عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 تشرين الثاني 2025

ما بين وعد بلفور والاعتراف بفلسطين.. شرعية القانون وفلسفة العدالة

عميد دكتور/ شادي جبارين*

لم يكن وعد بلفور مجرد تصريح سياسي أطلقته بريطانيا في الثاني من تشرين الثاني من عام 1917، بل كان فعلا تأسيسيا له أثره الفلسفي والقانوني في مسار التاريخ الدولي، إذ جسّد في جوهره إخلالا بمبدأ العدالة الكونية، وانتهاكا صارخا لحق تقرير المصير الذي يُعد حجر الأساس في فلسفة الدولة الحديثة والقانون الدولي العام. ومع مرور قرنٍ من الزمن، يأتي الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين ولو رمزياً ليعيد تحريك الأسئلة الكبرى حول مفهوم العدالة، والاعتراف، والمسؤولية التاريخية للدول.

الفعل البريطاني الأول كان تعبيرا عن فلسفة سياسية استعمارية ترى في الآخر مجرد موضوع لتاريخها، لا ذاتا فاعلة فيه. لقد تم التعامل مع الشعب الفلسطيني ككيان قابل للتجاوز، وهو ما يذكّرنا بتحليل الفيلسوف الألماني هيغل لمفهوم الاعتراف حين بيّن أن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يُعترف بالآخر كذات حرة مساوية. وبذلك، فإن مأساة فلسطين ليست فقط مأساة اغتصاب الأرض، بل مأساة نفي الاعتراف بالذات الفلسطينية كوجود تاريخي، قانوني مستقل.

لكن التاريخ، لا يسير في خط مستقيم، بل يتقدّم نحو تصحيح الوعي الإنساني عبر مسار العقل العملي. فالاعتراف البريطاني الأخير يمكن فهمه –فلسفيا– بوصفه لحظة من لحظات تصحيح العقل الأخلاقي في مواجهة تناقضاته السابقة. ليس لأن بريطانيا تمنح الشرعية، بل لأنها تكتشف أن العدالة لا يمكن أن تظل مؤجلة إلى الأبد، وأن الحق حين يُغتصب لا يفقد مشروعيته، بل يتحول إلى معيار يُحاكم به التاريخ ذاته.

قانونيا، يعيد هذا التحول طرح سؤال جوهري في نظرية الاعتراف الدولي: هل وجود الدولة يستمد مشروعيته من الاعتراف الخارجي أم من تحققها الفعلي ككيان سياسي؟ إن فلسطين، التي وُجدت في الوعي الجمعي لشعبها قبل أن تُولد على الورق، تمثل مثالا فريدا في القانون الدولي على أن الإرادة الوطنية قد تسبق الشكل القانوني. فالاعتراف هنا ليس تأسيسا للوجود، بل إقرارٌ بوجود سابق لم يُرِد العالم أن يراه.

إن الفلسفة السياسية الحديثة تؤكد أن السيادة ليست امتيازا ممنوحا، بل تجسيدٌ لإرادة جماعية وحقٍّ في الوجود الحر. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف البريطاني ليس منّة سياسية بل تصحيح لمسارٍ قانوني أخلاقي طويل من الإنكار. إنه إعلان متأخر بأن الفلسطيني لم يكن يوما عبداً في معادلة القوة، بل فاعل في التاريخ قاوم فكرة الهيمنة بالوعي والثقافة والصمود، ليجعل من البقاء فعلا فلسفيا يتحدى منطق القوة.

وهكذا، فإن القضية الفلسطينية تُعيد إلى الفكر القانوني أسئلته الأولى: ما حدود العدالة حين تتقاطع مع التاريخ؟ وهل يمكن للقانون أن يُعيد الاعتبار إلى من أُقصي عن مائدة الشرعية الدولية؟ يبدو أن الاعتراف البريطاني بفلسطين بكل ما يحمله من رمزية ليس مجرد خطوة دبلوماسية، بل علامة على نضوج وعي عالمي بأن العدالة لا يمكن أن تبقى أسيرة موازين القوى، وأن الحق، حين يُصرّ عليه أصحابه جيلاً بعد جيل، يتحول من مطلب سياسي إلى ضرورة أخلاقية وفلسفية لا يمكن للعالم تجاهلها.

إن فلسطين، من منظور الفلسفة والقانون معا، ليست قضية تخص الجغرافيا وحدها، بل هي امتحان دائم للضمير الإنساني ولمدى قدرة القانون الدولي على أن يكون انعكاسا للعدالة لا أداة لتبرير القوة. ومن هنا، يصبح الاعتراف بفلسطين ليس مجرد حدث في التاريخ، بل لحظة تأمل في معنى أن تكون الدولة تعبيرا عن إرادة الحرية لا عن إرادة الغلبة. وما بين وعد بلفور والاعتراف من ذات الجهة تجد فرقا زمنيا.

--------

* المستشار القانوني لهيئة التوجيه السياسي