على كرسي متحرك.. بتول تنسج بالخرز حكاية إصرار وإبداع

نابلس-الحياة الجديدة-عزيزة ظاهر- في عالم اعتادت فيه كثير من القصص أن تبدأ من الألم وتنتهي عند حدود التعاطف، اختارت بتول محمود دراوشة أن تكتب قصتها بطريقة مختلفة، أن تجعل من موهبتها مساحة للعمل، ومن يديها وسيلة للإنتاج، ومن حبات الخرز الصغيرة مشروعا يحمل اسمها وأحلامها.
بتول (21 عاما)، ابنة بلدة عورتا جنوب شرق نابلس، ولدت بإعاقة حركية، وتستخدم الكرسي المتحرك، لكنها لم تسمح لظروفها الجسدية بأن تحدد خياراتها أو تمنعها من البحث عن مجال تستطيع من خلاله التعبير عن نفسها وإثبات قدرتها على الإنجاز.
ومنذ عام 2023، بدأت بتول مشروعها في صناعة الأعمال اليدوية من الخرز، لتتحول الفكرة مع الوقت من تجربة وهواية إلى مشروع تحرص على تطويره وتوسيع دائرة منتجاته وتسويقها.
تقول بتول لـ "الحياة الجديدة"، إن بدايتها كانت من الخرز، لكنها مع الوقت أخذت تجرب وتتعلم وتطور أفكارها، حتى أصبح لديها تنوع كبير في المنتجات التي تصنعها يدويا.
تصنع بتول ميداليات وتوزيعات للمناسبات، وحقائب نسائية، وعلبا مزينة لتقديم الشوكولاتة، إلى جانب بوكيهات الورد ومسكات العرائس.
ولا تتوقف أعمالها عند ذلك، إذ تصنع أيضا فوانيس لشهر رمضان، ومجسمات للكعبة، وطواق وأساور، ومسابح للاستغفار، ومنظمات للمكياج ودبابيس للزينة، وغيرها من القطع التي تعتمد في تفاصيلها على الخرز وتنسيق ألوانه وأشكاله.
تتابع بتول: وراء كل قطعة ساعات من العمل والتركيز، اختيار الألوان، وترتيب الخرز، وتثبيت التفاصيل الصغيرة، ثم مراجعة المنتج حتى يخرج بالشكل الذي تريده، وهي عملية تحتاج إلى الصبر والدقة، خصوصا أن كثيرا من القطع تعتمد على تفاصيل متناهية الصغر.
بالنسبة لبتول، لم يكن المشروع مجرد هواية لملء وقت الفراغ، بل محاولة لصناعة مساحة خاصة بها، تشعر فيها بالإنجاز والاستقلال.
وترى أن العمل اليدوي منحها فرصة لتوظيف مهارتها في شيء ملموس، يمكن للآخرين رؤيته واقتناؤه، كما فتح أمامها بابا للتواصل مع الزبائن والتعرف إلى احتياجاتهم وأذواقهم.
وتحاول بتول باستمرار تطوير منتجاتها، وإضافة أفكار جديدة إلى مشروعها، بما يتناسب مع المناسبات المختلفة، من الأعراس وأعياد الميلاد إلى شهر رمضان والمناسبات الاجتماعية.
"صنعت بحب".. نافذة بتول إلى الزبائن
ولأن امتلاك الموهبة وحده لا يكفي لاستمرار أي مشروع، وجدت بتول في وسائل التواصل الاجتماعي مساحة لعرض منتجاتها والوصول إلى الزبائن.
وتسوق أعمالها اليدوية عبر صفحة على موقع "فيسبوك" تحمل اسم "صنعت بحب"، تعرض من خلالها ما تنجزه من مشغولات مصنوعة من الخرز، وتحاول من خلالها تعريف الناس بمنتجاتها وفتح المجال أمامهم لطلب القطع والتصاميم التي تناسب مناسباتهم.
اختارت بتول اسم الصفحة ليعكس علاقتها بما تصنعه، فهي لا تتعامل مع الخرز باعتباره مجرد مادة خام، وإنما تمنح كل قطعة وقتا وجهدا ولمسة شخصية، لتخرج في النهاية منتجا يحمل شيئا من شغفها.
وتتيح الصفحة كذلك للمتابعين الاطلاع على تنوع الأعمال التي تنفذها، من الهدايا والتوزيعات إلى مستلزمات الأعراس والمناسبات الدينية والاجتماعية.
حلم كبير
بالنسبة إلى بتول، لا يمثل المشروع وسيلة لقضاء الوقت فحسب، وإنما مساحة تشعر من خلالها بقيمة العمل والإنجاز، فحين تنتهي من قطعة بدأت بتفاصيل صغيرة متناثرة، وتراها منتجا جاهزا يصل إلى يد زبون، يتحول الجهد المبذول إلى شعور بالقدرة والثقة.
وتحمل المشاريع المنزلية الصغيرة أهمية خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة، الذين قد تواجههم تحديات إضافية في الوصول إلى فرص العمل التقليدية أو التنقل إلى أماكن العمل، وفي المقابل، تتيح الأعمال اليدوية والمشاريع الرقمية إمكانية العمل من المنزل والوصول إلى الجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتؤكد بتول في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة" أن استمرار مثل هذه المشاريع وتطورها يحتاج إلى أكثر من الإعجاب بالمنتجات، فالتسويق، وتوفير المواد الخام، والتدريب، والمشاركة في المعارض والبازارات، والوصول إلى أسواق جديدة، كلها عوامل يمكن أن تساعد أصحاب المشاريع الصغيرة على تحويل مواهبهم إلى مصادر دخل أكثر استقرارا.
وتؤمن بتول بأن كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون مهارات ومواهب يمكن أن تتحول إلى مشاريع صغيرة، لكن الوصول إلى السوق، والتسويق، وتوفير المواد الخام، وتأمين مساحة مناسبة للعمل، والوصول إلى الزبائن، كلها تحديات قد تقف أمام استمرار هذه المشاريع ونموها.
لم تغير بتول واقعها في يوم واحد، ولم يكن الطريق أمامها خاليا من التحديات، لكنها اختارت أن تبدأ بما تملكه، موهبة في يديها، وفكرة في رأسها، ورغبة في العمل.
ومن بين حبات الخرز، تبني مشروعها قطعة قطعة، وتترك رسالة أبعد من جمال منتجاتها، أن الفرصة حين تتوفر، يمكن للموهبة أن تتحول إلى عمل، وللعمل أن يصبح طريقا نحو الاستقلال والكرامة.
مواضيع ذات صلة
على كرسي متحرك.. بتول تنسج بالخرز حكاية إصرار وإبداع
إسرائيل تواصل التصعيد في جنوب لبنان
مستعمرون يحرقون مركبة ويحاولون اختطاف طفل في بيت أمر
قوات الاحتلال تغلق عددا من مداخل ومخارج محافظة سلفيت
الاحتلال يقتحم بلدة بدو شمال غرب القدس
سلطة الأراضي تسلّم تخصيصاً لصالح دائرة شؤون اللاجئين