العناتِرة.. حارة الأساطير والجمال..!
مزيج من سِحر العمارة وأساطير بيت لحم القديمة
بيت لحم- استراحة الحياة- أسامة العيسة - تُعتبر حارة العناتِرة، المجاورة لكنيسة المهد في بيت لحم، أجمل حارات المدينة السبع، التي صاغت أسطورة المدينة بشكلها الذي يتآكل بسرعة، والذي يعود للقرن السادس عشر.
تحتفظ حارة العناتِرة، بملامح العمارة العثمانية، بالإضافة إلى القصور التي بُنيت فيها خلال العهد البريطاني.
يعكس نسيجها التطور العمراني، والاجتماعي، والاقتصادي للمدينة منذ القرن الثامن عشر، ويمكن للسائر في أحواش الحارة، وفي أزقتها، وتحت قناطرها، ان يستعيد، ولكن بشكل معاصر، عبق التاريخ، والتراث، والأساطير.
وتكمن خصوصية حارة العناتِرة، كما يحددها كُتيب أصدرته رابطة حمولة العناتِرة عام 2007: "في التمايز القائم ما بين المنطقة القديمة التي تعكس نمط الحوش التقليدي ومنطقة الحزام الحديثة، التي تضم نمطين مختلفين من البناء: نظام المناطير التي تذكر بوضع زراعي ساد المنطقة فيما مضى، ونموذج المباني الفخمة التي تعكس تحسن وضع أصحابها الاقتصادي، وما ترتب عليه من تغيير في نمط حياتهم بعيدا عن نظام العائلة الممتدة، إضافة إلى ما تشير إليه من ظهور مواد وتقنيات بناء جديدة".
تطورات
تحمل الأحواش في حارة العناتِرة، أسماء العائلات التي سكنتها، وبعكس التجمعات السكانية الأخرى في فلسطين، التي اعتمدت على نظام العائلة أو العشيرة، فانه ساد في بيت لحم، نظام الحارات، وكل حارة تتكون من عائلات.
ومن العائلات التي تُنسب لحارة العناتِرة: شاهين، وقنواتي، وفريج، والبندك، وهي العائلة الأكبر، وفي قلب الحارة يقع حوش ذوابة، التي هاجر أفرادها، منذ زمن بعيد إلى تشيلي والمكسيك، لتصبح واحدة من عائلات بيتلحمية كثيرة انقرضت من المدينة.
يقدم كُتيب العناتِرة، رؤية للتطورات التي تعرضت لها الحارة: "يمكننا الافتراض أنه بفعل الازدهار الاقتصادي الذي ساد أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ثم في فترة الانتداب راجت الصفقات العقارية ما أغرى الملاك ببيع عقارات لمشترين من خارج إطار العائلة أو الحمولة، وفيما يخص حوش البندك، فقد لعب عنصرا المصاهرة والهجرة دورهما، حيث غادر العديد من أهله ليسكنوا في ضواحي المدينة، أو ليهاجروا إلى أميركا، وقد تواصل هذا الاتجاه فترة نهاية الخمسينيات، حيث وقعت تحولات حضرية مهمة غيرت الوجه الديمغرافي للحارة".
ومن التغيرات الجوهرية التي شهدتها الحارة، حسب الكُتيب: "انتقال مجموعة من التعامرة إليها، كانوا قد جاؤوا من المنطقة الواقعة شرق وجنوب– شرق بيت لحم، وسكنوا أحد مبانيها ومع مرور الوقت رتبوا أوضاعهم كحمولة بزعامة مختار، وعملوا على وجود ممثل لهم في المجلس البلدي".
والآن تعتبر الحارة نموذجا للتنوع الذي تشهده مدينة بيت لحم، ليس فقط فيما يخص الأهالي، ولكن أيضا لاحتوائها على العديد من المنشآت العامة كالمدارس الحكومية، والخاصة، وتلك التي تحمل أسماء الثقافات التي تشرف عليها كالفرنسية، والانجليزية، والفنادق، كالفندق الروسي، والمقابر المختلفة للطوائف، ومغارة الحليب، وهي معلم تاريخي وسياحي مهم، إضافة إلى مؤسسات مختلفة ومحال بيع التحف الشرقية، ومصانع خشب الزيتون، وغيرها.
موقع وطوائف
موقع الحارة المميز، هو مثار فخر سكان الحارة، وعلى الأرجح، ان الحارة أسست على خربة تعود للعصر الحديدي الأول، وتمددت لتحتل المنطقة المحصورة بين الخطين الرئيسين المتجهين نحو الشرق والغرب، مطوقين قسما كبيرا من أقدم مناطق بيت لحم الحالية، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر.
ووفقا لمخطط البلدية فإن الخطوط المحددة للحارة، امتدت إلى مسافة أبعد من حدودها المتعارف عليها، لتضم ممتلكات كنائس، ومعالم مهمة.
وفيما يتعلق بحدود حارة العناتِرة، فإن الحارة تتكون من ثلاثة أجزاء: الأول، وهو الجزء القديم، ويضم سلسلة من الأحواش يعود تاريخها إلى العهد العثماني. والثاني: يضم أوقافا مسيحية، من بينها مقبرتان للكاثوليك والروم الأرثوذكس. أما الجزء الثالث، فهو يتمثل بالامتداد الحديث الواقع على المنحدر، ويتميز بوجود مبان واسعة، تعكس مدى الأبهة المعمارية لفترة مطلع القرن العشرين، التي تم تحويل معظم مبانيها، إلى مدارس حكومية.
وفي هذا الجزء تنتصب عدة قصور مبهرة من بينها قصر القواس، الذي يستخدم كمدرسة، وقصر مرقص نصار الذي يستخدم الان مقرا لجمعية معا للحياة، ودار حزبون، التي يشغلها مركز حفظ التراث الثقافي.
وبسبب قرب الحارة من كنيسة المهْد، فان بعض الطوائف المسيحية، التي لا تتمتع بوجود لها في كنيسة المهد، سعت لشراء عقارات في الحارة، لذا فان الحارة أصبحت تحوي أماكن عبادة للأحباش الأرثوذكس، والأقباط الأرثوذكس، منها دار سلام ايسوس للكنيسة الأثيوبية الأرثوذوكسية، ودير وكنيسة ومغارة السيدة العذراء للأقباط الأرثوذكس. وفي هذه الأماكن يتم الاحتفال بالأعياد الدينية، كعيد الميلاد.
وتسعى الطوائف باستمرار، لتملك المزيد من المباني في حارة العناتِرة، التي يعتبر دير الروم الأرثوذكس في كنيسة المهْد من ضمن حدودها.
وافتتحت جامعة بيت لحم، في إحدى المنازل القديمة، مركز الأخ فنسنت ملحم، ويستخدم لتعليم العربية للأجانب.
أسطورة العناتِرة
اختلف الناس، وأهالي الحارة، حول التسمية والأصول، كُتيب العناتِرة يذكر: "وفقا للروايات الشعبية يعتقد بأن الحمولة التي سميت حارة العناتِرة باسمها جاءت من قرية عنتر، التي يرجح أنها تقع جنوب شرق بيت لحم في بداية عهد العثمانيين في القرن السادس عشر، وهي تقريبا ذات الفترة التي شهدت تشكل نظام الحمائل، وهنالك رواية أخرى تؤرخ تاريخ قدوم حمولة العناتِرة إلى بيت لحم لفترة منتصف القرن التاسع عشر، حيث أندمج أفرادها سريعا بأهالي المدينة من خلال التبادل التجاري والمصاهرة".
ويضيف الكتيب: "ومما يعزز هذه الرواية العديد من القصص التي يتناقلها الناس عن تاريخ بيت لحم، التي ترجع تاريخ ظهور حارة العناتِرة للمرحلة الأخيرة من العهد العثماني".
ووفقا للمؤرخ خليل شوكة، فإن أول ذكر للعناترة كحمولة يعود للقرن الثامن عشر، مع أن أسماء موسى عنتر والياس عنتر قد وردت في وثائق الأرشيف التركي في سياق موضوع يخص بيت لحم في القرن السادس عشر، واسم أخر وهو فريج، الذي نُسب للحمولة لاحقا، يظهر في سجلات المحكمة في معاملة بيع عقارية.
حسب الكُتيب: "تُعد اسماء: عنتر وفريج من الأسماء الدارجة في اللغة العربية، وورودهما بداية القرن السادس عشر لا يعني بالضرورة انتماءهما لحمولة العناتِرة التي ظهرت على الأغلب بعد ذلك التاريخ بزمن طويل".
ولكن السبب الأكثر شيوعا، الذي يروق أكثر لأفراد الحمولة لأنه يعزز دورهم السابق كمدافعين عن كنيسة المهْد، فيتعلق بنسبة الحارة، للفارس والشاعر العربي عنترة بن شداد العباسي، الذي كان ينتمي، حسب أهالي الحارة، لقبيلة مسيحية من شرق الأردن.
ومهما اختلفت التسميات، يلاحظ الكُتيب: "أن هناك خطا منطقيا يجمع بين هذه المعلومات المبعثرة، إذ أن القبائل العربية التي تحولت للمسيحية كانت قد جاءت من شرق الأردن في فترة لاحقة وبنسبة أقل بعد الفتوحات الإسلامية عام 638 واندمجت مع السكان المسيحيين بشكل كامل ومن الممكن أن يكون عدد أفرادها قد أقام في المنطقة، وأنشأ قرية عنتر التي أتوا منها في القرن الثامن عشر ليستقروا في بيت لحم. آنذاك كانت بيت لحم تمتد خارج قمة سلسلة التلال التي تمثل نقطة بدء تكوينها باتجاه المنطقة الجنوبية الشرقية حيث بنيت بشكل كامل".
ويضيف الكُتيب: "أما القصة الحقيقية فهي تكمن في التمازج القائم بين وضع بيت لحم كمدينة بمكانتها الروحية بصفتها المكان الذي شهد ولادة السيد المسيح، وواقعها تاريخيا كقرية تابعة للقدس، وهنا تظهر حقيقتان: الأولى، ليس هناك أدنى شك بأنه منذ القرن الرابع تداخل تاريخ بيت لحم بتاريخ كنيسة المهد التي وهبت المدينة مكانتها الأسطورية وسمعتها العالمية، وفي عام 339 دشنت الملكة هيلانة الكنيسة التي مثلت محور الحياة في المدينة ورسمت إلى حد بعيد معالمها وتطورها الحضري، وبالتالي أثرت في حياة الناس وفي تشكل وعيهم العام، وبالتالي فإن أفراد حمولة العناتِرة يفخرون باسم يشير إليهم كمدافعين عن الكنيسة".
حارة العناتِرة، مزيج من سِحر العمارة، وأساطير بيت لحم القديمة، ومثالا للاستخدام الحديث للمنشآت، وحيوية موقع دائم الاكتشاف لإمكانياته.
مواضيع ذات صلة
الخليلي: الاحتلال يمارس عنفاً اقتصادياً مركباً يضاعف معاناة النساء الفلسطينيات
الاحتلال يداهم عدة منازل في دير سامت غرب الخليل
في حفل استضافه تلفزيون فلسطين: أمين عام اتحاد الكتّاب ونظيره الأفريقي يتبادلان التكريم
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,601 والإصابات إلى 172,419 منذ بدء العدوان
يوم العمال بلا عمل.. العمال في قطاع غزة بين تبعات الحرب والحصار
طرق الحج إلى مكة المكرمة.. رحلات إيمانية تتجدد عبر العصور
سلطة الأراضي تعلن تعليق 17 حوض تسوية للاعتراض في عدد من المحافظات