اقتصاد محاصر.. هل تنجح "يلا ع نابلس" في إنعاش سوق فقد 70% من نبضه؟

نابلس- الحياة الجديدة- ميساء بشارات - في مدينة اعتادت أن تعرف نفسها كعاصمة اقتصادية نابضة، لم تعد حركة الأسواق في نابلس تقاس فقط بحجم البيع والشراء، بل بقدرتها على الصمود في وجه واقع معقد تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد.
حواجز الاحتلال، والاقتحامات، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الزوار، والبطالة، وأزمة رواتب الموظفين العموميين وعدم قدرة العمال على العمل داخل أراضي الـ 48 وغيرها كلها عوامل دفعت السوق إلى حافة الركود. لكن وسط هذا المشهد، برزت حملة "يلا ع نابلس" كمحاولة لإعادة ضخ الحياة في شرايين المدينة، وكسر العزلة عبر استقطاب الزوار، خصوصا من فلسطينيي الداخل، وتحويل الزيارة إلى فعل دعم اقتصادي مباشر.
الحملة، التي تقودها غرفة تجارة وصناعة نابلس، لم تقتصر آثارها على الفنادق والمطاعم، بل امتدت إلى قلب السوق حيث المحال الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
من الركود إلى الحركة.. صاحب محل ملابس يروي
داخل أحد محال الملابس في أسواق نابلس، يقف التاجر هيثم المصري يراقب حركة الزبائن التي بدأت تعود ولو قليلا خلال أيام محددة بعد أشهر من الركود.
يقول المصري: "قبل الحملة، كنا نفتح المحل لساعات طويلة دون أن نبيع شيئا يذكر، فالحركة كانت شبه معدومة، خصوصا بعد الحرب على غزة، ومع عدم دخول أهلنا من الداخل، السوق كان فعليا ميتا".
يوضح أن التراجع لم يكن بسيطا، بل وصل إلى مستويات خطيرة: "كنا نحكي عن انخفاض كبير في البيع، يمكن أكثر من 70% من الحركة المعتادة، حتى الزبائن من داخل نابلس تراجعت قدرتهم الشرائية بسبب الوضع الاقتصاي".
ويتابع المصري وهو يقف على باب محله وسط السوق: "لكن مع انطلاق حملة "يلاع نابلس"، بدأ المشهد يتغير.. وأول ما رجعوا أهلنا من الداخل يدخلوا ضمن أيام محددة، حسينا الفرق مباشرة.. وصار في حركة، في ناس بتفوت، بتسأل، بتشتري المحل رجع فيه روح".
ويشير إلى أن زوار أراضي الـ48 يشكلون عنصرا حاسما: "بصراحة، أغلب البيع صار يعتمد عليهم، هم اللي بيشتروا بكميات، وبيجربوا، وبيسألوا عن الجديد.. ممكن يكون أكثر من نص البيع منهم".
ورغم هذا التحسن، يبقى الحذر حاضرا، يقول: "الوضع تحسن قليلا، نعم لكن الوضع مش مستقر. أي إغلاق أو اقتحام ممكن يرجعنا لنقطة الصفر".
انتعاش مشروط بالحركة
في محل آخر لبيع الأدوات المنزلية، الصورة لا تختلف كثيرا، لكن التفاصيل تكشف عمق التأثير.
يقول صاحب المحل: "إحنا من أكثر المحال اللي تأثرت، لأنه الأدوات المنزلية مرتبطة بالقدرة الشرائية. لما الناس ما معها مصاري، أول شيء بتوقفه هو الكماليات.. قبل الحملة، كان الركود واضح، وكنا نمر بأيام ما نبيع فيها إلا القليل جدا".
لكن مع عودة الزوار، خاصة من أراضي الـ 48، تحسن المشهد وصار في إقبال بسيط، خصوصا على الأدوات التي تخص البيت والهدايا.
ويضيف أن الحملة أعادت الثقة للسوق وحتى نفسية التاجر تغيرت. "لما تشوف ناس في السوق، بتحس إنه في أمل".
ومع ذلك، يشدد الرجل على أن هذا الانتعاش لا يزال هشا: "الحملة مهمة جدا، لكنها مش كافية لحالها. إذا ما في استقرار، وما في تسهيلات في الدخول، الحركة رح تضل مرتبطة بالظروف".
وبين أروقة تجربة "يلا ع نابلس" تبرز شهادة رجل الأعمال حسام قرش، رئيس مجلس إدارة مجموعة قرش وعضو مجلس إدارة ملتقى رجال أعمال نابلس.
ويشير قرش إلى أن مثل هذه المبادرات الشبابية تمثل طوق نجاة للمشاريع الاستثمارية من خلال رفع نسب الإشغال وتعزيز صمود التجار والعمال في محافظة نابلس.
ويؤكد أهمية تكامل المنظومة الأمنية والسياسية التي وفرت الاستقرار للزوار. كما يؤكد على الهوية التاريخية والعراقة التي تمتاز بها المدينة، واصفا إياها بأنها العاصمة الاقتصادية لفلسطين بفضل تنوع مرافقها من فنادق فاخرة وأسواق تجارية تلبي كافة احتياجات العائلات.
الزائر من أراضي الـ 48 .. رافعة اقتصادية حاسمة
يقول قرش، الذي يعمل في القطاع السياحي منذ أكثر من عقد، إن مجموعته التي تدير سلسلة مطاعم وفندقا حديث الافتتاح منذ نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر، عايشت التحولات الاقتصادية بكل تفاصيلها. فقبل الحملة، كان المشهد مختلفا تماما.. القطاع السياحي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الزوار من الداخل، تلقى ضربة قاسية مع اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من تشديد على الحواجز ومنع شبه كامل لدخول المتسوقين إلى نابلس.
ويتابع أن "نسب الإشغال تراجعت بشكل حاد، ووصلت في بعض الفترات إلى مستويات شبه معدومة"، مشيرا إلى أن الركود لم يكن عابرا، بل امتد لأشهر، في ظل انكماش اقتصادي أوسع شمل تراجع القدرة الشرائية داخل الضفة المحتلة، وتأخر الرواتب، وارتفاع الالتزامات المالية على المواطنين.
ومع إطلاق حملة "يلا ع نابلس" بدعم من غرفة تجارة وصناعة نابلس وشركائها، بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجا. يصف قرش الحملة بأنها "مبادرة شبابية تستحق الاحترام"، نجحت في إعادة تسويق المدينة واستقطاب الزوار رغم التحديات.
يقول قرش: "في فترات ذروة الحملة، كانت نسب الإشغال ممتازة وفوق التوقعات"، مضيفا أن المطاعم شهدت حركة لافتة، وأن الفندق، رغم حداثة افتتاحه، تمكن من تحقيق نسب إشغال مرتفعة في أوقات محددة.
غير أن هذا الانتعاش، حسب قرش، لا يمكن عزله عن عوامل أخرى. فهو يؤكد أن الحملة تشكل "جزءا من منظومة متكاملة"، تشمل أيضا دور الأجهزة الأمنية في توفير الاستقرار، والجهود السياسية لتخفيف القيود على الحركة، إلى جانب عامل لا يقل أهمية وهو الانتماء الوطني لدى مواطني أراضي الـ 48، الذين وصفهم بأنهم "ليسوا ضيوف بل أهل الدار".
ليست حملة… بل محاولة إنقاذ كجزء من منظومة اقتصادية أوسع
ورغم الأثر الإيجابي، يرفض قرش المبالغة في توصيف الحملة كحل جذري، منوها إلى أن عملية الإنقاذ لا تأتي من مبادرة واحدة، مشيرا إلى أن الاقتصاد المحلي أوسع بكثير من أن يختزل في قطاعي المطاعم والفنادق. فهناك قطاعات حيوية مثل العقار والتشغيل تعتمد على دورة مالية أكبر، لا تزال تعاني من شح السيولة وتراجع النشاط.
ويتابع قرش أنه بعد التحسن النسبي الذي وصلت فيه الحركة إلى نحو 50– 60% في بعض الفترات، عادت لتتراجع مجددا مع تصاعد التوترات الإقليمية، لتصل في لحظات معينة إلى انخفاض يقارب 95%، وهو ما يعكس هشاشة الانتعاش وارتباطه الوثيق بالمتغيرات السياسية والأمنية.
في المقابل، لا يخفي قرش قناعته بأن أي حراك ولو كان جزئيا يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
أما عن استدامة هذا النشاط، فيبدو قرش واقعيا. الحملة، برأيه، تحتاج إلى تطوير مستمر، وخطط أكثر عمقا لاستقطاب أعداد أكبر من الزوار، وتعريفهم بمقومات المدينة السياحية والتجارية.
يقول: "نابلس لا تحتاج فقط إلى حملة، بل إلى استراتيجية مستمرة".
وفي رسالته للزوار يقول: "نابلس تاريخ وحضارة.. مدينة لا تعتبر الزائر ضيف، بل واحدا من أهلها".
ويؤكد أن تنوعها من الأسواق التقليدية إلى المرافق السياحية والفندقية يجعلها وجهة متكاملة قادرة على استعادة مكانتها، إذا ما توفرت الظروف المناسبة.
ودعا المواطنين في كافة المناطق لزيارة المدينة واكتشاف الأمان وحسن الضيافة الذي تنفرد به نابلس، مع التركيز على أهمية استثمار وسائل التواصل الاجتماعي لجذب المزيد من الوافدين.
اقتصاد معلق على الحركة.. غرفة تجارة نابلس تراهن على الزائر لكسر ركود السوق
ياسين دويكات، الناطق الإعلامي باسم غرفة تجارة وصناعة نابلس، يضع الحملة في سياقها الأوسع، موضحا أنها ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لأكثر من أربع سنوات، تبنتها الغرفة بقوة ضمن رؤية واضحة هدفها الأساسي "تسويق نابلس"، وما يتفرع عنه من أهداف تتعلق بإنعاش الاقتصاد المحلي وتعزيز صمود القطاع الخاص.
يقول دويكات إن الحملة جاءت في ظل واقع اقتصادي صعب تعيشه المدينة، "نابلس محاصرة من مداخلها، والقرى المحيطة بها تعاني ذات الظروف"، ما انعكس مباشرة على الحركة التجارية. فاقتصاد المدينة، تاريخيا، يعتمد على ما يسميه "الزائر الخارجي"، أي المتسوقين القادمين من خارج المحافظة، وعلى رأسهم فلسطينيو الداخل، الذين يشكلون العمود الفقري للقوة الشرائية في الأسواق.
وضمن هذا الإطار، ركزت الحملة على إعادة تقديم نابلس كوجهة متكاملة: مدينة بأسواقها المتنوعة، وأسعارها التي تناسب مختلف الشرائح، وبلدتها القديمة بما تحويه من إرث تاريخي وصناعات تقليدية، إضافة إلى مقومات السياحة التعليمية والطبية، حيث تعد من أكثر المحافظات احتضانا للمؤسسات الأكاديمية والمراكز الصحية.
ويشير دويكات إلى أن الحملة امتدت إلى إنتاج محتوى إعلامي موجه لمواطني أراضي الـ 48، شمل مواد مصورة ومقروءة، هدفت إلى إعادة ربطهم بالمدينة وتعريفهم بميزاتها، وهو ما انعكس ايجابا في أعداد الزوار قبل اندلاع التوترات الإقليمية الأخيرة، لا سيما قبيل شهر رمضان.
لكن هذا التحسن لم يكن مستقرا. فمع اندلاع الحرب على غزة، ثم التصعيد الإقليمي الأخير، تراجعت الحركة التجارية بشكل حاد.
يقدر دويكات أن الأسواق فقدت ما بين 60% إلى 70% من نشاطها في بداية الحرب، قبل أن تعود إلى مستويات تفوق 50% مع فترات الهدوء النسبي، لتتراجع مجددا لاحقا بأكثر من 75% في ظل تصاعد الأزمات وارتفاع الأسعار.
ويضيف أن الضغوط لم تقتصر على العوامل الأمنية، بل تعمقت بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، خصوصا السولار، الذي سجل زيادة بنحو 40%، ما انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار السلع، وعمق حالة الركود في السوق.
ورغم هذه التحديات، يرى دويكات أن الحملة أثبتت قدرتها على تحريك السوق، مستشهدا بمؤشر واضح: "في الأيام التي يكون فيها دخول الزوار سلسا، لا تجد غرفة فندقية شاغرة في نابلس". ويؤكد أن الأثر لا يقتصر على قطاع بعينه، بل يمتد إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية، وإن كان قطاعا المطاعم والفنادق الأكثر استفادة والأكثر تضررا في الوقت ذاته عند غياب الزوار.
في أحد المؤشرات اللافتة، ينقل دويكات عن تجار البلدة القديمة أن ما يصل إلى 90% من مبيعاتهم في بعض الأيام يأتي من زوار الداخل، ما يعكس حجم الاعتماد على هذه الشريحة في تحريك عجلة الاقتصاد.
ومع ذلك، لا يتجاهل دويكات المعيقات البنيوية التي تهدد استدامة الحملة، وعلى رأسها الاقتحامات اليومية والحواجز، التي قد تربك الأسواق وتثني الزوار عن القدوم، خاصة عندما تحدث في وضح النهار.
ويؤكد ان البيئة الآمنة عنصر أساسي في قرار التسوق، مشددا على أن أي اضطراب أمني ينعكس فورا على الحركة التجارية.
ووفق توصيف الغرفة اليوم، لم تعد "يلاع نابلس" مجرد حملة موسمية، بل تحولت إلى فعالية مستمرة بلا سقف زمني، تقوم على شراكة واسعة مع مؤسسات رسمية وأهلية، بينها الأجهزة الأمنية، والبلدية، وقطاع الأعمال، إلى جانب دور محوري للإعلام في الترويج للمدينة.
ورغم أن الغرفة تتصدر قيادة هذه الجهود، إلا أن دويكات يشير إلى أن النجاح هو نتاج عمل جماعي، يبدأ من التنسيق مع منظمي الرحلات في الداخل، ولا ينتهي عند استقبال الحافلات في المدينة، في مشهد يعكس محاولة منظمة لكسر العزلة وإعادة الحياة إلى الأسواق.
في المحصلة، تبدو "يلا ع نابلس" أكثر من مجرد حملة ترويجية؛ إنها محاولة لالتقاط أنفاس اقتصاد مثقل، عبر استدعاء عنصره الأهم: الزائر.
وبين انتعاش مشروط وتراجع متكرر، يبقى السؤال مفتوحا: إلى أي مدى يمكن لهذه الجهود أن تصمد في وجه واقع سياسي واقتصادي لا يزال يفرض إيقاعه على المدينة؟.
مواضيع ذات صلة
الرئيس يصدر قرارا بإعادة تشكيل مجلس إدارة سلطة النقد الفلسطينية
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,612 والإصابات إلى 172,457 منذ بدء العدوان
"مقاومة الجدار": 1637 اعتداءً نفذها الجيش والمستعمرون الشهر الماضي
"الاحصاء" يباشر بتأهيل وتدريب الكوادر البشرية العاملة على تنفيذ مسح القوى العاملة في قطاع غزة
"هيئة الأسرى": الأسيرات في سجن "الدامون" تعرضن لحملات قمع ممنهجة ومتكررة
الاحتلال يهدم منزلا في قرية الديرات جنوب الخليل
ترمب: عملية أميركية لمساعدة السفن العالقة في مضيق هرمز صباح اليوم