عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 حزيران 2026

بذخ الحرب في غزة وتواطؤ الحكم

على الحافة- د. تحسين الأسطل

لم يعد الغلاء الفاحش في غزة وحده ما يثير الغضب، بل ذلك التناقض الصادم حين يقابله استعراض للثراء في مناسبات خاصة، وكأن مجتمعين يعيشان في المكان نفسه: أحدهما يرزح تحت الحرب والمجاعة، والآخر يعيش في جزيرة معزولة من البذخ. هنا لا يعود السؤال اجتماعيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز: هل نحن أمام فوضى اقتصادية عابرة، أم تواطؤ صامت بين سلطة الأمر الواقع وبعض التجار؟

حين يغيب الضبط وتُرفع الرقابة عن الأسعار، يُترك السوق لاقتصاد الأزمات، فتبرز فئة مستفيدة لا تكتفي بالربح، بل تستعرضه دون خشية. هذا الغياب لا يُفسَّر بضعف الإمكانات فقط، بل يفتح الباب أمام شبهة الشراكة أو التواطؤ أو القبول الضمني، وهو ما يضرب فكرة العدالة في الصميم.

الأخطر أن هذه الظواهر تقوّض ما تبقى من الثقة داخل المجتمع. فالمواطن العاجز عن تأمين ابسط احتياجات قوت يومه، حين يرى هذا البذخ، لا يفقد إحساسه بالإنصاف فحسب، بل ثقته بالبنية الحاكمة، لتتحول الأزمة من اقتصادية إلى أزمة شرعية.

تجارب الدول تقدم دروسًا قاسية؛ فقد نجحت الجزائر، رغم سنواتها السوداء، في استعادة التوازن عبر دور الدولة وهيبتها والمصالحة، وذلك بقناعة وإيمان من كل الاطراف، بينما مثّل الصومال نموذجًا لانهيار طويل بفعل تغوّل اقتصاد الحرب وتداخل المصالح الحزبية والفئوية ورغبة الاستعمار.

غزة اليوم لا تقف عند مفترق مشابه بل قطعت شوطا لا بأس به نحو الصوملة، واستمرار هذه الحالة دون ضبط، ومع غياب مرجعية جامعة، يهدد بتحول الخلل إلى واقع دائم، والان لا يستخدم لإفشال المشروع الوطني واقامة الدولة فحسب، بل في تنفيذ المخطط المعلن للاحتلال بالتهجير والتطهير العرقي.

وهنا الحل لا يكون جزئيًا، بل يبدأ بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وتمكين الحكومة الفلسطينية من أداء دورها الكامل في فرض القانون وتحقيق العدالة. فاستعادة الثقة ليست شعارًا، بل شرط بقاء، يتحقق حين يشعر المواطن بوجود سلطة واحدة مسؤولة تُحاسِب وتُحاسَب.

عندها فقط يمكن أن يتحول الصمود من مجرد تحمّل للمعاناة إلى مشروع جماعي متماسك، فغزة اليوم لا تحتاج الصمود في وجه الحرب فقط، بل إلى استعادة وحدتها مع الوطن، بقناعة وايمان من قام بالانقسام، ومن هنا يبدأ المستقبل.