الصعود إلى عربات الكارو ....ملاذًا قسريًا في غزة
قطاع غزة - منى وادي

في مشهد تصدح فيه أصوات الباعة وضجيج السيارات داخل سوق يتوسط مدينة دير البلح في قطاع غزة. (رمزون، رمزون، رمزون) ينادي حمدان حسين بصوت عالٍ وبجانبه عربة كارو يجرها حمار أبيض اللون، محاولاً لفت أنظار المارة للصعود إلى عربته.
حيث أصبحت عربات الكارو ملاذاً قسرياً يلجأ إليه المواطنون الغزيون للتمكن من تلبية احتياجاتهم الأساسية والتوجه إلى أماكن تلقي الرعاية الصحية والأسواق والمرافق العامة. وكالعادة هناك عقوبة جديدة فرضها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة اختلقت أزمة خانقة تزيد من رصيد المعاناة وتثقل كاهل المواطنين.
فمنذ اندلاع الحرب منع الاحتلال دخول البنزين والسولار، وزيوت المحركات والمحروقات إلى قطاع غزة مخالفاً بذلك مبادئ حقوق الإنسان التي تنص وفقاً للمادة (٣٣) من اتفاقية جنيف الرابعة على "حظر معاقبة الأشخاص المحميين عن مخالفات لم يرتكبوها، واستخدام الوقود كأداة ضغط يمثل عقوبة جماعية محرمة دولياً".
ومن على عربة الكارو المصنوعة من الخشب وشكلها المستطيل يجلس حمدان ١٩ عاماً مرتكزاً على حماره الأبيض يخبرنا عن رحلة نزوحه القاسية من منطقة شرق خانيونس إلى مدينة دير البلح وكيف استطاع النجاة بأعجوبة من قصف قوي أسفر عن استشهاد معظم أقاربه، مشيداً بدور عربة الكارو التي كانت بمثابة طوق النجاة الذي أنقذ أسرته المكونة من عشرة أشخاص من الوصول إلى مخيم النزوح وإيجاد مصدر رزق ينقذهم مجدداً من تداعيات الحرب الآثمة بعد فقدان أرضهم الزراعية التي كانوا يعتاشون منها.
ويعتبر الصعود إلى عربات الكارو في غزة ليس للتنزه أو لقضاء بعض الوقت للمتعة، فتقول الحاجة انتصار خليل ٧٢ عاماً إنها تذهب في رحلة اضطرارية شبه أسبوعية إلى العيادة الطبية الموجودة في آخر المدينة لجلب أدوية الضغط والسكر، مضيفة بأن أشعة الشمس الحارقة وتنقلات العربة غير الآمنة والشوارع المتعرجة تجعل من الطريق رغم قصره يبدو طويلاً.
فتقول هدى محمد ٢٠ عاماً، شابة جامعية، أنها تضطر للذهاب يومياً إلى مقهى وسط المدينة مزود بشبكة إنترنت سرعتها عالية، ومولد كهربائي، يمكنها من مواصلة متابعة دراستها الجامعية بأريحية، عن طريق التعليم الإلكتروني الذي أصبح بديلاً معتمداً داخل كافة المؤسسات التعليمية الرسمية من الجامعات والمدارس، مشيرةً إلى أن مخيمات النزوح أيضاً تفتقر إلى مقومات المعيشة السليمة.
وفي ظل غياب الجهد الرقابي في الوقت الحالي فُتحت أبواب أخرى من الإهمال والفساد؛ فتؤكد هدى أن هناك فئة من سائقي عربات الكارو لا يأبهون أن يُقِلّوا عدداً كبيراً من الركاب حتى لو تجاوز العدد المسموح، الأمر الذي يشكل خطورة عالية تسببت بحوادث مأساوية.
ولم يقتصر دور عربات الكارو على نقل الركاب فقط، إنما باتت وسيلة تسد رمق جوع المواطنين في غزة؛ فيحدثنا بعد صمت تسبقه تنهيدة أبو محمد شحادة، ٤٥ عاماً، حاملاً بيديه بضعة أكياس من النايلون بداخلها بعض الخضار والفواكه وربطة خبز ساخنة، بأنه يرتاد السوق بشكل يومي ملبياً احتياجات أسرته من الطعام.
وهنا يمثل شحادة الكثير من الغزيين الذين يجدون في عربات الكارو شرياناً يصل بين مصدر الغذاء والجياع داخل مخيمات النزوح والأماكن البعيدة عن وسط المدينة.
ومن ناحية أخرى، ظهرت في غزة فئة جديدة صنعتها آلة الحرب العسكرية؛ يروي لنا بثغر باسم ووجه ينضح بالحياة الشاب أحمد حسن، ٢٠ عاماً، عن رحلته العلاجية التي لا ينفرد بها، فوصل عدد المصابين أكثر من 174,266 مصاباً، وفقاً لوزارة الصحة في غزة منذ بدء الحرب حتى اليوم الخميس الموافق ١٣/٨/٢٠٢٦م، وجميعهم بحاجة ماسة للتوافد إلى أماكن تلقي الرعاية الطبية بشكل مستمر.
مضيفاً أنه أصيب بقدمه خلال قصف إسرائيلي طال خيمة بالقرب من مكان نزوحه، ويردف قوله إنه بسبب الإصابة لا يتمكن من السير مشياً، ويتملكه القلق الشديد أثناء ركوبه على العربة من الاحتكاك بالمارة، خاصة في المناطق المزدحمة، وتخوفه الأكبر من فتح جروح قدمه التي لم تلبث أن تلتئم بسبب الاهتزازات التي تحدثها العربة صعوداً ونزولاً طوال الطريق.
وعلى وجه آخر فمنذ اندلاع الحرب وحتى إعداد هذا التقرير لم تصدر بلدية دير البلح ووزارة الحكم المحلي في غزة أي تصريح ينظم سير آليات العمل على عربات الكارو، فجميع من على العربة يمثلون واقع آلاف من الغزيين ، يتشاركون نفس الظروف المعيشية القاسية ويحاولون بجهد كبير خلق سبل تعافي تساعدهم على
مواكبة ما حل بهم حتى ولو كانت .....عربات كارو.
مواضيع ذات صلة
وزير الداخلية يتفقد بلدة حوارة في نابلس ويؤكد تعزيز الأمن المجتمعي ومتابعة احتياجات المواطنين
وزارة الزراعة و"الفاو" توقعان 18 اتفاقية مشروع استثمار زراعي
بسيسو: قاعدة بيانات موحدة لحصر أضرار غزة أساس للتخطيط وإعادة الإعمار
الشرطة والنيابة تباشران التحقيق في ملابسات العثور على جثة داخل مركبة محترقة غرب جنين
9 شهداء و15 مصابًا في غارة للاحتلال على مدينة غزة
وضع حجر الأساس للمستشفى الهندي التخصصي في عرابة
مصطفى يطلع وفدًا من البرلمان الألماني على مستجدات الأوضاع والتطورات الميدانية