إسرائيل والعالم.. نهاية الاستثناء
د. رمزي عودة

ليست المشكلة التي تواجهها دولة الاحتلال إسرائيل اليوم أنها تخسر حرباً أو تواجه انتقادات سياسية عديدة، فالدول تستطيع احتواء الأزمات العسكرية، وربما تستطيع الانتصار في حروبها في كثير من الحالات، ولكن التحدي الأعمق الذي تواجهه إسرائيل يتمثل في التآكل المتواصل والمستمر للرصيد الأخلاقي والسياسي الذي تمتعت به لعقود طويلة داخل العالم الغربي، وهو الرصيد الذي منحها وضعاً استثنائياً نادراً في العلاقات الدولية.
فمنذ تأسيسها، نجحت إسرائيل في تقديم نفسها بوصفها دولة ديمقراطية ليبرالية "متحضرة" تحيط بها بيئة معادية، واستطاعت من خلال هذه السردية أن تحظى بدرجات عالية من التعاطف والدعم السياسي في أوروبا وأميركا الشمالية بحجة معاداة السامية. غير أن حرب الابادة على غزة، وما رافقها من مستويات غير مسبوقة من الدمار والخسائر البشرية وقتل الاطفال والنساء، دفعت قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي إلى إعادة النظر في هذه الصورة، وربما هدمها كلياً.
لقد جاءت المشاهد اليومية من غزة لتطرح أسئلة أخلاقية وسياسية لم يعد بالإمكان تجاهلها. ولم تعد القضية بالنسبة إلى الكثيرين مجرد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها كما كانت تزعم الأخيرة دائماً، بل أصبحت تتعلق بحدود استخدامات القوة العسكرية، وبمدى التزام الدولة التي تقدم نفسها باعتبارها جزءاً من العالم الديمقراطي بالقواعد الاخلاقية والقانونية التي تدعو الآخرين إلى احترامها.
وفي الوقت نفسه، كانت الضفة الغربية المحتلة تقدم صورة أخرى عن اسرائيل لا تقل إشكالية. فبينما كانت الحكومات الغربية تدعو إلى التهدئة، استمرت عمليات التوسع الاستيطاني بوتيرة متصاعدة، وازدادت الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون يهود ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. وأصبحت صور القرى المحروقة والاعتداءات على القرويين الفلسطينيين جزءاً من المشهد اليومي المتكرر في التقارير الدولية، الأمر الذي عزز الانطباع بأن الحكومة الإسرائيلية لا تكتفي بالتغاضي عن هذه الممارسات، بل إن بعض أركانها يوفرون لها غطاءً أمنياً وسياسياً وأيديولوجياً.
في الواقع، إن الوقائع التي تكشف صورة إسرائيل لم تأتي هذه المرة من الفلسطينيين أو منظمات حقوق الإنسان، بل من مواطنين غربيين قدموا إلى المنطقة بدافع التضامن الإنساني ثم عادوا إلى بلدانهم حاملين شهاداتهم الشخصية عن جرائم الاحتلال. فبعد اعتراض أسطول الصمود واحتجاز المشاركين فيه، بدأ عدد من المتضامنين الدوليين بالإدلاء بروايات أثارت صدى واسعاً في وسائل الإعلام الغربية. وتحدث الناشط الأميركي ديفيد أدلر عن تعرض المحتجزين للتقييد وعصب الأعين والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي، واصفاً ما جرى بأنه شكل من أشكال الإذلال النفسي. كما تحدث الناشط الإيطالي لورينزو داغوستينو عن ظروف اعتقال قاسية وإجراءات مهينة ومصادرة للمقتنيات الشخصية. وروت الصحفية والناشطة الأسترالية تانيا صافي أن المحتجزين تعرضوا لتفتيش مهين وتقييد بالأصفاد والتهديد بالاغتصاب وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية خلال فترة الاحتجاز. ولم تتوقف الشهادات عند هذا الحد، إذ تحدث بعض المشاركين عن جرائم تتعلق بتحرشات واعتداءات جنسية أثناء الاعتقال الوحشي، وبرغم أن السلطات الإسرائيلية نفت هذه الاتهامات كعادتها. لكن الأثر السياسي لهذه الشهادات لم يكن مرتبطاً فقط بصحة الادعاءات أو نفيها، بل بهوية أصحابها أنفسهم. فهؤلاء ليسوا فلسطينيين يعيشون تحت الاحتلال، ولا خصوماً تقليديين لإسرائيل، بل مواطنون من الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا عادوا إلى مجتمعاتهم وهم يروون تجارب شخصية تتناقض مع الصورة التي سعت إسرائيل إلى ترسيخها عن نفسها بوصفها دولة تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون.
ولعل هذا ما يفسر التحول التدريجي في مواقف عدد من الحكومات الغربية. فخلال السنوات الأخيرة انتقلت عدة دول من مرحلة الانتقاد الدبلوماسي إلى مرحلة الإجراءات العملية. فقد فرضت ادارة بايدن السابقة للولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج والاتحاد الأوروبي عقوبات على مستوطنين ومنظمات استيطانية متهمة بالضلوع في أعمال عنف ضد الفلسطينيين. وشملت هذه العقوبات تجميد الأصول المالية، ومنع السفر، وحظر التعاملات الاقتصادية، وفرض قيود على المؤسسات الداعمة للاستيطان.
وتكتسب هذه العقوبات أهمية خاصة لأنها لا تستهدف خصوماً لإسرائيل، بل مواطنين ومنظمات إسرائيلية. والأهم من ذلك أنها صدرت عن دول تعد من أقرب حلفاء وأصدقاء إسرائيل في العالم. فقبل سنوات قليلة كان من الصعب تصور أن تعمد حكومات غربية إلى فرض عقوبات على إسرائيليين بسبب سياسات مرتبطة بالاستيطان، أما اليوم فقد أصبحت هذه الإجراءات واقعاً سياسياً قائماً.
من جانب آخر، اتسعت دائرة الضغوط لتشمل شخصيات سياسية بارزة داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها. فقد تعرض وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير لانتقادات غير مسبوقة من حكومات غربية ومنظمات دولية بسبب مواقفهما وتصريحاتهما المتعلقة بالفلسطينيين والاستيطان. وأصبح اسماهما يرتبطان بصورة متزايدة في الإعلام الغربي بجرائم الحرب وبصعود اليمين القومي المتطرف داخل إسرائيل.
وفي موازاة الضغوط السياسية، جاءت التطورات القضائية الدولية لتضيف بعداً جديداً للأزمة. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبغض النظر عن المآلات القانونية لهذه القضية، فإن مجرد صدور هذه المذكرات شكل حدثاً تاريخياً غير مسبوق في العلاقة بين إسرائيل والنظام القانوني الدولي.
كما تزايد الحديث في الأوساط القانونية والإعلامية الدولية عن ملفات تتعلق بمسؤولين إسرائيليين آخرين، من بينهم سموتريتش وبن غفير، على خلفية سياسات الاستيطان والتحريض والعنف ضد الفلسطينيين. وحتى إن لم تصل هذه الملفات إلى مرحلة إصدار مذكرات توقيف، فإن مجرد تداولها يعكس التحول العميق الذي طرأ على صورة إسرائيل في الخارج.
إن ما تواجهه إسرائيل اليوم ليس العقوبات الاقتصادية ولا الملاحقات القضائية ولا الانتقادات الإعلامية، بل فقدان ذلك الاستثناء الأخلاقي الذي تمتعت به لعقود طويلة. فالدول تستطيع مواجهة العقوبات، ويمكنها تحمل الضغوط السياسية، ولكن استعادة الشرعية الأخلاقية بعد فقدانها مهمة أكثر صعوبة وتعقيداً. ولهذا قد يسجل المؤرخون مستقبلاً أن حرب غزة وما أعقبها من أحداث لم تكن مجرد محطة أخرى في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل كانت اللحظة التي بدأت فيها نهاية الاستثناء الذي تمتعت به إسرائيل داخل الوعي السياسي الغربي والعالمي.
مواضيع ذات صلة