الطفل كنعان يُرمّم أحلامه على رقعة شطرنج
"كِش ملك" لحرب الإبادة

غزة_ وائل عويضة- الحياة الجديدة- التمّ شمل الطفل يوسف بوالده بعد قرابة عامٍ كامل من الفراق بسبب تبعات النزوح القسري الذي أفرزته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. تعانقا، بكيا، قبّل كل منهما رأس ويد الآخر، وبعدها بأيام قليلة جلسا لأول مرة حول رقعة الشطرنج كما كانت عادتهما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.، في بيتهما بحي تل الهوى جنوب مدينة غزة.
على تلك الرقعة التي تآكلت أطرافها بفعل النزوح المتكرر من منطقة لأخرى، يتحدى يوسف كنعان (11 عامًا) والده سمير الحكم الوطني والمدرب الدولي، والمسؤول الإعلامي الأول لاتحاد الشطرنج الفلسطيني، في نزالٍ يختزل ثلاثة أعوامٍ ثقيلة من عمر الحرب انصهرت فيها طفولته.
تُخيّم على الطاولة أجواء مشحونة بصمت قاتل تسمع فقط نبضات قلبٍ متسارعة، فمع كل نقلةٍ لبيدق أو فيل أو حصان ترتجف أصابع يوسف الذي يحاول جاهدا استعادة "الطفل العبقري" الذي كان عليه قبل الحرب، ينقّب في عيني والده عن مهارةٍ تراجعت بشدة وسط دوي الانفجارات ومعاناة النزوح والتشرّد.
يقول يوسف: "لاحظتُ تراجعًا مخيفًا في مستواي وكذلك حال أبي، فقدت الهدوء والتأني في حركاتي وحلّ التسرع بدلا منهما، كتمت غيظي في محاولة للبدء من جديد وساعدني والدي في ذلك، علّنا نصلح ما أفسدته الحرب التي قتلت طموحاتي ودفنت أحلامي".
أما الأب فلم يجد أمامه المنافس الذي اعتاد أن يكون شرسًا متقد الذهن في الهجوم، يدرس كل نقلةٍ بحنكة وصولاً إلى "كش ملك"، فالتركيز الذي كان يمنحه تفوقا في الماضي بات اليوم مشتتا بظلال الصدمة والخوف والتجويع.
وخلال فترة غياب والده، في مكان نزوحٍ مختلف، تحمّل يوسف مسؤولية أمه وأخته الصغيرة سلمى، فكان يقضي يومه في طوابير طويلة على المياه العذبة والمالحة، والتكيات والمعونات، ومن كان يهزمهم بالذكاء والحنكة على رقعة الشطرنج أصبح خاسرا أمامهم في حياة جديدة غريبة جدًا بالنسبة له.
ويضيف يوسف: "لم أمارس الشطرنج أو أتدرب خلال فترة المجاعة التي أنهكت جسدي وذهني، كيف لطفل جائع بجسد واهن ووجه شاحب أن يفكر في رفاهية كذلك، في ذلك الوقت كل ما كنت أفكر فيه كيف أهتم بأمي وأختي في بُعد أبي".
ترك الواقع الجديد ندبات في قلب وشخصية يوسف، فهذا التحوّل جعل منه طفلاً عدوانيًا سريع الانفعال والغضب، متسرّعا في قراراته، ورغم ذلك لم ييأس وباشر عملية ترميم الذهن والروح والعقل والشخصية في سبيل تحقيق حلمه.
ويتابع: "كان حلمي وما زال تمثيل فلسطين في أكبر المحافل العالمية، ورغم محاولات الاحتلال الإسرائيلي جعله مستحيلا، إلا أنني أتشبث بالأمل في طريقي لتحقيق إنجازات وبطولات دولية يفخر بها أبي وكل فلسطيني".
بدأ يوسف رحلته في "لعبة الملوك والنبلاء" منذ نعومة أظفاره بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذ رصّ الأحجار على الرقعة بطريقةٍ صحيحة، عندما كان في عمر العامين، وبعد أول مرةٍ يحضر فيها مرانا يجمع والده بأصدقائه.
كانت تلك اللحظة هي شرارة البداية بالنسبة لسمير الأب الذي طار فرحًا والتقط هذه الإشارة، فباشر على الفور بتعليم يوسف أسماء القطع ونقلاتها وتاريخ اللعبة، كما اصطحبه إلى البطولات الرسمية التي نظمها الاتحاد الفلسطيني للشطرنج في المحافظات الجنوبية، وأشركه بصورة غير رسمية في بطولة الراحل موسى عيسى سابا للشطرنج السريع وهو بعمر سنتين وشهرين وأسبوعين فقط وكان ذلك يوم 20 فبراير 2017.
وبعمر 6 سنوات بدأ يوسف يحصدُ ثمار اكتشاف موهبته المبشّرة، ففاز بالبطولة التي أجرتها مدرسة الوحدة النموذجية، وبعدها شارك في بطولات غزة المفتوحة للكبار، وكان قريبا من تمثيل فلسطين دوليا لكن الحرب الإسرائيلية قتلت حلمه في مهده.
"كنت قريبا من السفر إلى مصر والمشاركة في بطولة خارجية، لو تم ذلك لأصبحت أول طفل فلسطيني من غزة ينافس في بطولة دولية رسمية، كنت أنظر إلى تلك الفرصة على أنها اختبار حقيقي لما اكتسبته من خبرات على المستوى المحلي، آمل أن تسنح لي هذه الفرصة من جديد".
ومع عودة عجلة الشطرنج للدوران في غزة وإن كانت ببطء شديد، على خجلٍ من الخراب الذي حلّ بالقطاع والإنسان، رفع يوسف بمساعدة والده شعار "عدنا والعود أحمد"، وشارك بالفعل في بطولتين محليتين.
"الشغف المزروع في قلبي عصيٌّ على الموت، عدت للمنافسة مباشرة رغم المعيقات المادية واللوجيستية، وفي ظروفٍ أمنية معقدة وخطيرة، فالحرب لم تنته بعد".
يوسف ينحدرُ من عائلة رياضية، مارس الشطرنج من خلال والده، ولعب كرة القدم على مستوى أندية الدرجة الممتازة عبر عمّه حسين، الأمر الذي يجعل لديه طموحًا كبيرًا، فيأمل أن يفوز على أبيه المصنّف دوليًا أولاً وقبل أي شيء، أمنية لم يدرك الصغير بعد أنها الحلم الأكبر للأب نفسه الذي يرى في تفوق ابنه عليه قمة النجاح والشرف.
مواضيع ذات صلة
تقرير: البؤر والمزارع الرعوية الاستعمارية تتمدد في المناطق المصنفة (B) بتسهيلات من جيش الاحتلال
الطفل كنعان يُرمّم أحلامه على رقعة شطرنج
حصار وأوامر عسكرية وهدم للمنازل: نحالين تواجه مخطط التهجير القسري
تقرير: سلطات الاحتلال تواصل شق المزيد من الطرق الالتفافية لتعزيز الاستعمار في الضفة الغربية
شرق جنين.. التوسع الاستعماري يخنق الأرض ويهدد مصادر الرزق
زيتون زبوبا.. ذاكرة تقتلع ومصدر رزق يتلاشى تحت جرافات الاحتلال
مجلس على خطوط التماس