مي أبو عليا.. سنوات من العمل والعلم صنعت مسارًا نحو القيادة
امرأة شقّت طريقها من الأرقام إلى مواقع القرار

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم تبدأ د. مي أبو عليا مسيرتها المهنية من مكتب مدير، ولا دخلت عالم الإدارة من بوابة المنصب، بل بدأت محاسبة في ضريبة الأملاك، تحمل الملفات والأرقام وتتعامل مع تفاصيل العمل اليومية، قبل أن تقودها سنوات من الخبرة والتعلم وتحمل المسؤولية إلى موقع مدير عام ضريبة الدخل في وزارة المالية.
في بيتٍ آمن بأن التعليم حق وطريق للاعتماد على الذات، تشكلت شخصيتها الأولى، وفي العمل اكتشفت تدريجياً قدرتها على الإدارة واتخاذ القرار. كانت أول فتاة تُعيّن في ضريبة الأملاك على مستوى وزارة المالية، ثم أول امرأة تتولى إدارة مكتب إقليمي في الدوائر الإيرادية بالمحافظات، لكنها لا تتوقف كثيراً عند صفة "الأولى"، بقدر ما ترى قيمتها في أن التجربة لم تبقَ استثناءً، وأن نساء أخريات دخلن بعدها إلى مواقع المسؤولية.
تروي أبو عليا لـ "الحياة الجديدة" حكاية طريق مهني امتد سنوات، بدأ من المحاسبة وتدرج عبر الإدارة والدراسات العليا، وصولاً إلى قيادة واحدة من أهم الإدارات الإيرادية، مؤكدة أن المنصب بالنسبة لها ليس مكافأة، بل مسؤولية، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالوصول، وإنما بفتح الطريق أمام الآخرين.
من البيت بدأت الحكاية
بعيداً عن المنصب الرسمي، تصف أبو عليا نفسها بأنها "إنسانة بسيطة بطبيعتها"، وتؤمن بأن وصول الإنسان إلى موقع أو منصب لا يجب أن يغيّر شخصيته أو علاقته بالناس.
وتعود في تفسير كثير من ملامح شخصيتها المهنية إلى البيت الذي نشأت فيه؛ فوالداها، رحمهما الله، كانا موظفين، لكنهما كانا أيضاً عصاميين، بذلا جهدًا كبيرًا في تربية أبنائهما وتعليمهم. كان التعليم في الأسرة قيمة أساسية، إلى جانب الاعتماد على النفس واحترام العمل وتحمل المسؤولية.
وتقول: "إن جميع إخوتها متعلمون وحاصلون على شهادات عليا، وإنها نشأت في بيئة لم يكن فيها سقف لطموح الفتاة أقل من طموح الرجل. "لم أشعر أن هناك شيئًا لا أستطيع الوصول إليه فقط لأنني امرأة"، تقول أبو عليا، مستحضرة أثرًا رافقها طوال حياتها المهنية.
تكليف صغير كشف طموحًا كبيرًا
في بداياتها المهنية، عندما كانت تعمل محاسبة في ضريبة الأملاك، كان مديرها المباشر يكلفها أحيانًا بإدارة المكتب أثناء غيابه. لم تكن آنذاك مديرة، وكانت تعود بعد انتهاء التكليف إلى عملها كمحاسبة، لكن تلك التجربة منحتها فرصة للتعامل مع الموظفين ومتابعة سير العمل واتخاذ قرارات سريعة.
هناك، اكتشفت -كما تقول لـ "الحياة الجديدة"- أنها قادرة على تحمل المسؤولية، وبدأ يتشكل لديها طموح حقيقي للانتقال من الجانب التنفيذي إلى موقع تستطيع فيه تحمل مسؤوليات أكبر.
وبعد نحو خمس سنوات، أصبحت مديرة للمكتب، لتدرك لاحقاً أن التكليفات الأولى كانت بمثابة تدريب عملي مبكر على الإدارة.
ومن هنا تشكلت إحدى قناعاتها الإدارية الأساسية: المدير لا يعرف دائمًا قدرات موظفيه إلا عندما يمنحهم فرصة حقيقية. فربما تكون مهمة مؤقتة أو مسؤولية صغيرة هي التي تكشف للموظف قدرته وتفتح أمامه مساراً مهنياً كاملاً.
تخصص لم يبدأ بالشغف وانتهى بمسار مهني
لم يكن اختيار المحاسبة في الجامعة نتيجة شغف مسبق بالتخصص، بل جاء في ظروف استثنائية شهدتها بداية التسعينيات، عندما لم يكن التعليم الجامعي منتظمًا في الجامعات الفلسطينية، ما دفعها إلى الالتحاق بالجامعة الأردنية ودراسة المحاسبة.
ومع دخولها الحياة العملية في وزارة المالية وضريبة الأملاك، بدأت ترى المحاسبة بصورة مختلفة. لم تعد الأرقام بالنسبة لها مجرد أرقام، بل أصبحت وراء كل رقم قضية أو قرار أو قانون أو حق أو التزام.
ومع مرور السنوات، توسعت اهتماماتها من المحاسبة بمعناها الفني إلى المجال المالي والضريبي والإداري، لتصبح الدراسات العليا امتدادًا طبيعيًّا لمسارها المهني.
الدراسة إلى جانب العمل
بعد سنوات من العمل، وجدت أبو عليا أن الخبرة العملية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم المشكلات بعمق. لذلك اتجهت إلى الدراسات العليا، فحصلت على الماجستير في الإدارة وتنمية الموارد البشرية وبناء المؤسسات، ثم أكملت الدكتوراة في العلوم المالية والمصرفية.
تقول أبو عليا: إن الدكتوراة غيّرت طريقة تفكيرها أكثر مما أضافت إلى مسارها الوظيفي؛ فقد علمتها ألا تكتفي بالنتيجة، وإنما أن تبحث عن السبب: لماذا حدثت المشكلة؟ هل الخلل في الإجراء أم القانون أم التطبيق؟ وهل الحل المطروح يعالج المشكلة فعلاً أم يؤجلها؟
كما منحتها القدرة على النظر إلى القضية من أكثر من زاوية، والوصول إلى قناعة بأن الخبرة العملية تعلم الإنسان الواقع، بينما تمنحه الدراسة أدوات لفهم هذا الواقع.
من المحاسبة إلى القيادة
تصف أبو عليا بدايتها في وزارة المالية بأنها واحدة من أهم مراحل مسيرتها، لأنها تعلمت العمل من أساسه. بدأت من الملفات والحسابات والإجراءات والتعامل مع المواطنين والموظفين، قبل أن تنتقل إلى الإدارة.
وبعد نحو خمس سنوات تولت إدارة المكتب، ثم انتقلت تدريجيًّا إلى مسؤوليات أكبر، وهو تدرج ترى أنه منحها ميزة مهمة: معرفة العمل من الداخل قبل أن تصبح مسؤولة عنه.
ومع انتقالها من التنفيذ إلى الإدارة، اكتشفت أن المسؤولية الإدارية تختلف جذريًّا عن المسؤولية التنفيذية. الموظف مسؤول عن إنجاز مهمته، أما المدير فهو مسؤول عن النتيجة النهائية وعن الفريق والمشكلات، حتى تلك التي لم يصنعها بنفسه.
"كنتُ الأولى.. لكنني لم أبقَ الوحيدة"
تحتل تجربة المرأة موقعًا خاصًّا في قصة أبو عليا المهنية، فقد كانت أول فتاة يتم تعيينها في ضريبة الأملاك على مستوى وزارة المالية، ثم أصبحت أول امرأة تتولى إدارة مكتب إقليمي في الدوائر الإيرادية بالمحافظات.
كان حضورها في تلك المواقع جديدًا، ورافقه ترقب وتساؤلات حول قدرة امرأة على إدارة مكتب يتعامل مع قضايا الملكيات وتخمين الأبنية وفرض ضريبة الأملاك، وإدارة الموظفين والتعامل مع المواطنين واتخاذ القرار.
لكن أبو عليا لم تتعامل مع الأمر باعتباره معركة لإثبات أن المرأة أفضل من الرجل، بل اختارت أن تجعل الأداء هو الإجابة.
وتقول: إن أكثر ما تعتز به ليس فقط أنها كانت الأولى، وإنما أنها لم تبقَ الوحيدة. فبعد نجاح تجربتها بدأت أخريات يتولين مواقع إدارية في المحافظات.
وتختصر هذه التجربة بعبارة تحمل الكثير من تجربتها الشخصية: "أن تكوني الأولى جميل، لكن أن تفتحي الطريق لغيرك أجمل".
الحزم نفسه.. لكن التقييم ليس دائمًا واحدًا
لا تنكر أبو عليا أنها واجهت خلال مسيرتها مواقف شعرت فيها بأن كونها امرأة كان مؤثرًا في طريقة تقييمها أو التعامل معها. في بعض البيئات -كما تقول- قد يُنظر إلى الرجل الحازم باعتباره قويًّا، بينما توصف المرأة الحازمة بأنها قاسية. لكنها تعلمت مع الوقت ألا تسمح لهذه النظرة بأن تستنزفها.
ولا تطالب أبو عليا بمعاملة خاصة للمرأة، بل ترى أن التمكين الحقيقي هو أن تُقيّم المرأة كما يُقيّم الرجل: تنجح فيُعترف بنجاحها، وتخطئ فتُحاسب على خطئها.
وترى أن أفضل رد على الصور النمطية ليس الدخول في مواجهة دائمة معها، وإنما الأداء الجيد والقدرة على إثبات الكفاءة.
الضريبة.. أكثر من مجرد تحصيل
من موقعها في الإدارة الضريبية، تنظر أبو عليا إلى الضريبة باعتبارها أكثر من عملية لتحصيل الإيرادات. الضريبة، بالنسبة لها، جزء من العلاقة بين المواطن والدولة، لأن المواطن الذي يدفع الضريبة يجب أن يشعر بالعدالة، وأن القانون يطبق على الجميع، وألا يكون هناك من يدفع التزاماته فيما يتمكن آخر من التهرب منها بسبب قوته أو قدرته على الإفلات.
وترى أن بناء الالتزام الطوعي لا يتحقق بالقانون وحده، وإنما يحتاج إلى الثقة؛ لأن المواطن يريد أن يرى عدالة ووضوحًا وسهولة في الإجراءات، والإدارة مطالبة بتقليل التعقيد والاستفادة من التكنولوجيا وتوضيح ما للمواطن وما عليه.
ومن هنا، لا ترى مكافحة التهرب الضريبي مجرد وسيلة لزيادة الإيرادات، بل تعتبرها أيضًا حماية للمواطن الملتزم، لأن ترك المتهرب دون محاسبة يجعل الملتزم يشعر بأنه الطرف الخاسر.
"لا تستعجلي الوصول"
إلى المرأة الفلسطينية الشابة التي ترى أن مواقع القيادة بعيدة عنها، توجه أبو عليا رسالة تستند إلى تجربتها الشخصية: لا تستعجلي الوصول.
وتدعو الشابات إلى البدء من مواقعهن الحالية، وإتقان العمل، والتعلم، واكتساب الخبرة، وعدم الخوف من تحمل المسؤولية. لأن الفرصة التي تبدو صغيرة قد تكون، كما حدث معها، بداية لاكتشاف قدرات لم تكن واضحة حتى لصاحبتها.
رحلة تراكمية
من محاسبة تجلس أمام الملفات والأرقام، إلى مديرة عامة تقف أمام مسؤولية الإيرادات والعدالة الضريبية، تبدو مسيرة مي أبو عليا أقرب إلى رحلة تراكمية منها إلى قفزة واحدة. سنوات من العمل، وتكليفات مبكرة، ودراسة إلى جانب الوظيفة، وتجارب قيادية متدرجة، صنعت مساراً مهنياً ترى صاحبته أن قيمته لا تكمن في الوصول وحده، هي لا تقدم نفسها باعتبارها نموذجاً لامرأة وصلت إلى موقع قيادي فحسب، وإنما كجزء من سلسلة يمكن أن تفتح الطريق لغيرها. وفي هذه النقطة تحديداً تختصر فلسفتها في النجاح: أن تكوني الأولى قد يكون إنجازاً شخصياً، لكن أن يصبح الطريق الذي سلكته متاحاً لنساء أخريات، فذلك هو الإنجاز الذي يستحق أن يبقى.
مواضيع ذات صلة
الشيخ: الانتخابات في موعدها وفلسطين أمام أشهر مفصلية والحوار مستمر مع واشنطن
مي أبو عليا.. سنوات من العمل والعلم صنعت مسارًا نحو القيادة
مستوطنون يهاجمون عرابة
3 إصابات برصاص الاحتلال في الرام
مستعمرون إرهابيون يغلقون طريق وادي قانا في سلفيت
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 73419 والإصابات لـ 174364 منذ بدء العدوان