عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 11 آب 2026

برهان العكر.. "شيخ الحلاونيين"

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يحافظ برهان جميل العكر منذ 69 عامًا على عمله في صناعة الحلويات، ويجمع بين مسقط رأسه نابلس، وجنين التي كان أول صانع فيها.

ويواظب منذ كان طفلًا في العاشرة على إنتاج أطباق الحلويات الشرقية ببراعة، عندما تعلم أصولها من والده في جبل النار، قبل أن يؤسس متجرًا في قلب جنين، ويرث تقاليد العمل من جده عبد القادر، الذي اقترن بتجارة الجلود.

يستعرض شريط ذكرياته الممزوج بالسكر، فيقول لـ"الحياة الجديدة" إنه أبصر النور في آذار عام 1947، وتعلم في مدرستي المعري والكندي بنابلس حتى الخامس الابتدائي، ثم انتقل لإتقان مهنة والده.

ووفق العكر، فقد نقلت إليه أسرار الصنعة من أبيه، وفي ريعان شبابه شق طريقه إلى جنين، واستأجر دكانًا، ودخل في شراكة مع اثنين من تجار المدينة، لكنه سرعان ما انفصل عنهما، وتقاسم متجرًا في شارع فيصل مع المرحوم فتحي جرار، الذي باعه حصته من المتجر بـ 350 دينارًا.

يفيد وهو يجلس في نهاية متجره: كنت أنام في هذا المحل، وكنت أعمل حتى الواحدة ليلًا، وكانت الأشغال كلها يدوية، فيما تنتقل أطباق الحلوى لفرن حطب لعائلة أبو شما في جنين، ولفرن أبو فاطمة الكبير، الذي كان يضم 5 أقسام في نابلس العتيقة، قبل أن تظهر أفران الغاز.

نقل العكر، الأب لخمسة أبناء و3 بنات، فنون مهنته إلى ولديه مُعمر ومعتمر، وله اليوم قرابة 20 حفيدًا، ويستعد للابتهاج بثلاثة أطباء منهم: لين، ولمى، ومحمد.

يوالي بابتسامة عفوية: تغيرت جنين من حولي، ولم نعد نجد البائعات القادمات من القرى، اللواتي يحضرن معهن اللبن والبيض والزغاليل والقطين، ومنتوجات تراثية أخرى. وصرنا نفتقد الماء الذي كان يجري أمامنا، والمزارع والبيارات التي كانت تحيط بنا، ونتذكر خان أبو حمزة القريب منا، وسجن الكلاب، والطواحين، ولا ننسى أزهار البرتقال التي كانت تفوح في كل الأنحاء.

ويواصل: كان المزارعون والباعة يتوافدون لمطعم أبو طالب، ثم يصلون إلى محلي بحثًا عما يحلي أفواههم، ويشترون عجنينة الكنافة لبيوتهم.

وبحسب العكر، فقد انقلب الأحوال رأسًا على عقب، وأجبره التراجع الاقتصادي على تسريح 25 عاملًا من مشغله، لكنه يواصل، بمد وجز في الأسواق، تصنيع أكثر من 25 صنفًا، في مقدمتها الكنافة والبقلاوة.

يقارن الراوي بين أسعار البضائع التي اشتعلت كالنار، فقد كان كيس الطحين بـ 75 قرشًا، لكنه اليوم بـ 24 دينارًا، وقفز برميل السمنة من 80 قرشًا إلى 30 دينارًا، وصعد كيس الطحين من دينار وربع إلى 25، وارتفع كيلو الفستق الحلبي من 40 قرشًا إلى 24 دينارًا، وازدادت أثمان الغاز أكثر من 7 مرات.  وكانت كيلو الكنافة بـ 15 قرشًا، وطارت اليوم إلى 7 دنانير.

عمل العكر في الكويت بين عامي 1964 و1965، بأجر شهري وصل إلى 30 دينارًا، وانتقل بعد النكسة 3 أشهر للعمل في حلويات حبيبة في قلب عمان.

والمفارقة التي يقدمها أقدم صانع حلوى في جنين، أنه لا يأكل مما يصنعه من حلوى لذيذة منذ فترة، بسبب "السكري"، في حين لا تتقن زوجته أو بناته إعدادها في المنزل.

ينهي مبتسمًا: قضيت طفولتي وصباي وشبابي وأجمل أيامي في هذه المهنة، التي أحببتها فأحبتني.