عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 09 أيلول 2016

أطفال غزة يبيعون أحلامهم على شاطئ البحر ونواصي الطرقات

أعياهم البحث عن لقمة عيشهم تحت شمس بلاد لم تنصفهم بعد

حياة وسوق- نادر القصير- ذات يوم رأى الأديب الراحل نجيب محفوظ طفلا يبيع حلوى عند إشارة المرور، فبكى وقال: أحلام الأطفال قطعة حلوى، وهذا طفل يبيع أحلامه!، ترى ماذا كان ليفعل أديبنا العربي لو اطلع على أحوال أطفال غزة الحزينة.

فكم طفل في غزة  باع أحلامه إلى الآن؟ وكم اشترينا من أحلام لم نعلم قيمتها عندهم؟ لم نعلم أنها كانت أحلامهم ، ليس هناك أشد إيلاما من شعور طفل يرى أشياء ويتمناها، ولكنه لا يستطيع أن يحصل عليها، وحتى يصل إليها يبدأ ببيع أحلامه في الطرقات وعلى شاطئ البحر الذي كان مفترضا أن يحتضن أوقات مرحه، وهناك من يعيش حياة كريمة ولا يعرف قدرها.

مخزون كبير من الحزن والألم والتأمل يصطحبك منذ اللحظة الأولى لوصولك إلى شاطئ البحر في غزة وخاصة إذا ما كنت بصحبة أولادك، حتى تجد نفسك محاطا بعدد من الفتية الذين يعرضون بضائعهم للبيع وخاصة المثلجات والشيبسي والمعجنات وغيرها من الحلويات، وتبدأ عملية المساومة ما بين الإلحاح من قبل الفتية ، والتهرب من قبل المصطافين، ظاهرة تتفشى في الإجازة الصيفية للمدارس، ودون عناء تستطيع أن تتوقع الأسباب التي تقف خلف تلك الظاهرة المنظمة، فلقد دفعت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تعصف بقطاع غزة منذ سنوات، المئات من الأطفال، والفتية من أبناء عمال غزة الفقراء، لاستغلال ما يتاح أمامهم من فرص، لخلق مجالات عمل ولو قصيرة، لتحصيل دخول مادية مهما كانت بسيطة.

وبمجرد أن تبدأ العطلة المدرسية يعكف مئات الطلاب الغزيين على بيع أحلامهم على  نواصي الطرقات وشاطئ البحر طوال فترة الإجازة السنوية للمساهمة بإعالة أسرهم، والتحايل على البطالة المتفشية التي تحرم آباءهم من الحصول على فرصة عمل قبل عودتهم إلى مقاعد الدراسة مجددا.

 

اللقطة الأولى..

والدي عامل ولكنه لا يعمل! وأمي علمتني بأن يد البطالة نجسة، هي كلمات خرجت على استحياء من شفتين رقيقتين وتحمل في طياتها معاني كبيرة تقص حكاية طفل غزي مع الحرمان، ولم تجد طريقها إلى آذان المسؤولين بعد، أطلقها سمير ابن التاسعة في معرض رده على سؤال "حياة وسوق" حول الأسباب التي دفعته لبيع المثلجات على شاطئ بحر رفح، الذي يعج بالمئات من زملائه وأبناء جيله مع تفاوت أعمارهم، بشكل يتعدى حدود الظاهرة المجتمعية، وما إن فرغ سمير من بيع أحد المصطافين حتى قدم طفل آخر ليعرض ما لديه من المعجنات للبيع على الشخص نفسه، وبحرقة أجابه.. لا نريد، وتحت وطأة إلحاحه اضطر للشراء منه، لكنه أبدى استياءه مما آلت إليه أوضاع الناس.

ويقول ناصر عبد الرحمن الذي فرغ لتوه من نقاش مع الفتية انتهى بإرضائهم وشراء بعض بضائعهم: "في كل مرة آتي هنا للبحر اضطر لشراء أشياء لا أرغب بشرائها فأنا أحضر معي  بعض الحلويات والمشروبات لأبنائي خوفا من الحلويات والبضائع المكشوفة للشمس والهواء طوال اليوم في أيدي أولئك الأطفال، إلا أنني أضطر للشراء منهم وحتى إن كان مصيرها القمامة حتى أتخلص من إلحاحهم وفي نفس الوقت أعتبرها صدقة.

 

اللقطة الثانية..

أما عمرو ابن الثانية عشرة بدا أكثر نضجا من زملائه، فيقول: "كان لدينا في المدرسة مادة تسمى الحقوق، تعلمنا فيها أن لنا الحق في اللعب والغذاء والحق بالاستمتاع  في الوقت (الاجازة)، وحقوق كثيرة لكننا في الحياة لا نجد كل ما تعلمناه من حقوق"، معبرا بسخرية عن سعادته بان هذه المادة ستحذف من المنهاج الدراسي في العام القادم، لأنها بلا قيمة في غزة.

 وأوضح عمرو انه بمجرد أن تبدأ الاجازة الصيفية تقوم والدته بتحضير ثلاجة "البراد" البلاستيكية، ويبدأ رحلته اليومية كل صباح إلى شاطئ البحر لبيع ما يستطيع بيعه وأحيانا يفرغ من بيع ما لديه قبل الظهر، فان عاد إلى البيت، تعيده والدته مرة أخرى إلى الشاطئ لبيع غيرها خاصة في أيام الجمعة لأن المصطافين يكونون بأعداد كبيرة على خلاف بقية أيام الأسبوع.

 

اللقطة الثالثة..

ولم يختلف حال الفتى رامي عبد الله  كثيرا عن عمرو، فقد بدا وقد تعرق جبينه الصغير وتساقطت قطراته على عينيه وقت الظهيرة، يدفع بيديه الصغيرتين السمرواتين "كروسة" بأربع عجلات وينادي "عوجا"، فظروف عائلته المعيشية الصعبة دفعته لبيع أحلامه أيضا، فهو يقوم بجلب المعجنات من المخبز الذي اتفق معه والده لتزويده بصينية معجنات يوميا، اشتهرت في الأوساط الشعبية في غزة بالـ"العوجا"، ويقوم ببيعها على هذه "الكروسة" التي اشتراها والده بالتقسيط العام الماضي وسدد ثمنها من عمل ابنه، ويؤكد رامي أن والده يعاني من الغضروف ولا يستطيع العمل ويعيش على المساعدات وهو طالب في الصف الثامن ومعدله جيد جدا ولكنه يستغل الأجازة في بيع "العوجا" لمساعدة والده في تيسير ظروفه المعيشية.

 

اللقطة الرابعة..

سامي حسين "12 عاما" أحد عشرات الباعة الأطفال المتجولين في أسواق رفح وكراجات السيارات الذين دفعتهم ظروفهم المعيشية وفقدان المعيل للمساهمة في التخفيف من وطأة الفقر عن أسرهم، ويقول خرجت من المدرسة بعد وفاة والدي منذ عام، ولم يعد هناك من يعيل الأسرة مع العلم أنني كنت متفوقا في المدرسة ولكن أنا أكبر أخوتي الصبيان، فمن سيساعد أمي في تربية أخوتي؟ وتابع: أخرج من البيت صباحا وأشتري "جاروسة" سجائر من محلات الجملة لأبيعها على السائقين في الكراجات أو أذهب إلى ناصية سوق رفح المركزي لأبيعها هناك، وقد يستغرق بيع الجاروسة ست ساعات وأحيانا أكثر خاصة إذا ارتفعت أسعارها فنحن نبيعها بالسيجارة أو الاثنتين في أغلب الأحيان، و بحرقة تنهد وتابع قوله: جربت بيع كل شيء حتى أتلاشى بيع السجائر، إلا أن جسمي النحيف لا يقوى على العمل أو العتالة والأحمال في محلات الجملة، وأنا مضطر للعمل يوميا فإذا مرضت يوم أخوتي قد لا يجدون شيئا ليأكلوه.

 

حقوق إنسانية

مما لا شك فيه أن ظاهرة تشغيل الأطفال تترك آثارا سلبية للغاية، وتلك الآثار باتت تنعكس على المجتمع الغزي بشكل عام وعلى الأطفال بشكل خاص، ولقد أخذ هذا الاستغلال أشكالا متعددة أهمها تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال وهم ما زالوا غير مؤهلين جسديا ونفسيا للقيام بها، علما أن العديد من الاتفاقيات الدولية قد جرمت بدورها الاستغلال الاقتصادي للأطفال.

 ويقول الناشط الحقوقي د. إبراهيم معمر: "هناك اتفاقية عربية رقم 18 لسنة 1996م بشأن عمل الأحداث، وتعتبر هذه الاتفاقية أول اتفاقية عربية متخصصة في مجال عمل الأطفال، حيث جاءت استكمالا لسلسلة المبادئ التي أكدت عليها الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، وقد عرفت الطفل بأنه الشخص الذي أتم الثالثة عشرة ولم يكمل الثامنة عشرة من عمره سواء كان ذكرا أو أنثى، وحظرت عمل من لم يتم سن الثالثة عشرة من عمره، وقد نصت على أن أحكامها تشمل جميع الأنشطة الاقتصادية باستثناء الأعمال الزراعية غير الخطرة وغير المضرة بالصحة، ووفق ضوابط تحددها السلطة المختصة في الدولة التي تراعي فيها الحد الأدنى لسن الأطفال".

وبين أن الاتفاقية أوجبت ألا يتعارض عمل الأطفال مع التعليم الإلزامي، وألا يقل سن الالتحاق بالعمل الحد الأدنى لسن إكمال مرحلة التعليم الإلزامي، وأن تقوم الدولة بإجراء الدراسات حول أسباب عمل الأطفال فيها وأن تعمل على التوعية بالأضرار المحتملة لعمل الأطفال.

وأكد د. معمر على ضرورة أن تعكف الجهات المسئولة على إيجاد حلول لهذه الظاهرة التي يترتب عليها مشاكل خطيرة تتعلق بوعي وشخصية الطفل الفلسطيني الذي فرضت عليه الظروف المشاركة الفاعلة في إعالة أسرته، وخاصة في قطاع غزة وحرمانه من ابسط حقوقه الإنسانية، ودعا إلى تجريم عمل الأطفال وسن قوانين للبطالة ودمج عائلاتهم في الشؤون الاجتماعية لأن غالبيتهم لا يتقاضون مخصصات ثابتة تساهم في معيشتهم.

 

تأثيرات عضوية ونفسية

أما د. محفوظ عثمان الخبير النفسي فأكد أن هناك جوانب أساسية يتأثر بها الطفل الذي يستغل اقتصاديا للعمل الذي يقوم به وهي التطور والنمو الجسدي، كما تتأثر صحة الطفل من ناحية التناسق العضوي والقوة والبصر والسمع، وذلك نتيجة الجروح والكدمات الجسدية، نتيجة القيام بأعمال تفوق قدرته الجسدية الضعيفة على التحمل والتعرض للشمس لساعات طويلة.

وبين د. عثمان أن  التطور المعرفي للطفل الذي يترك المدرسة ويتوجه للعمل يتأثر كثيرا،فقدراته وتطوره العلمي يتأثران ويؤديان إلى انخفاض في قدراته على القراءة والكتابة والحساب، إضافة إلى أن إبداعه يقل بالطبع، كما يقل التطور العاطفي، فقد يتأثر التطور العاطفي عند الطفل العامل فيفقد احترامه لذاته وارتباطه الأسري وتقبله للآخرين، وذلك جراء بعده عن الأسرة وقضائه ساعات طويلة في مكان العمل وتعرضه للعنف اللفظي والجسدي من قبل من قبل الزبائن والمارة.

وتابع: كما يتأثر أيضا التطور الاجتماعي والأخلاقي للطفل الذي يعمل بما في ذلك شعوره بالانتماء للجماعة والقدرة على التعاون مع الآخرين، وتتأثر لديه القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، ويزداد التأثر رويدا رويدا إلى أن يصبح الطفل مثله مثل العبد لدى صاحب العمل، ويؤكد الباحثون منذ وقت طويل على أن أنواع معينة من العمل تسبب مشاكل نفسية واجتماعية خطيرة للأطفال.

 

عمل الأطفال ظاهرة

ويؤكد الخبير الاقتصادي د. ماهر الطباع :تعتبر ظاهرة عمالة الأطفال من الظواهر العالمية، لكنها متفاوتة من دولة إلى أخرى، ويعد الفقر من أهم العوامل التي تؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة، والتي تعتبر من أخطر الظواهر المنتشرة الآن بفلسطين، وتهدد هذه الظاهرة المجتمع ككل، حيث توقعه بين فكي الفقر والجهل وتسلب الطفولة وتخلق جيلا غير متعلم، ولا يخفى على أحد أن الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية التي تمر بفلسطين، تدفع بالأطفال إلى العمل من أجل الحفاظ على كيان الأسرة وإشباع المتطلبات الأساسية لأسرهم، خصوصا في قطاع غزة المحاصر منذ ما يزيد على تسع سنوات.

وتشير إحصائيات مركز الإحصاء الفلسطيني بوجود (65) ألف عامل من الفئة العمرية (7 -14 سنة) يعملون في الأراضي الفلسطينية، وأكثر من (102) ألف طفل يعملون دون سن (18) سنة في أعمال مختلفة بدءا من الانتشار في الشوارع على المفترقات وصولا إلى الورش والمصانع والمنشآت الاقتصادية المختلفة.

وأوصى الطباع بضرورة التركيز الإعلامي على خطورة عمالة الأطفال على المجتمع الفلسطيني، و تكاتف جهود كافة المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني لمحاربة ظاهرة عمالة الأطفال بتكثيف برامج التوعية والتثقيف، وأهمية إيجاد  ضمان اجتماعي للأسر الفلسطينية الفقيرة داخل المجتمع للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، واتخاذ إجراءات حازمة ضد من يشغلون الأطفال في منشأتهم، بالإضافة إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بهذه الظاهرة، وضرورة تفعيل دور المؤسسات الرسمية بهذا الموضوع، وأهمية التكامل ما بين الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية للحد من هذه الظاهرة.

هذا هو حال أبناء عمال غزة الذين ما زالوا بلا عمل ولا يزال يطلق عليهم الطبقة العاملة مجازا فالعمل أصبح صفة من التاريخ لديهم وذكرها ينكأ جراحهم فهم من أنهكتهم البطالة وحوّلتهم إلى جيش من العاطلين، وهم الذين قرصهم الجوع بنابه، وطواهم الفقر في طوابيره، فكانوا دون خط الفقر بمراحل، ودفعتهم الظروف للاستعانة بأطفالهم لإعالة أسرهم، فهم لا دخل لهم ولا مال عندهم، وقد أصبحوا عالة على غيرهم، يعيشون على الصدقات والمعونات وبرامج الأغذية والمساعدات الدولية، كل يوم يمر يحمل في طياته مزيدا من الألم، والإذلال، وحلمهم التخلص من الفاقة بعد أن أعياهم البحث عن لقمة عيشهم تحت شمس بلاد لم تنصفهم بعد.