلهم المهني عبر مشروع صغير يعين على تأمين مصدر رزقٍ، وفي مطبخ المعتقل كان تفكير البرغوثي والبيبي ومعهما حمودة حمادة يبلور فكرة مطعم متنقل معتمدين على ما اكتسباه من خبرة في صنع الطعام للأسرى داخل السجون يقول الطاهي "الشيف" الهشلمون الذي وهو يقوم بورديته في القطار.
من الخارج جعلت ريشة الفنان التشكيلي عمار البرغوثي المعروف برسام الهواء الطلق القطار الى لوحة زاهية، وفي جوف الحافلة "المطعم" تبدو ألواح الفولاذ الصقيل "الستانلس ستيل" مثل مرآة من بلور تعكس النظافة ومن فتحتين جانبيتين ترافق الرائحة أطباق بسيطة تخرج للذواقة بعد ان أعدت بمهارة للتو من مكونات ظاهرة تسر العين والجيوب.
متى اختمرت فكرة التنفيذ بعد دراسة وتخطيط يقول الهشلمون: اقدم البرغوثي والبيبي على شراء الحافلة عن طريقة منحة الأسرى، وتم شراء برادين مناسبين الاول لحفظ وعرض الطعام والثاني لتبريد المشروبات الخفيفة، وشراء أدوات إعداد الطعام، ووسائل طهوه من افران شوي وقلي وغيرها.
وللحفاظ على النظافة القصوى تم "تصفيح" تغطية جدران الحافلة بالكامل من الداخل بالواح الستانلس ستيل، وتزويد "الحجرة" المطبخ بوسائل التنظيف الملائمة.
ومثلما خرجت الفكرة وخبرة إعداد الطعام من عتمة الزنزانة كان للقيد اثر معاكس المظهر الخارجي للحافلة حيث عهد به للفنان عمار البرغوثي الذي حول الحافلة الى لوحة زاهية وجذابة تشد الصغار والكبار وتوحي بالحركة وانفتاح الأفق بخلاف مع القيد وقتامة الزنزانة.
وعلى السطح ترى العين ما لم تألفه في حافلة اخرى وأعطت المشروع زيادة في التميز والريادة، وعنه يقول خلدون البرغوثي: انه التميز والابتكار الخاص بالمشروع فهذه الألواح السوداء ضمن نظام جعل قطار الطعام "صديقا للبيئة"، اذ تعمل على توليد التيار الكهربائي اللازم للعمل عبر الخلايا الشمسية فوقه، ما يغني عن الوسائل المكلفة والمزعجة والملوثة التي تصدرها مولدات الكهرباء وتخلفه عوادمها من دخان ورائحة محيطة، وللإبقاء على فعالية النظام طوال العام بعيدا عن تقلبات الجو حضرت البطاريات لتخزين الكهرباء.
رواد المشروع عاشوا معًا رحلة طويلة داخل معتقلات وبعد تحريرهم كانت وظائفهم السابقة قد شطبت وسجلوا على البطالة؛ فبحث البرغوثي 8 سنوات اسر والبيبي 9 سنوات عن عمل يؤمن رغيف عيش لهما ولعائلتيهما، وعادت فكرة "المطعم المتنقل" التي تتيح لهما أيضا التجوال والترحال الذي حرما منه طوال سنوات الأسر.
هيئة شؤون الأسرى والمحررين وفرت للفكرة المساعدة المطلوبة، وقدمت لهما الأوراق اللازمة لتسهيل الإجراءات أمام الدوائر المختصة، والمساعدة في القرض المالي عبر أحد البنوك تحت ما يسمى المشاريع التمويلية للأسرى". فيما يقول رئيس الهيئة عيسى قراقع: ان قطار الطعام يأتي ضمن المشاريع التي تدعمها الهيئة من خلال تقديم المساعدات المطلوبة عبر صندوق المشاريع الخاص بالأسرى. والتي تهدف إلى مساعدة الأسير في إنشاء مشروع يعتاش منه، ويعود إنسانا منتجا وفعّالا لا عبئا على المجتمع.
البرغوثي والبيبي لم ينتظرا وتقاسما مهمة تجهيز قطار الطعام ليكون مطعمًا متنقلًا، ومتى رأت النور بدأت المضايقات الإدارية على شكل منع وقوف القطار في مركز المدينة بحجة سلاسة المرور والازمة الخانقة، وهي مسألة قال الهشلمون: ان الشرطة تتفهمها وتتعاون وان المسألة في طريقها للحل ايجابيا مع البلدية.
ويكدح فريق قطار الطعام ساعات طويلة في عمل يبدأ من الصباح الباكر، حتى ساعة متأخرة من الليل. ويتنقل أمام المدارس صباحًا، ومحيط الوزارات ظهرًا، ويحرص على التواجد في الأماكن السياحية أيام العطل الأسبوعية" ثم يعود الى مركز رام الله في ساعات المساء.
وتلاقي اطباق القطار الإعجاب ورواجا تدلل عليه عودتهم لتناولها مجددا وسرعان ما يتحولون الى زبائن دائمين.
ويقدم القطار اطباقا مختلفة محلية وغربية ضمن قائمة تتضمن وجبات خفيفة لا تغيب عنها سلطة الحمص الفلسطينية الشهيرة وقلاية البندورة، ووجبات أخرى منها الفاهيتا والشنيتسل الأميركي والبرغر وقائمة طويلة من الشطائر تتسيدها الكفتة الفلسطينية الطازجة، كلها مطهوة بمهارة تجيد إعداد واستخدام البهارات العالمية الشهيرة لمنح الاطباق نكهة خاصة ومميزة والى جانبها يقدم القطار العصائر والمشروبات الخفيفة المتنوعة. وكل ذلك يقدم بأسعار منافسة ومعقولة وفوقها عروض تشجيعية.
وكون القطار مشروعا تجاريا مدرا للدخل ويعيل اربع اسر، لا يعني غياب المسؤولية الاجتماعية والإنسانية عن مخططاته المستقبلية فرواده بصدد تجهيز زاوية، تمكن من تقديم المساعدة لعائلات مستورة، عبر ترويج حلويات تصنعها عائلة فقدت مُعيلها، فيما يبقى توسيع المشروع، وتجهيز مطاعم متنقلة جديدة، وإشراك أسرى محررين آخرين فكرة حاضرة.
رغم العراقيل وغياب محطات التوقف الملائمة في بعض الأحيان يواصل القطار اندفاعه على السكة بمحرك عزمه إصرار حول بالافعال القيد الى فضاء، والسجن الى مدرسة ريادة تخرج الإبداع.
مواضيع ذات صلة
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025
الإحصاء: الرقم القياسي لأسعار المنتج يسجل ارتفاعا حادا
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
الذهب ينخفض مع ارتفاع الدولار وزيادة مخاوف التضخم
الذهب يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية
أسعار صرف العملات