عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 10 حزيران 2026

خيار جنين الصعب...

جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يسبق الستيني أسعد أبو الوفا، الشمس، فيصل إلى سهول عرابة قرابة الخامسة صباحا، ليبدأ مهمته في جني محصول الخبار الربيعي.

يتزود أسعد، الذي فقد عمله بالداخل، منذ نحو عامين ونصف العام، بالماء، وبملابس طويلة، وبقبعة لمواجهة شمس حزيران التي بدأت تكشر عن أنيابها.

يسرد أبو الوفاء لـ"الحياة الجديدة" يومياته، فيقول إنها تبدأ مع أذان الفجر من قريته الزاوية، جنوب جنين، وتتواصل حتى الواحدة والنصف ظهرًا، في سبيل توفير فرصة عمل بديلة عن مهنته المفقودة.

يتابع، وهو يتصبب عرقا: كنت أعمل في البناء، ووجدت مهنة بديلة للعام الثاني في برقين، لتوفير مستلزمات الحياة.

على يمين أبو الوفا ويسراه ومد بصره، ينتشر مزارعون من بلدات: برقين، وقباطية، وعرابة، وجبع، ويعبد وقراها، وكفيرت، وغيرها في مهمة يومية لقطف المحصول.

يشير أحمد إبراهيم، وهو عشريني من كفيرت المجاورة إلى أن العمل في الخيار يحتاج نسيان أوجاع الظهر، وعدم النظر إلى وجه الشمس، وتجنب الالتفات بعيدا، أو إلى الخلف، بل التركز في البحث عن ثمار الخيار بين أوراقه الخشنة.

تتنافس في سهل محيط ببرقين عدة أكياس بيضاء، على حفظ الثمار، تمهيدا لنقلها إلى مصنع مجاور لتخليلها، وفي الأفق البعيد مزارع خضراء يقول أصحابها إنها تكلفهم الكثير حتى تصل إلى هذه المرحلة.

فيما يتابع الخمسيني زيدان خلف، محصوله، ويده على قلبه، فالموسم هذا العام محفوف بالخطر؛ بسبب سوء البذور حديثة العهد، بعد اختفاء الأنواع القديمة من الأسواق، وتقلب مزاج الطقس الحاد، وحمى غلاء كل شيء يتصل بالأرض.

يعود خلف إلى سجلاته، ويؤكد لـ"الحياة الجديدة" أن حسابات البيدر لا تطابق حسابات الحقل هذا العام على ما يبدو، فالمحصول حتى الآن لا يبشر بالخير، والغلة تنذر بخسائر كبيرة.

ووفق المزارع، الذي يلتصق بمهنته منذ الطفولة، فإن دورة محصول الخيار طويلة وشاقة، والأهم مكلفة جدا، فهي تبدأ بضمان الأرض، وحراثتها، وتجهيز الأشتال، وتغطيتها بالنايلون، وسقايتها، وتسميدها، وعلاجها، وتعشيبها، وقطفها، وتسويقها، ومحكومة بالأمل ومحاولة تكرار التجربة.

ووفق خلف، فإن هذه الحلقة تحتاج يوميا إلى مبالغ كبيرة، في ظل ارتفاع أثمان مدخلات الإنتاج، والحاجة إلى ري متواصل، والظروف الجوية التي تأتي بآفات جديدة.

ويفيد: قطفنا حتى اليوم نحو 700 كيلو غرام من الدونم الواحد، وعلينا حتى لا نتكبد خسائر فادحة جني 2-3 أطنان على الأقل، وباقي من عمر الموسم مدة قصيرة، وهذا يعني أن الغلة قد لا تغطي تكاليف الإنتاج.

يشبه مزارعون الخيار بـ"الطفل الخداج"، الذي يحتاج إلى حاضنة، ويتحسس من الظرف المحيطة به، ومع ذلك يكررون زراعته، لأنه خيارهم الوحيد، كما يجمعون، وإن اختلفت صيغة خطابهم.

يؤكد مدير الإرشاد في مديرية زراعة جنين، جواد زكارنة لـ"الحياة الجديدة" أن الوزارة لا تتدخل في نوعية الأصناف التي تزرع، بل تقدم إرشادات لحماية المزارعين.

ويقول إن المديرية عقدت لقاءات إرشادية للفلاحين، حثتهم على انتقاء أصناف بذور جيدة، وأن يوثقوا عمليات الشراء عرفًا وليس ورقيًا؛ لضمان حقوقهم.

ويشير إلى الوزارة لا تجري مشاهدات لأصناف تجارية، بل تتكفل بذلك الشركات التجارية بإشراف المديرية.

ويؤكد زكارنة أن اعتماد أصناف بذور جديدة، تمر بمراحل وإجراءات، تشترط تنفيذ مشاهدة بإشراف الوزارة في كل المراحل.

بدوره، يرى عضو الأمانة العامة لاتحاد الفلاحين والتعاونيين الفلسطينيين، جمال خورشيد، أن سلامة مدخلات الإنتاج، وسلامة العروة الزراعية شرط أساسي لنجاح المواسم المختلفة.

ويشترط التحقق من المواصفات الفنية للبذور، من خلال الجهات الرقابية والإرشادية في وزارة الزراعة؛ لضمان أصناف مناسبة، ويحث المزارعين على الالتزام بالتعاقد مع شركات البذور باتفاقات مكتوبة وليس شفهية.

ويقول خورشيد إن "الزراعة" هي الفيصل في الرقابة على مدخلات الإنتاج، وأن مسؤولية المزارع الشراء بفاتورة ومن متاجر مرخصة، ومن جهات موثوقة.

ويشير إلى وقوع مشاكل في بذور محاصيل "خيار البيبي"، والفراولة، وتقاوي البطاطا، والبطيخ، ودون اتفاقيات شراء مكتوبة، لن يتمكن أحد من حماية المزارع، والأمر ينطبق على المبيدات والأسمدة.

ويبين أن وجود أجسام مهنية وناظمة للقطاع الزراعي مسألة مهمة، لكن ذلك لا يعفي المزارع من الشراء الرسمي لأصناف موثوقة، والحرص على ضمان حقوقه بقنوات رسمية.

وحسب خورشيد، فإن المركز الفلسطيني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، الذي يشغل موقع نائب مديره العام، كان له تجربة في عون المزارعين بتوريد بذور وشبكات ري منخفض وآلات تدريج وتعبئة، والتدخل بوضع أسعار عادلة.

ويعدد التحديات التي تواجه قطاع الزراعة حاليا كتذبذب الأسعار، وارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج، وتجريف الاحتلال لحقول، واقتحامات المستوطنين وسيطرتهم على مناطق زراعية، وهدم منشآت.

ومن منظار مدير عام شركة جنات للتسويق الزراعي، ومصنع المحصول الوفير للتصنيع الزراعي، علام خلوف، فإن معضلة السوق الزراعي في فلسطين، حجمه متناهي الصغر، مقارنة بأسواق عملاقة وضخمة مجاورة لنا وبعيدة عنا.

ويقول إن أحد أصناف بذور الخيار كانت تباع في الأسواق، وكانت ناجحة، غير أن تغيرات في ملكية الشركة المنتجة لها، جعلتها تتوقف عن ضخها، وبدأت بأصناف جديدة نجحت في دول أخرى، وفشلت لدينا.

ويعمل لصالح مصنع خلوف عدة مزارعين في مناطق ميثلون جنوب جنين بألف دونم، ومثلهن في سهول برقين وقباطية، وألف أخرى في مرج ابن عامر، عدا عن 3000 دونم في مرج ابن عامر والنصارية لشركات أخرى.

ويتوقع أن ينتج الدونم الواحد نحو 2 طن، بينما المعدل الطبيعي 4 أطنان، وينتهي الموسم مع انقضاء حزيران، الأمر الذي ينذر بخسائر فادحة لكثير من المزارعين، بفعل الكلفة العالية للإنتاج، وضعف الغلة.